مقالات

أنفلونزا العقول

 

أنفلونزا العقول

ثبت لي يقيناً أن الأنفلونزا عنيدة لأبعد الحدود ولديها ثبات عجيب وإصرار على البقاء، فبمجرد أن بدأ فرعها الخاص بالطيور – أعني أنفلونزا الطيور – بلملمة أوراقه إيذاناً بأفول نجمه عن سماء فلسطين، فقد حرصت الأنفلونزا على التواجد والخروج علينا مرة أخرى لكن هذه المرة بثوب جديد وحلة جديدة واسم جديد ألا وهو أنفلونزا العقول.


فكما يفعل فيروس أنفلونزا الطيور الأعاجيب بالطائر الذي يصيبه يجعل هذا الطائر يفقد صوابه وينقلب كيانه وتشل أركانه ويبدأ المسكين بكتابة وصيته نظراً لاقتراب موعد فراقه لدنيانا، فكما تفعل أنفلونزا الطيور ذلك بالطيور يبدو أن أنفلونزا العقول تفعل الشيء ذاته بعقول من تغزوهم فتفقدهم القدرة على التفكير المنطقي السليم وتسلب حكمتهم وتشل فيهم كل معاني الوطنية والقيم النبيلة بل وتنزع الحد الأدنى للشهامة والمروءة من نفوسهم، لكن الاختلاف الوحيد بين النوعين يكمن في أن أنفلونزا الطيور تصيب الطائر رغماً عن إرادته بينما أنفلونزا العقول لا تغزو عقل امرئ إلا بإذنه وبعد موافقته على أن يكون فريسة لهذا الفيروس.


قد يبدو الكلام مستغرب أو غامض بعض الشيء لكني أقول ما قولكم فيمن تحزب الأحزاب على رهطه، وتداعى الظالمون على قومه، وحبكت المؤامرة على شعبه، فكان مع الأحزاب نصيراً ولداعي الشر مجيباً وللظالمين ولياً وظهيراً. لعل الجميع عرف الآن مقصدي وتيقن أن بوصلة الحديث تتوجه شطر الوضع الداخلي في فلسطين خاصة ما يتعلق بالظروف السياسية والمالية المحيطة بالحكومة الفلسطينية الجديدة.


لا أتحدث هنا بخلفيات فكرية أو منطلقات أيديولوجية كما أنني هنا لست في سياق تقييم الحكومة الجديدة فلم نعرف بعد خيرها من شرها ولم نر بعد نتائج ملموسة لها على أرض الواقع لكني سأكتفي هنا بالإشارة وبإيجاز شديد إلى جملة من النقاط كما يلي:


 بصورة عامة فإن المحن توطد العلاقات بين الناس والشدائد والهموم المشتركة تطلق المكامن النبيلة في الأنفس وتزيل الغبار عن القيم الأصيلة كالشهامة والمروءة لذا فمن لم يكن كذلك فهو مريض غير سوي ينتظر ويتلذذ بتعثر إخوانه ويطعنهم من الخلف..


 لا يمكن لمن نصب نفسه محامياً للشيطان إلا أن يكون مريضاً فقد انبرت عصبة من هؤلاء وسلقونا بألسنة شداد مؤذية وعينوا أنفسهم ناطقين رسميين باسم إسرائيل مدافعين عنها وعن حقها في الوجود حريصين على التخلي عن العنف ونبذ الإرهاب.


 تموت الحرة ولا تأكل بثدييها، مثال عربي أصيل يعلمنا الصمود والثبات ويشد أزرنا ويقوي عزمنا لكن للأسف هذا المثل لا ينطبق إلا على الحر والحرة، لكن المرجفون ليسوا أحراراً بل عبيد للسلطان والجاه والمال والمنصب عبيد للجواز الأحمر والسفريات والشهوات عبيد لأسيادهم.


 كل شيء يهون إلا السخرية والاستهزاء بالله وكلامه فها هم بعض (المفلوزين عقليا) يخرجون علينا ساخرين ممن يشبه حالنا بحال سحرة فرعون الذين أبوا الخضوع والخنوع للتهديدات وقالوا لفرعون (فاقض ما أنت قاض إنما تقض هذه الحياة الدنيا) أو بحال الرسول في شعب أبي طالب أو حال المسلمين يوم الأحزاب (فلما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً)، يستهزؤون ممن يقف تالياً من كتاب الله (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا أمنا وهم لا يفتنون) أو قوله تعالى (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين)، وتفتح أفواههم سخريةً عند سماعهم قول الله (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) (ومن يتوكل على الله فهو حسبه). فيقولون هذا الكلام لا يطعم خبزاً،، أقول نعم لا يطعم خبزاً لكنه يطعم عزاً وثقةً وقناعةً ولذةً لا يجدها هؤلاء الجوعى للخبز فذرهم (يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم).


 إن معظم مشاكلنا سببها نفسي مرجعه التوهم يساهم فيه الإعلام والإشاعات فكم خوفونا باجتياح غزة وقطع الماء والكهرباء ونفاذ المواد الغذائية والغاز والمحروقات ولم يحدث من ذلك إلا القليل. لذا علينا الصبر والثقة واليقين بأن كل ما يجري في الكون يجري بقدر الله فالله لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.


 أين المولولون على تأخر الراتب لأيام من معاناة العمال الذين ليس لهم أي مصدر للدخل منذ سنوات، هل مات العمال وذويهم جوعاً؟؟ هل تشرد أبناؤهم؟؟ يقول صلى الله عليه وسلم (من بات آمنا في سربه معافى في بدنه معه قوت يومه فقد ملك الدنيا بحذافيرها). قولوا الحمد لله ولو لمرة واحدة خالصة من قلوبكم.


 اعترف الرئيس الراحل ياسر عرفات بإسرائيل واعتبر رابين شريكاً و.. و.. ثم ماذا فعلوا به عندما رفض التنازل في النهاية؟؟ قتلوه بأيدي رجالهم (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم).


 لأول مرة تكون القاعدة أوعى وأعمق فكراً من القيادة فها هم شرفاء فتح حملة لواء المقاومة والجهاد يعلنون بصراحة وقوفهم إلى جانب الحكومة في مواجهة الحملة الصهيوأمريكية المسعورة والتي يساندها المرجفون مناقضين بذلك تصريحات البعض من قيادة الصف الأول الذين أطلوا علينا وبعيون تكاد تميز من الغيظ وقلوب تنفطر حقداً وألسن يقطر سمها الزعاف منحازين عن خيار الشعب خيار الشرفاء. وفي نفس السياق، عجبت جداً عندما وصف أبو مازن العملية الاستشهادية في تل الربيع (بالحقيرة) في حين وصفها القائد العام لكتائب شهداء الأقصى الذراع العسكري لفتح بأنها رد طبيعي على الاعتداءات الإسرائيلية وأن الاحتلال هو السبب، فأي تناقض في الرؤى بين القاعدة والقيادة، وما هي وجهة النظر الرسمية لفتح تجاه ذلك.


 في النهاية حق لنا أن نسأل مجموعة من الأسئلة، من وضع الحكومة الحالية في هذا المأزق؟؟ من سبب كل هذا؟؟ من الذي أثقل كاهل الخزينة العامة بتعيين عشرات الآلاف وترقية الآلاف دون وجه حق؟؟ من الذي ترك الاقتصاد الفلسطيني أشلاء مدمرة؟؟ من الذي بنى اقتصاد الشحاذة؟؟ من الذي استحدث ثقافة التسول والتوسل؟؟ من شرّع الفساد وأضفى عليه الصبغة الرسمية؟؟ من الذي كبلنا باتفاقية باريس الاقتصادية التي حرمتنا من شراء أي شيء حتى علاج للأنفلونزا عسانا نعالج مفلوزي العقول ؟؟ من ومن ومن؟؟ من الذين أهدروا المال العام ونفخوا جيوبهم من قوت الشعب؟؟ من الذي صنع مقاولي الفلتان الأمني والاقتصادي؟؟ من الذي أرسى دعائم البلطجة والزعرنة؟؟ من ومن ومن؟؟؟؟ ثم أقول من الذي سيسأل يوم القيامة عن أمانة الشعب والوطن عن فلسطين هل حفظها أم تعامل معها كأنها تركة الوالد؟؟؟؟؟؟؟؟ الجواب معروف ولا تعليق!!!.


ختاماً أعتذر للأنفلونزا على استخدامي لاسمها في توصيف هؤلاء وسبب الاعتذار أنني علمت الآن أن الأنفلونزا استنفرت عناصرها للاحتجاج ومن غير المستبعد حسب المصادر الموثوقة أن تجتاح سراياها المظفرة أجساد بعض الرعايا الأجانب أو بعض أقربائي وأصدقائي كوسيلة للضغط علىّ للاعتذار لذا فإنني (أخذها من قصيرها) وأعتذر. وللحديث بقية

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الدكتور جواد سليم إبراهيم سليم الأغا

اظهر المزيد