مقالات

رجل بألف

رجلٌ بألف
بقلم. جواد سليم إبراهيم

أسبوعان مرا على غياب أبي خليل ولا يزال ذهني يستحضر طلعته المشرقة وحضوره المتميز، فاقرأ في عينيه كل آياتالمحبة للجميع، وتتلو تقاسيم وجهه آلاف المعاني النبيلة والمثل العليا التي غابت ووئدت بين دخن الدنيا وزحام المادة. لا زلت أتخيل نفسي جالسا معه في " عريشة أبي شريف بقاع القرين" ولسانه يجود بدرر أنفس من كنوز الأرض وهو يحلل الأمور.. ويوجه.. وينصح.. ويقترح .. ويمازح.. ويلاطف...

نقبت في ثنايا عقلي عن عنوان يستوعب ما بي من احترام وتقدير وحب تجاه الرجل فلم أجد، فقلت ليس لي إلا أقوال المؤبنين الكثر الذين تحدثوا عن أبي خليل بما يستحق، يذكرون مناقبه، وينزلونه ما يستحق من المنزلة والمكانة، قلت لعلي أقتبس من أقوالهم، فأخذت أستذكر كيف فاضت عيونهم وكيف سالت عبراتهم وكيف وقفت الكلمات في حناجرهم، فوجدت أن أنسب عنوان لهذه الكلمات هو ما قاله الحاج محمد النجار الذي قال " هناك رجل بألف وهناك ألف بخف"، حقا لقد كان أبو خليل بألف رجل في الحضور والتميز والتأثير والعطاء، لقد نسج – يرحمه الله- من الأيام أبهى الحلل في الإبداع والتميز، ورسم خارطة الطريق الخاصة به بما يوافق القران والسنة، رسمها بجهده وزينها بإخلاصه وعطرها بعطائه.

كثر هم الذين تاهوا في هذه الدنيا وفقدوا البوصلة، وكثر أيضاً من التزموا الطريق في بداياتهم ثم حادوا عنه بعد ذلك فكانوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، لكن د.احسان كان من القلة الذين عرفوا الحق فلزموه وداروا مع رحى الحق حيثما دارت، وثبتوا على المبادئ والقيم حتى لقوا الله راضين مرضين بإذنه تعالى.

كثير من الناس لا فرق بين وجودهم على ظهر الأرض وبين وجودهم في باطنها بينما قلة هم الذين تكون بصماتهم أثناء حياتهم واضحة جلية وتستمر أثارهم بعد وفاتهم فقد صدق من قال:
يا رُب حي رخام القبر مسكنه ورُب ميت على أقدامه انتصبا

ولا أجد أبا خليل إلا ممن هم كهؤلاء الأحياء الباقين بآثارهم وخدماتهم الجليلة الذين قال عنهم الشهيد بإذن الله سيد قطب "إن من عاش لنفسه فإن حياته تكون قصيرة تنتهي بانتهاء عمره بينما يعش لغيره أو لفكرة سامية فإن حياته تكون طويلة وعمره مديد بعمر من خدمهم وعاش لهم وتبقى حياته متواصلة طالما كان هناك من يحمل أفكاره ومبادئه"، لقد عاش أبوخليل للآخرين يعلمهم ويوجههم ويبادر من اجلهم وعاش لفكرة التربية والمثل والقيم التي لا يوجد مجالاً أرقى ولا أنقى منها كي يكون للإنسان فيه تأثير فكان أبو خليل وسيبقى رجل التربية بلا منازع.

لقد ثكلت عائلتنا بغياب مربيها الأول وموجهها وأستاذها، بغياب أكثر من أثر فيها خاصة فينا نحن الشباب، فقد غرس فينا يقينه أن عائلتنا ترتقي بتميز أبناءها وتسمو بإبداعاتهم وتزهر بعطائهم، فالأدب والتربية والأخلاق والتميز والإبداع هم البوابة الأكيدة لاستعادة المجد والعز الذي يبكي على أطلاله البعض بينما التاريخ والصيت والماضي رغم أهميته لا يعدو كونه عوامل مساعدة. لذا فقد نفض الرجل الغبار عن مكامن الإبداع والتميز في العائلة وسعى وبادر لجعل العائلة وديوانها منارة ثقافية علمية تربوية وكان يعطي يسخو في سبيل ذلك بلا حدود.

كم كانت آراءه النيرة كلمة السر لتذليل كثير من العقبات وحل كثير من المشاكل والخلافات. عشرات المواقف المشرفة أستذكرها للرجل في كافة الميادين فمواقف البذل والكرم مثلا حدث عنها ولا حرج وهنا أذكر أنني زرته قبل عام في بيته وكان قد أنهكه المرض ورغم ذلك قال لي (بدكوش تعملوا السنة احتفال تكريم للطلاب إللي حافظين القران)، أجبته أن النية موجودة لكن المشكلة إنه العدد كبير والتكاليف عالية، فنادى خليلاً وهمس في أذنه وبعد دقيقة عاد خليل ووضع في جيب جلابية أبيه شيء وعندما هممت بالخروج قال لي وكنت بصحبة جماعة من محبيه قال لي بصوت منخفض (خذ هذا المبلغ لجوائز حافظي أجزاء من القران وإذا بيلزم مبلغ تاني بلغني لكن متقولش لحد إنه المبلغ مني)، وكان المبلغ كافياً لتغطية معظم الجوائز. أما مواقفه في تشجيع طلبة العلم كثيرة كثيرة سمعت عن بعضها وعايشت البعض الآخر فكم كانت سعادتي يوم مناقشتي لرسالة الماجستير عندما كان أبو خليل – رغم مرضه- من أوائل من اتصل بي مهنئاً حتى قبل الكثيرين ممن هم أكثر قرابة منه ويومها اعتذر بشدة عن عدم قدرته على حضور المناقشة وقال ( لو كانت المناقشة في الطابق الأرضي لإجيت). وغير ذلك الكثير الكثير.

أعتقد جازماً أن أبا خليل قد حاز مفاتح الأبواب الثلاثة لديمومة العمل واستمرار الأجر بعد وفاته فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له وعلم ينتفع به وصدقة جارية". فلا أحسب خليلاً إلا ابنًا صالحا سيذكر أباه ويدعو له دبر كل صلاة، كذلك كريماته اللاتي أبدع في تربيتهن فكانوا أمثلة للأدب والأخلاق والعلم والتدين وكذلك أزواجهن الكرام فكلهم سيدعو له بالرحمة والعفو والغفران، كذا فإن ألسنة أولاده في التربية وطلابه وطالباته الذين كان لهم في مقام الأب فإن ألسنتهم لن تسكن وهي تدعو له. هذه واحدة أما العلم الذي ينتفع به، فقد خلف أبو خليل ميراثا زاخراً من الكتب والأبحاث والدراسات التي تعتبر مراجعاً أساسية في مجال التربية وطرق التدريس وغيرها من المجالات وهذا التراث الزاخر قد استفاد منه عشرات الآلاف ممن تخرجوا من كليات التربية في جامعات الوطن على مدى الـ 25 عاماً الماضية وجل هؤلاء قد أصبحوا مدرسين ومدرسات استفادوا من العلم الذي خلفه وانعكس ذلك على أداءهم تجاه طلابهم وطالباتهم الذين يدينون بالفضل بعد الله لأبي خليل وأمثاله.
أما الثالثة وهي الصدقة الجارية، فقد كان أبو خليل معطاءً كريماً سخياً حتى حق لنا أن نطلق عليه إحسان الخير لأنه لم يترك باباً من أبواب الخير إلا طرقه من كفالة لمئات الأيتام وتحمل نفقات تعليم عدد كبير من الطلبة والطالبات و المساهمة في إعمار عدد من المساجد والتصدق لمئات الأسر المحتاجة وغيرها من الميادين كل ذلك دون مراءاة أو حب للسمعة والشهرة لا يبتغي إلا وجه الله، وأقل ما يقال في الأجر الذي سيحصل عليه بإذن الله أن كل من يركع ركعة أو يسجد سجدة في مسجد المجمع الإسلامي بخانيونس سيرسل نسخة من أجر عمله وطاعته إلى أبي خليل لأنه قام وحده بسد كافة ديون عملية إعادة إعمار وترميم المسجد.

رحمك الله يا إحسان الخير وأسكنك فسيح جناته فما قدمته من عمل وجهد ستجده أمامك، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا. وأقترح من باب الوفاء للمبادر الأول في العائلة أن يتم إطلاق جائزة سنوية باسم الأستاذ الدكتور إحسان الأغا تعطى سنويًا لمتميزٍ أو متميزةٍ من أبناء وبنات العائلة دون تحديد الميدان الذي تعطى فيه، فقد تعطى في عام لأحد حفاظ كتاب الله الذين أحبهم أبو خليل، وقد تعطى في عام آخر لأحد أبناء العائلة الأوائل على القطاع في الثانوية، وفي عام ثالث لأحد أبناء العائلة حصل على شهادة الدكتوراة أو حاز براءة اختراع وغير ذلك، وأن تشكل لجنة دائمة لهذا الغرض، والسبب في عدم تحديد المجال أن أبا خليل كما لم يترك مجالاً إلا وأبدع فيه فإن العائلة يجب أن تمنح الجائزة المسماة باسمه لأي متميز في أي مجال.
كذلك أدعو كافة أفراد العائلة أن ينفذوا حلم أبي خليل بأن ينزعوا من أنفسهم الخمول والرواسب القديمة والأنانية والخلافات الشخصية وأن يبادروا ويعملوا بإخلاص وأن يشارك الجميع في نشاطات العائلة كي تصبح عائلتنا نقطة مضيئة في زمن كثرت فيه المساحات المعتمة. كما وأدعو من يقرأ هذا المقال أن يدعو لأبي خليل بما يفتح الله عليه من دعاء لأنه يستحق منا الكثير فقد كان بحق رجل بألف.

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الدكتور جواد سليم إبراهيم سليم الأغا

اظهر المزيد