مقالات

حواديت ... مجيد الإنسان د. أسامه الفرا

 

 

لم يكن غياب مجيد الأغا إلى دار الخلود بالأمر الهين على كل من عرفه عن قرب ، ورحيله المفاجئ بعد رحلة قصيرة مع المرض أثقلت عليهم فاجعة الفراق ، كنت قد تعرفت عليه بعد عودته مع القيادة الفلسطينية إلى ارض الوطن ، ولعل العلاقة التي ربطتني سابقاً مع أهله أسهمت في توطيد العلاقة بيننا بشكل سريع حتى بتنا نلتقي يومياً .

 ومن البديهي أن تفتح هذه العلاقة أمامي كتاب مجيد الإنسان ، كنت أعرف الكثير من المواقع التي تقلدها والقليل من المهمات التي كلف بها خلال السنوات الطويلة من مسيرته النضالية ، ولكن بعيداً عن كل ذلك حيث نظر دوماً إلى هذه المناصب من بوابة التكليف لخدمة الوطن لا من زاوية التشريف المزيف ، اكثر ما تميز به مجيد عن غيره حالة التواضع التي سكنت فيه حتى باتت صفة ملاصقة له أينما حل ونزل ، فكثيراً ما كنت تراه يفترش الرصيف في جلسة حوارية مع الصغار والكبار ، لم تحجبه الرتبة العسكرية عن فعل ذلك ولم تجذبه الهالات المزورة التي يصنعها البعض من حولهم بمساعدة المرافقين والحراس ، كانت بساطته ايضاً مدعاة إحترام.

 إعتدنا أن نذهب إلى شاطئ بحر خان يونس في فصل الصيف ، وكنا نجد في العريشة الصغيرة ( الخص ) للرجل العجوز الطيب الذي توفاه الله مؤخراً ( أبو الندى ) المكان الأكثر راحة لنا ، وعريشة أبو الندى كما هي دون زيادة أو نقصان من زمن الإدارة المصرية لقطاع غزة مروراً بفترة الإحتلال الإسرائيلي وصولاً إلى السلطة الوطنية ، كان مجيد يبحث في جلسته المتواضعة عن التواصل مع علاقة والده معه ، كان يحرص على التواصل مع الناس في مناسباتهم المختلفة فلا يترك واحدة منها ولم يمنعه عن أداء الواجب ( كما كان يقول دوماً ) المرض الذي تغلغل إلى جسده.

 كان يفرض عليك الإنصات إذا ما تحدث عن الثورة وتاريخها ، ويزداد ذلك تشويقاً إذا ما تبادل الحديث مع صديقنا اللواء الشهيد أحمد مفرج ( أبو حميد ) ، كأنهما يقلبان سوياً صفحات الثورة بمحطاتها المختلفة ، فتبدو أمامك كتاباً مفتوحاً تلملم صفحاته تجربة نضالية فريدة من نوعها ، وكان يحرص على إستغلال ما تبقى من الليل لزيارة الأصدقاء وكأنه يسابق الزمن في التواصل معهم ، يتنقل بين المدينة والقرية والمخيم حتى أزقتها الضيقة تشهد له بذلك .

إمتلك شبكة علاقات تثير الإعجاب ولعل أخلاقه التي إمتاز بها وفرت له سهولة نسج هذه الشبكة من العلاقات المترامية الأطراف داخل الوطن وخارجه ، وفي الوقت الذي شيد فيه علاقته الوطيدة مع المسؤولين في السلطة الوطنية وسع من دائرة علاقاته مع عامة الناس ، ولعل هذا ما أفرزته الجنازة المهيبة التي خرجت في مدينة خان يونس لوداعه ، حيث كانت بمثابة اللوحة المعبرة عن أطياف المجتمع المختلفة السياسية والإجتماعية والإقتصادية ، خرج الجميع في وداع من أحبهم وأحبوه ومن تحدث معهم بصراحته المعهودة وإستمع إليهم بإنتباه .

عامان مرت على رحيل اللواء مجيد الأغا ، مجيد الذي أمضى جل حياته في خندق النضال ، كان دوماً يتواجد حيثما إحتاج الوطن للرجال ، عاش حياته بتجرد مطلق من نعيم الدنيا وبريقها الزائف ، فرحل عنها تاركاً إرثاً أخلاقياً يتناول لليوم والغد مفرداته برمزية كل من إقترب من مجيد الإنسان . [email protected]

 

اظهر المزيد