مقالات

اطلالة في ذاكرة بعيدة- الوالد خالد نعمان الاغا في ذكراه الثامنة والاربعين- نبيل خالد الأغا- الدوحة

 

اطلالة في ذاكرة بعيدة
الوالد خالد نعمان الاغا في ذكراه الثامنة والاربعين
نبيل خالد الأغا- الدوحة

 

  • زرت القاهرة خفية مع أخي وليد عام 1951، وبهرنا جمالها الرائع

  • متى وكيف تزوج والدي من زوجته الثانية السيدة السورية كوثر الصواف «أم نزيه»

  • أستاذي عادل شراب عاقبني بقسوة مفرطة بسبب دعاء( يا رب يسر ولا تعسر)

  • ليلة دفن جثة والدي تسللت من بيت مضيفنا العم حمدي حسين الآغا «أبو مروان» بهدف اخراج أبي من قبره!!

  • ما سرّ الانفجار العنيف الذي هز حارة الأغوات ليلة السابع من مارس عام 1957؟

  • خالد نعمان الآغا أول من ادخل الدروس الخصوصية إلى خان يونس ، وأستاذنا شكري شبير رائدها الاول.

  • مركز خالد نعمان الآغا الصحي الخيري بحاجة إلى نخوة المحسنين وكرم مؤسسات المجتمع المدني
     

معلومات تنشر لأول مرة

 

المرحوم خالد نعمان الاغا
1916- 1961


صوت خفي يجوس في أعماقي ينبهني بضرورة كتابة مقال اعرض فيه سيرة أحد ركني حياتي، والدي الأحب الأغلى المغفور له إن شاء الله تعالى الحاج خالد نعمان خالد الاغا الذي لبى نداء مولاه في اليوم الخامس من شهر نوفمبر من عام 1961م.

تأملت ملياً في صفحة الماضي وتساءلت بدهشة مشوبة بألم: أحقا مضت ثمان وأربعون سنة على غيابه الأبدي؟!

الصوت الخفي ما انفك يجوس في أعماقي صعوداً وهبوطاً يستحثني لاسجل لقراء «نخلتنا» الباسقة ما ترسب في دهاليز الذاكرة من سيرة أبي، لعلهم يفيدون منها، ويدعون لصاحبها وللمؤمنين والمؤمنات بالرحمة والمغفرة.

عندما جاءه ملك الموت كنت في السابعة عشرة من عمري، لم أعهده مازحا بل جاداً جداً، يتمتع بهيبة طبيعية، قسمات وجهه لها نصيب وافر من أسباب هيبته، إضافة إلى عوامل أخرى منها عذوبة حديثه، وطول قامته، وحسن هندامه سواء ارتدى البدلة مع الطربوش، أو القمباز والحطة والعقال. «القمباز: رداء طويل فضفاض يشبه الجلابية».

في أواخر عقد الثلاثينيات من القرن الماضي تزوج الوالد من الوالدة رقية محمد حمدان الاغا. وأنجب منها أربعة ذكور وأنثى، وهم على التوالي: انصاف، احمد عدنان، وليد نبيل.

عمل في التجارة منذ باكورة حياته مسافراً من خان يونس إلى عدة مدائن فلسطينية وارتبط بعلاقات وطيدة مع شخصيات كثيرة.

ذكرت في مقالة سابقة عن المجاهد حلمي أحمد الاغا «أبو المعتز» جانبا من مشاركة الوالد في حرب 1948 في منطقة وادي السلقة بدير البلح حيث كنا نسكن في بيارة جدي الحاج نعمان، وكانت مجموعة من المجاهدين تتخذ من الاشجار الكثيفة، مقراً لها للتدريب والانطلاق لمهاجمة مستعمرة يهودية مجاورة.

وبعد انتهاء الحرب سافر الوالد إلى بيروت في مهمة تجارية، وأثناء وجوده فيها تعرف على السيد عادل ساق الله من غزة والمتزوج من سيدة سورية فاضلة من عائلة الصواف المعروفة في مدينة حماه، وعرف الوالد أن لها ابنة عم تدعى «كوثر» فرغب في الزواج منها، والتقى والدها الشيخ محمد الصواف، وطلب يدها بعد أن أخبر أهلها أنه متزوج في خان يونس ، وجوبه طلبه بالرفض في بادئ الأمر، ولكن لأن القاعدة الارتكازية في الزواج مبنية على مبدأ القسمة والنصيب فقد تم الزواج وسافرا معاً إلى بيروت وأقاما في شقة بحي البحصة جوار سكن صديقه الغزي.

وبعد فترة وجيزة وصلت للوالد برقية بضرورة توجهه إلى القاهرة للاشراف على معالجة والده الحاج نعمان خالد خليل الاغا «أبو قاسم» الذي يعاني من مرض شديد في عينيه، وبقي والدي إلى جانب والده الذي لم يبرأ من المرض، فعاد إلى خان يونس فاقد البصر نافذ البصيرة.

ويبدو أن فكرة الاقامة في القاهرة راودت الوالد لعدة اعتبارات لعل في مقدمتها اتفاقه مع صديقه السيد أسعد شهوان على افتتاح محل للمواد الغذائية على ناصية شارع سليمان جوهر بحي الدقي حمل اسم «بقالة وادي النيل الكبرى» (يشغل المكان حالياً مقهى شعبي).

وقام الوالد بتصفية أعماله في لبنان، واستقر في القاهرة مع زوجته وابنه البكر نزيه.
 

من خان يونس إلى القاهرة تهريبا


وفي بداية عطلة صيف 1951 جاءنا في خان يونس مبعوث من قبل الوالد يطلب مني

الفتى وليد خالد
 15 عاما

 ومن أخي وليد تحديداً أن نرافقه إلى القاهرة لأن الشوق قد هزّ وجدان الوالد لرؤيتنا، وعلمنا أننا سنذهب إلى مصر بدون تأشيرة دخول مع العلم بأنني لم أكن يومئذ تجاوزت العاشرة من العمر، بينما أخي وليد يكبرني بعام واحد.

المبعوث رجل شهم ينتمي إلى عائلة شراب العريقة التي ينقسم أفرادها الكثر إلى قسمين يحمل أحدهما الجنسية المصرية والآخر الجنسية الفلسطينية.

ويجمعنا رباط النسب بهذه العائلة الكريمة، فخالة الوالد متزوجة من السيد توفيق شراب من سكان خان يونس ومن أولادها راغب والياس.

السيد رشاد شراب (سلوت) قام بأداء المهمة التي لا تخلو من مخاطرة وحنكة على خير وجه.
بتنا ليلة واحدة في قرية «الشيخ زويد» القريبة من العريش في ضيافة عائلة «شرابية» واستمتعنا بعشاء شهي، من خبز الملة «القرص»، وفي اليوم التالي ركبنا الحافلة صباحاً فوصلنا القاهرة ليلاً وبهرتنا أضواؤها وزحامها، وروعة نيلها.لكن المنظر الذي ما انفك ماثلا في عمق الذاكرة متمثل في مجموعة من الابل المزركشة وهي تتهادى في شوارع القاهرة حاملة على ظهورها كسوة الكعبة التي صنعت في مصر في طريقها الى مكة المكرمة وتسمى ( المحمل )
التقينا ابن عمنا السيد فتحي قاسم نعمان الاغا حيث كان يدرس في الازهر الشريف،

السيد فتحي قاسم الاغا
 طالبا في الازهر
التقطت الصورة عام 1956

 اضافة إلى السيدين نعيم حسن الاغا وعيد سعيد الاغا.

وبعد انتهاء الإجازة عدنا إلى خان يونس بنفس الوسيلة دونما معوقات، وكأننا لم نتجاوز قوانين الخروج والدخول، اللهم إلا إذا اعتبرنا أن بلاد العرب أوطاني من الشام لبغداد.

عقاب بلا جريمة!!

برغم مظاهر السعادة التي غمرتني جراء هذه الزيارة التاريخية التي تباهيت بها أمام زملائي بالصف الرابع الابتدائي، إلا أنني دفعت ثمنها غاليا، وغاليا جداً!! كيف؟

أثناء إقامتي القصيرة في القاهرة طربت لدعاء كان الوالد يردده صباح كل يوم: «يا رب يسّر ولا تعسر»، وحدث أن مدرس اللغة العربية كلفنا بكتابة موضوع انشاء بعنوان كيف قضيت العطلة الصيفية ، فكتبته بسرور وانتشاء وزيّنته بالدعاء في أعلى الصفحة: يا رب يسر ولا تعسر، وبمجرد دخول المدرس العملاق إلى الفصل في الحصة الاسبوعية التالية فاجأنا بقوله: أين «الحيوان» نبيل خالد الآغا؟! وقفت مرتبكا وقد ارتعدت فرائصي،ولما راني علق قائلا ( والقشل ) وأمرني بالتوجه إليه فصرخ في وجهي بغضب: هل نحن في دكان أو في مدرسة يا «زفت»؟ وصفعني صفعة شديدة انخلع لها قلبي، وتخيلت لحظتها أن نار الله الموقدة قد اشتعلت في وجهي، وكدت أقع على الارض لولا لطف الله، وعدت إلى البيت متبرما مهموماً مقهوراً، باكيا حزينا، فتلقفتني الوالدة فأخبرتها بما حدث لي، وأنبأتها بأن الجاني هو استاذ اللغة العربية عادل شراب، وعلى الفور لبست «الداير والقنعة» وتوجهت بي إلى صديقتهاالمرحومة السيدة بشرى شراب زوجة عمنا الراحل حلمي أحمد الاغا «أبو المعتز»، واشتكت لها من سوء معاملة اخيها فاستاءت واعتذرت ولم أتذكر ما الذي حدث بعد ذلك، وعلمت لاحقا انه ذهب الى ديوان العائلة واعتذر عن تصرفه، وكلما اتذكر ذلك الموقف استرجع صدى تلك الصفعة الفولاذية يرن في أذني بعد أكثر من نصف قرن!

واتساقا مع منهجي في التسامح والعفو فأشهدكم ايها الاحبة أني مسامحه ومسامح كل الذين اساءوا لي بالقول او الفعل وبالمقابل فانني اناشد كل الكرام الذين اسات اليهم بالقول او بالفعل ان يسامحوني وجزاهم الله خيرا.

وبعد عدة سنوات قضاها الوالد في القاهرة عاد إلى مسقط رأسه وكذلك زوجته الثانية برفقة أخي نزيه الذي ولد في بيروت في العام 1951.

واشترك مع صديقه صالح زعرب «أبو صلاح» في تأسيس «مكتب العهد الجديد للسياحة وشؤون الحج» والمقصود ب»العهد الجديد» ثورة 23 يوليو في مصر.

كيف كانت العلاقة بين «الضرتين»: أم أحمد وأم نزيه؟!
لن أكتفي في هذا الموقف بطرق خزان الذكريات من الخارج بل سأطرقه وأدخل في أعماقه وأتجول في أبهائه وزواياه وذلك بهدف اجتماعي وديني وأخلاقي في وقت واحد، ولن أتحرج من الخوض فيه بأمانة وشجاعة، والهدف هو اطلاع قراء وقارئات موقع «نخلتنا» على العلاقة التي جمعت قبل أقل من ستين عاماً بقليل بين ضرتين ولدتا في بيئتين مختلفتين جغرافياً ولكنهما متقاربتان اجتماعياً إلى حد ما، كذلك فهما مختلفتان في العمر فالفارق بين أم أحمد «القديمة» وأم نزيه «الجديدة» يقل عن خمسة عشر عاماً، إضافة إلى الفارق البسيط في التعليم، فالأولى أمية لا تقرأ ولا تكتب، أما الثانية فتستطيع فقط قراءة القرآن الكريم.

وبرغم هذه الفروقات الثانوية فقد كان الوئام بينهما هو العنوان الأبرز في حياتهما التي امتدت نحو ثلاثين عاماً انتهت بوفاة أم أحمد عام 1982، وندعو الله تعالى بطول العمر وحسن الخاتمة لأم نزيه.
لقد أدركت كلتاهما ان الله تعالى قدّر لهما أن تعيشا، وتتعايشا معا.. وهذا ما تم فعلا بمجرد وصول «الثانية» قادمة من مصر وإقامتها في بيت «الأولى» واستمر الحال بينهما حتى بعد أن سكنتا في بيتين منفصلين «في الصحية القديمة» و «الدار الغربية».

وبقي حبل الود متصلا بينهما حتى بعد وفاة الوالد رحمه الله عام 1961.
الوالدة أم أحمد بعد أن ربت أبناءها الخمسة اختارت لنفسها ان تكون حاضنة لابناء أم نزيه الاربعة، كيف؟

اخواني غير الاشقاء نزيه ومحمد وناهض وناظم ونهى الذين أنجبتهم أم نزيه يتباهون حتى الساعة بأنهم تربوا في أحضان الوالدة حيث كانوا ينادونها كما كنا نفعل «أمّا» بفتح الألف وتشديد الميم وتفخيمها، وذلك تمييزاً عن لفظ «ماما» حيث كانوا يتعاملون به مع أمهم.. أم نزيه.
وكثيراً ما كانوا يمكثون عندنا أياما وليالي، وأحيانا كانوا يهربون من «قسوة» أمهم إلى «حنان» أمنا طلبا للأمان المطلق.

وكان المجتمع الخانيونسي يضرب بهما المثل في التآخي والمودة وحسن العشرة، وفي بعض المناسبات كانتا تترافقان معا عند زيارتهما لبعض العائلات، وأم نزيه تفخر بحب أهل السطر لها وإحاطتها بكل مظاهر التبجيل حتى بعد وفاة الوالدة ظلت تزورهم ويزورونها.

ومعلوم أن أهل السطر بمجملهم هم أهل أمي أباً وأماً وأعماماً وعمات واخوانا وأخوات وأحفاداً وحفيدات.. الخ. وكنت في بعض الاحيان أمازح أم نزيه قائلاً لها: كيف حالك يا امرأة أبي؟ فتغضب وتناشدني ألا أكرر عليها ذلك اللفظ الذي تعافه نفسها، فأقول لها: سمعاً وطاعة يا امرأة أبي فتبتسم، ويصفو فؤادها.

والحق أن أم نزيه استطاعت بحكمتها أن تتعايش مع مجتمع خان يونس المتخلف يومئذ في كل جوانب الحياة والمحكوم بموروثات بالية سادت فيها آفات الغيبة اللعينة وأخواتها النميمة والغيرة والحسد والكذب والقيل والقال إضافة إلى السحر والشعوذة.. ونحمد الله أن اضمحلت هذه الآفات نتيجة للوعي الديني والاجتماعي والحضاري الذي يسود المجتمع الفلسطيني بشكل عام.
الحاجة أم نزيه،ما انفكت تتذكر وتعتز بشهادة عمنا المختار المرحوم عيد حسين الآغا بقوله: كثير من الزوجات غير الفلسطينيات جئن إلى خان يونس فتكبرن وتعالين علينا عدا أم نزيه التي أحبتنا وأحببناها.وقد اقسمت لي ام نزيه مؤخرا انها تتمنى ان تموت وتدفن في خان يونس التي احبتها واهلها من اعماق قلبها.

وأخيراً.. فلا بد من الإشارة إلى أن العلاقة بين أمي و «امرأة أبي» لم تكن علاقة ملائكية.. بل كانت تشوبها احياناً بعض أحوال النكد وسوء الفهم وهذا وضع طبيعي في العلاقات البشرية حتى بين الأخت وأختها.. أو الأم وابنتها.. لكن الوئام الذي ساد بين الضرتين أثبت عمليا عدم دقة المثل العامي القائل «الضرة مرة» فأحيانا قد لا تكون مرة، لكنها قطعا لن تكون «حلوة» أبداً!

عندما اتسعت دائرة رؤيتي في الحياة.. أخبرتني الوالدة رحمها الله تعالى أنني ولدت في البيارة بدير البلح قريباً من الطريق الرئيسي الموصل بين خان يونس وغزة.. وكان الضيوف يطرقون بابنا كلما رغبوا في زيارتنا سواء أتوا لهذا الغرض، أو مروا مرور الكرام، كان البيت مضافة ومقصداً للأصدقاء وللأحباب ولعابري السبيل، فتقوم الوالدة بتوفير الطعام والشراب وربما المبيت، إذا لزم الأمر حسب تعليمات الوالد الذي كان موصوفا بالكرم والعطاء ويتمتع برغد العيش. وكان في ذلك الوقت المبكر يمتلك ثلاث عربات ميكانيكية، الاولى تراكتور زراعي «وابور الحراثة» ذي العجلات المجنزرة يقوم بحراثة البيارة بالطريقة غير التقليدية، ويتولاه سائق خاص يقوم ايضاً بحراثة الارض لمن شاء من الجيران لقاء أجر معين.

وكان يمتلك سيارة شيفروليه سوداء «ملاكي» يقودها بنفسه، وبعد النكبة كلف أحد الافراد بنقل الركاب عليها بين خان يونس وغزة وبالعكس.

وكان يمتلك ايضا جيباً يستعمله لمهماته القريبة، وخصص له مرآبا بالصحية، ولما تدفق اللاجئون على خان يونس اضطر إلى تفريغ المرآب لتحل محله عائلة فلسطينية من قرية وادي حنين، مكونة من نحو عشرة أفراد.

وإضافة إلى ذلك.. فالوالد حينما انتوى السفر إلى لبنان بعد انتهاء الحرب مباشرة تعاقد مع رجل يمني قوي الشكيمة وعيَّنه حارساً علينا على باب الصحية وما برحت أحفظ اسمه عن ظهر قلب وهو صالح سرحان المقدشي، وكان مسلحا ببندقية، وبعد استتباب الأمن سافر إلى بورسعيد ومنها إلى اليمن بحراً.

الفراق المر
قطار الحياة الذي أقل الوالد منذ بداية ميلاده أصابه العطب والوصب، لكنه لم يتوقف بصورة مفاجئة فقد سبقته أعراض وامراض الامر الذي استدعى خضوعه للعلاج وملازمة السرير نحو عشرة أشهر، ولما اشتد مرضه اقترح ابن عمنا النطاسي البارع واول طبيب مؤهل من ابناء المدينة الدكتور أمين سليم الأغا عرضه على اخصائي معروف في القاهرة، وتم نقله في سيارة خاصة إلى العاصمة المصرية برفقة العم مهدي «أبو عصام» وأخي الأكبر أحمد «أبو خالد»، ولم يمكثوا إلا قليلا من الأيام حيث أكد الطبيب المعالج إصابة الوالد بسرطان الرئة، وأفاد بأن أيام بقائه على قيد الحياة باتت معدودة.

وفي إحدى الأمسيات الكئيبة توقف القطار في محطته الاخيرة، وفاضت الروح إلى بارئها، وأطبق الحزن على خان يونس، وأغلقت بعض المدارس أبوابها، وكذا بعض المحلات التجارية، واشتركت فرق الكشافة في العرض الجنائزي وأمّت ديوان العائلة أعداد كبيرة من المعزين من كافة أنحاء القطاع، ودفن جثمانه الطاهر في مقبرة الشيخ يوسف وسط المدينة وأبّنه بعض الخطباء.

هذا وقد نقشت على شاهد القبر ثلاثة أبيات عبرت بصدق عن مشاعر صديق العائلة المخضرم الأستاذ ناهض منير الريس نحو الوالد مقرظا صفاته المميزة كالصدق والكرم والوفاء مؤكداً أن ذكراه ستبقى خالدة في فم الزمن.
وهذا نصّها:
خالدَ الصِّدْقِ والوَفاءِ سَلاما.. مِثْلُ ذِكْراكَ تَقْهُر الأيَّاما
أنتَ لَبِّيْتَ باعِثَ الخير والغَوْثِ.. وأخْلَصْتَ للرّقاقِ الزِّماما
فإذا ما دَعاكَ رَبُّ البَرايا.. فإلى جَنَّةِ الخُلودِ مقاما

 

سُنَّة حميدة ، وتصرف غير حميد



... وفي مثل هذه المواقف التراجيدية تبرز فضائل السنّة النبوية الشريفة ، وأعنى بها مشاركة الأقرباء والأصدقاء والجيران لأهل المتوفى في مصابهم ، ووقوفهم بأريحية معهم ، يعزون ويواسون ويقدمون لهم ولضيوفهم الطعام والشراب ، وربما تتضاعف جرعات النخوة باستضافة أبناء الفقيد المبيت عند الحميمين من الأقرباء خارج بيت العزاء ثلاثة أيام وهي المدة القصوى لفترة العزاء .
 

المرحوم
 حمدي حسين الاغا
 ابو مروان


وقد تعرضت مع أخي أحمد لكل تلك المواقف الإنسانية ، ففي الليلة الأولى استضافنا العم الراحل حمدي حسين الآغا ( أبو مروان ) ، وفي الليلة الثانية استضافنا الأستاذ جاسر سليم الآغا ( أبو سليم ) ، أما الليلة الثالثة والأخيرة فقد احتضننا بيت عمنا الراحل الحاج كامل أحمد الآغا ( أبو أحمد ) جزاهم الله جميعاً خير الجزاء .

لكن الذين حدث معي في الليلة الأولى لم يكن يخطر ببال أحد ، بل لم يخطر ببالي مطلقاً قبل أن يحدث ذلك الأمر المستهجن ، والمرء إذا تعاظم حزنه ضاقت الدنيا – على رحبها – أمامه ، وهذا ما حدث معي في الليلة الأولى التي افتقدت فيها والدي حيث بلغ الحزن حدّه المنطقي الأقصى ، بل تجاوز ذلك الحد إلى اللامنطق . كيف ؟!

بعد أن أخلد الجميع للنوم ، وفي نحو الساعة الثانية ليلاً تسللت رويدا رويدا من الغرفة التي جمعتني مع العم حمدي والأخ أحمد ، واتجهت نحو الباب الرئيسي ، ومن ثم إلى الشارع باتجاه المقبرة في محاولة مجنونة أو شبه مجنونة ( سموها كما شئتم ) لإخراج أبي من قبره !!

وبعد أن سرت نحو عشرين متراً سمعت حركة تدب خلفي فالتفت فإذا بالعم أبي مروان يركض ورائي ، ويشدني من كتفي قائلاً : أين أنت ذاهب يا نبيل ؟ فانفجرت قائلاً وأنا أتنهنه بقلب صديع : سأخرج أبي من قبره !

وبحكمته المعهودة رحمه الله امتصّ انفعالاتي ، وكبح جماح ثورتي العاطفية ، وأعادني إلى البيت بعد أن أقنعني بأن المقبرة مقفلة ، إضافة إلى أن الظلام الدامس يلف كافة أنحائها ، ووعدني بأنه سيذهب معي صباحاً ويساعدني بنفسه في قضاء رغبتي " المستحيلة ! " .

بالله عليكم هل رأيتم حزناً عميقاً تجسد في سلوك شاب مارس طقوس حزنه بهذا النزق والطيش و ....؟! أنا هو ! وأنتم على رسلكم أيها الأحباب صدقوا أو لا تصدقوا !! إن القرار لكم !!

مناجاة طيف الحبيب

أبتاه .. يا أبا أحمد .. سلام الله عليك في دار قوم مؤمنين .. أنتم السابقون ونحن اللاحقون .
عشرات السنين مضت على غيابك الأبدي ، وما فتئ حبك نابضاً في حنايا الضلوع ، ساكناً في عمق الوجدان ، ودائم التجديد بذاته ما تعاقب الشهيق والزفير .. والليل والنهار .

استميحك أبتاه في مناجاتك بذكر بعض الوقائع التي أعقبت رحيلك :

أولاً : أثناء مرضك الذي ألزمك الفراش حجبنا عنك نبأ انفصال الوحدة بين مصر وسورية الذي حدث في شهر سبتمبر من عام 1961، وذلك لكي لا يؤثر الخبر سلباً على صحتك وأنت الذي كنت من أكثر الناس غبطة وسروراً لقيام تلك الوحدة لاعتقادك بضرورتها في تحرير فلسطين .

ثانياً : بعد أن تجرع جدي وجدتي كؤوس الفجيعة مترعة على رحيلك ألحقهما الله تعالى بك بفارق أربعين يوماً بين وفاتيهما عام 1964 ، وكان عمي الأكبر قاسم نعمان ( أبو فتحي ) قد توفي بعدك بعامين ، وتبعه عمنا مهدي ( أبو عصام ) في العام 1987 وأخيراً عمنا عبد ( أبو إبراهيم ) عام 1988، ومن أبناء العمومة رحل المرحوم نعمان قاسم ثم إبراهيم عبد ، ندعو الله أن يشملهم جميعاً برحمته ومغفرته.

ثالثاً : بعد مضي واحد وعشرين عاماً من رحيلك لحقت بك شريكة حياتك الأولى أمنا الغالية المرحومة رقية محمد حمدان الآغا ( أم أحمد ) عام 1982، رحلت وحيدة في مبنى الصحية بعد أدائها صلاة الفجر .
رابعاً : أخي الأكبر أحمد ( أبو خالد ) الذي اقترن اسمه بكنيتك توفاه الله بالسكتة الدماغية في قطر عام 1989 أثناء قيادة السيارة ، ومكث نحو ثلاثة أسابيع بالمستشفى في غيبوبة كاملة.
أما أخي عدنان ( أبو خالد ) فقد صعدت روحه إلى بارئها أثناء سجوده في أحد بيوت الله بإمارة عجمان قبيل صلاة فجر رمضاني عام 2002م .

وعْي تعليمي مبكر

خامساً : أتذكر بين الفينة والأخرى مقولتك التي صممت من خلالها على استمرار تعليمك لنا مهما كان الثمن غالياً : (( والله لن أتوانى عن تعليمكم حتى ولو اضطررت لبيع قمبازي ! ))، وهذا دليل إضافي على بُعد نظرك وتقديرك العظيم والمبكر لأهمية العلم . وبهدف تطبيق هذا الشعار السامي فقد خطوت خطوة رائدة – ربما كانت الأولى من نوعها في خان يونس وقراها – فأنت أول من سنَّ سنّة الدروس الخصوصية في أوائل الخمسينات من القرن الماضي ، وشجعك على ذلك النبوغ اللافت لأستاذنا القدير شكري شاكر شبير ( أبو شاكر ) أمدّ الله في عمره بعد أن حصل على شهادة التخرج في المدرسة الرشيدية بالقدس بمساعدة عمنا العالم الجليل المرحوم الشيخ سعيد حمدان الآغا ، وطلبت مساعدته في ( تقوية الأولاد ) مقابل مبلغ مادي شهري معين ، وبالفعل ذهبنا نحن الأخوة الأربعة إلى الأستاذ شكري في بيته ثم تبعنا بعض أبناء عمومتنا ثم تتالى آخرون وأخريات من داخل العائلة وخارجها .

وكنت يا والدنا الحبيب قد بعثت أخي الأكبر " أحمد " للدراسة في كلية بير زيت ( الجامعة فيما بعد ) زمن مؤسستها المربية الفاضلة نبيهة ناصر ، وقد قرأت مؤخراً في موقع محافظة خان يونس بالشبكة العنكبوتية ما يلي : " كان النابغون من طلاب خان يونس بعد إكمال تعليمهم في خان يونس ينتقلون إلى الأزهر الشريف بمصر أو مدارس القدس أو مدن فلسطينية أخرى ، ومن هؤلاء شكري شبير الذي ذهب لإكمال دراسته في المدرسة الرشيدية بالقدس ، وتبعه جرير القدوة الذي التحق بالمدرسة الرشيدية أيضاً ثم انتقل بعد ذلك إلى الكلية العربية .

ومن هؤلاء الطلاب أيضاً أمين سليم الآغا ، وحمدي حسين الآغا ، وحيدر مصطفى الآغا ، وأحمد خالد نعمات الآغا " .

جدير بالذكر أن كلفة التعليم في خمسينات القرن الماضي كانت مكلفة ولم يستطعها إلا القلائل من الناس المقتدرين ، ولم تكن للفلسطينيين جامعات أو كليات أو معاهد أو مكتبات كما هو الحال الآن كما ذكر أستاذنا القدير عاشور مسعود الآغا ( الحاج أبو مسعود ) في إحدى مقالاته بموقع العائلة .

وما أُبرِّئ نفسي !

سادساً : يكمن في جعبتي سر لم أبح لك به من قبل يا أبي. وقد آن أوان الإفصاح عنه .


الزمان : ليلة السابع من مارس عام 1957
المكان : خان يونس ، وتحديداً في الساحة الواقعة بين بيت عمنا المرحوم الشيخ فهمي الآغا ( أبو رياض ) وبيت عمنا وعمدتنا الأسبق المرحوم عيد حسين الآغا الذي كان مكتظاً بالضيوف يومئذ ( مكان منزل عمنا المرحوم طاهر حافظ الاغا حاليا).

المعطيات: في تلك الليلة انسحبت القوات الإسرائيلية من قطاع غزة وحلت محلها القوات الدولية، وكانت فرحتنا لا تتسع لها مساحة الكرة الأرضية . اتفقت مع أحد أترابي المرحوم أحمد طاهر الآغا للاحتفال بهذه المناسبة بطريقتنا الخاصة .. أعددنا عبوة ناسفة وغرزنا فيها أكثر من ثلاثين كبسولة روسية الصنع ووضعناها بين عدة أحجار أسمنتية ثم أشعلنا الفتيل واختبأنا في " عشة " كان يقيم فيها بمفرده عجوز يدعى " أبو فارس " انفجرت العبوة بعنف وارتجت الحارة كلها .. أحمد انسل بعيداً . وبقيت عند أبي فارس مختبئاً بين فروع شجرة خروع ضخمة . وبعد دقائق اكتظت الساحة بالمستطلعين الذي تساءلوا عن طبيعة الانفجار ومن يقف وراءه ، وما الهدف منه ؟

وأشارت بعض الأصابع نحوي وفي طليعتهم الأخ رياض فهمي الأغا – الذي كان

الفتى نبيل
 14 عاما

 مطلعاً بمشاغباتي – فسأل العجوز: أين نبيل ؟ فأنكر الرجل وجودي ، بل قال لمن أتوا نحوه : ابعدوا عني يا ناس أنا عريان حرام عليكم ! وابتعدوا .. وبعد أن هدأ الموقف جاءت أمي التي لم يخب حدسها إلى " العشة " ونادتني بصوت خفيض يا نبيل .. يا نبيل تعال عندي ، وأعطتني " داير وقنعة " فارتديتهما ورافقتها إلى البيت القريب !

ولما جئت يا والدي ليلاً سألت عني .. فقيل لك إنني نائم منذ وقت مبكر .. والحقيقة أنني كنت قلقاً ولم أنم ... وأعترف لك الآن أنني أخطأت .. فسامحني .. وليسامحني من أزعجتهم في تلك الليلة، وعزائي أن فرحتي بانسحاب إسرائيل عطلت جزءاً من إحساسي بأي ذنب ورغم ذلك فما" أبرئ نفسي إنّ النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم " ( اية 53سورة يوسف )

واضافة الى ذلك فقد تصرفت بدون علمك يا والدي في موضوع

الشاب نبيل محتفيا باعلان
 الوحدة المصرية السورية
عام 1958 بطريقته المبتكرة

 وطني اخر ففي العام 1959شاركت في احتفالات السابع من مارس بملعب اليرموك في غزة ولبست بدلة فريدة من نوعهااستوحيت فكرتها من الوحدة المصرية السورية الي كانت حلمنا في ذلك العصر الذهبي الذي بتنا اليوم نتحسر عليه والبدلة مكونة من اعلام مصر وسورية وفلسطين والاشارة نحو تحرير فلسطين ( يرجى مطالعة الصورة المرفقة )

مركز خالد نعمان الأغا الصحي الخيري

سابعاً : بعد انتقالك إلى دار البقاء تمت قسمة الميراث بين أولادك وبناتك قسمة شرعية وأخرى رضائية:اما الشرعية فتمثلت في تقسيم البيارة والكروم بدير البلح واما الرضائية فقد تراضينا جميعا بان تكون الدار الغربية المجاورة لمنزلي المرحومين ابي هشام وابي مروان من نصيب ام نزيه وابنائها اما مبنى الصحية القديمة الذي شيدته بدم قلبك ، وكان مفخرة البناء في عهدك – 1949 – فكان من نصيبنا ، وبهدف كسب رضى الله تعالى ، ثم إكراماً لك فقد تنازلنا عنه طواعية وأوقفناه وقفا أبديا لله جل جلاله ، وسيقام عليه مركز صحي خيري يحمل اسمك " مركز خالد نعمان الأغا الصحي الخيري " .

وتم توثيقه في الدوائر الرسمية المعنية في دبي والدوحة وخان يونس ، ووقع عليه الورثة الأربعة : ابنتك الحاجة أنصاف وولداك وليد ونبيل إضافة إلى الحاجة هدى مصطفى عثمان الآغا إنابة عن أخي" المرحوم عدنان . نسأل الله حسن القبول .

وكنا نتمنى أن يكون ذلك الوقف متكاملاً .. بمعنى أن تكون تجهيزاته المعمارية والدوائية على حسابنا الخاص ، لكن ظروفنا المادية وتا الله يا أبتاه لا تسمح لنا بفعل ذلك الشرف " لذلك فالأمل معقود بمروءة وهمَّة الجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني ، إضافة إلى كرماء ونشامى الأمة للمساهمة في دعم هذا المشروع الحيوي الخيري .. والله تعالى من وراء القصد وهو سبحانه الهادي إلى سواء السبيل .


ابنك المحب
نبيل خالد الاغا
الدوحة
03-08-2009
 



قضية للمناقشة:
حبيبنا القارئ/ القارئة :
هل تؤيد أو لا تؤيد زواج الرجل بأكثر من زوجة واحدة ؟ ولماذا ؟
نحن بانتظار اجابتك في ظلال نخلتنا الباسقة.

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. نبيل خالد نعمات خالد الأغا

اظهر المزيد