مقالات

بطاقة حب لمستودع الحب الأبدي

نبيل خالد الأغا : بطاقة حب لمستودع الحب الأبدي
نشرت بجريدة الوطن القطرية
20/3/2007
(1)

 


أمي الحبيبة الغالية .. مستودع الحب الذي لا ينضب

أحييك بأنبل التحيات، وأسلم عليك بأزكى السلامات، فأنت تستحقين أروع الكلمات التي اشتملت عليها معاجم اللغات. كل اللغات المتداولة على وجه كوكبنا الأرضي، ففيك تتمثل أروع معاني التضحية والإيثار وإنكار الذات، فيك يتجسد الحب الحقيقي النقي المصفى الذي لا يفوقه إلا حب الله تبارك وتعالى وحب نبينا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

يتلعثم لساني، ويرتجف قلمي، وتخذلني عباراتي، معترفا بعجزي عن التعبير اللائق بك، احتراما وتقديرا ووفاء واعترافا بالجميل الذي يطوق عنقي ولا أستطيع رده اليك في حياتي وحتى ألقى وجه ربي دونه، وما دام عجزي قائما وقد بلغ مداه فلا أملك إلا الدعاء والتوسل والاستجداء لله الرحمن الرحيم أن يثيبك عني خير الثواب، وأن يجزيك عني أعظم الجزاء، فهو وحده سبحانه وتعالى القادر فقط على ايفائك حقك المستحق علينا.

أمي الحبيبة الغالية:

أيتها الزنبقة الفواحة بأندى الروائح، ويا أيتها الواحة الظليلة التي ما انفكت تجود علينا بالخيرات والمكرمات، أتوجه إليك مباشرة محييا من خلالك بأنبل  التحايا الصادقة أمهات شهدائنا الأبرار الذين قضوا في سبيل الله انطلاقا من فجر الإسلام وصولا الى مناهج الإبادة الصهيونية ــ النازية في فلسطين، والهيمنة الأميركية في العراق وأفغانستان، وأحيي أيضا صمود وصبر أمهات وزوجات المعتقلين والمأسورين والمغيبين ليس فقط في زنازين ومعتقلات الأعداء بل كذلك في زنازين وسجون بعض دولنا العربية والإسلامية من ابطال الحرية والديمقراطية والانعتاق ومقاومي التطبيع مع عدونا الصهيوني، وكذلك مقاومي الفساد الإداري، والاضطهاد البشري، وهيمنة المتسلطين والمتسقلين وذوي الوجوه الكالحة والمتلونة.

أماه يا أهزوجة الحياة ويا لحن الوجود

اقرأ في عينيك الذابلتين ألف سؤال وسؤال عنا، وعن حالنا وأوضاعنا، سياستنا، عبادتنا، اقتصادنا، علاقتنا مع بعضنا البعض ومع الآخرين، تطبيقاتنا لشرع الله الواحد القهار، ومن ثم تنفيذنا لكل الإرشادات والنصائح التي ربيتنا عليها وأرضعتها لنا مغموسة بحليب ثديك المبارك.

وقبل الاجابة المسهبة عن اسئلتك المحرجة اعتذر لك مسبقا بأننا فشلنا، وما برحنا نمارس الفشل مع سبق الإصرار على مزاولته ونعتذر منك لأننا لم ننفذ إلا النزر اليسير من توصياتك الغالية وحتى الذي نفذناه لم نخلص النية في أدائه، فجاء فجا خالي الدسم منزوع البركة!

كنا يا أماه سادة زماننا الغابر حيث امتدت سيادتنا من الصين شرقا إلى حدود فرنسا غربا، كنا يدا فولاذية واحدة وبنية جسدية واحدة إذا اشتكى منا عضو تداعى لشكواه سائر البنية بالحمى والسهر.

كنا لا نهنأ إلا بهناء أهلنا وجيراننا وعشيرتنا وسائر البشر اجمعين.

كنا نتقي الله في أنفسنا وأولادنا ودنيانا وآخرتنا، ونتقيه تبارك وتعالى رغبا ورهباً، خوفا وطمعا، كان العالم كله يهابنا ولا نهابه، يحسب لنا ألف ألف حساب وحساب، ولا نحسب له حسابا واحدا.

كان التكافل الاجتماعي بيننا فريضة او شبه فريضة نمارسها بحماس وقوة دفع ذاتية لعمل الخير وخير العمل.

كنا نعمل المعروف حبا في المعروف، ونهرب من الثناء الإنساني طمعا في الجزاء الرباني الأوفى.

كنا نفخر ونفاخر بفضائلنا التي اندثرت أو كادت تندثر تحت سياط الجشع والطمع وعبادة الذات والشهوات.

أين الجود والكرم؟ أين النخوة والشهامة؟ أين إغاثة الملهوف؟ أين مكارم الأخلاق؟ أين؟ أين؟ أين؟

واحسرتاه يا أماه .. لقد نكأت جراحاتي النازفة، فتذكرت قول الشاعر أحمد فرح عقيلان:

فَتَّحْتِ في القلب مخبوء الجراحات

وهيَّجتِ في النفس أحزاني وأنّاتي

وهذا المعنى ساقني إلى قول أحد  الشعراء المقروحين في حال أمتهم وهوانها:

ولي كبدٌ مقروحةٌ من يبيعني

بها كبداً ليست بذات قروح

قائمة الهوان

واني لأقرأ في عينيك الذابلتين يا أماه ألف ألف علامة تعجب واستفهام .. لماذا؟ متى؟ أين؟ كيف؟!

انني لا استطيع الاجابة عن كل «قائمة الهوان» التي سأطلعك على بعض منها في هذه البطاقة النابضة بالأسى والألم. وربما تسنح فرص أخرى لذلك، والايجابيات التي ذكرتها لك آنفا تحولت بقدرة قادر لعكسها تماما الآن منذ أن غربت شمس المحبة في قلوبنا وانطفأت قناديل الشهامة والمروءة في أعماقنا.

حالنا اليوم يا أماه أسوأ مما كان عليه منذ أن غيبك الموت عن دنيانا قبيل ربع قرن تماما .. فحالنا لا يسر حبيبا ولا يغيظ حاقدا، لا يسعد صديقا، ولا يكيد عدوا، ولست أدري هل بلغنا قمة الهوان وتربعنا عليها، أم ما زالت هناك بقية زمنية أو جغرافية لوصولنا اليها ولسان حالنا يقول:

إنْ كان عندك يا زمانُ بقية

مما تهين بها الرجال فهاتها!

لقد غابت شمس أمجادنا، فتفرقت صفوفنا، وتشرذمت قبائلنا وتخلخلت اساسات عشقنا وانهارت دفاعاتنا واستسلمت كتائبنا واستنوقت جِمالنا، ولسان حالنا يصرخ من شدة الفزع: أنج سعد فقد هلك سعيد، وكل واحد فينا يجاهد لاستئصال أشواكه بنفسه، ويصيح من فرط أنانيته: اللهم نفسي .. اللهم نفسي.

تحولت سيادتنا البائدة الى عبودية صارخة وصرنا عبيدا لعبيد عبيدنا ولأسيادنا الجدد معا، واستمرأنا هذه العبودية الجديدة في أحدث «موديلاتها» وهي في حقيقتها نسخة مطورة لاسترقاقنا ولكن تحت يافطات تزعم أننا أحرار وأمجاد وفوارس وشجعان!

ولم يقف هواننا عند هذا الحد، ولا عند حد ممارسة النفاق والكذب والرياء بين بعضنا البعض، بل تجاوزه الى جلال الله تبارك وتعالى كنا نعبده كأننا نراه، فإن لم نكن نراه فهو يرانا، كنا نعبده عبادة مطلقة كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، فصرنا نلجأ إليه عند الحاجة الملحة اليه، نتذكره في الشدة ونتناساه في الرخاء، نرهبه لحظة موت حبيب من أحبابنا، ولكن سرعان ما نتجاوزه عائدين إلى لهونا وعبثنا وضياعنا، حتى الصلاة التي فُرضت لتوثق الصلة بين المسلم وربه، أضحت عادة ولم تعد عبادة، مجرد حركات لا إرادية موزعة بين ركوع وسجود وقيام وقعود، وتكرار واجترار لسور وآيات قرأنيه كريمة أفقدناها معانيها السامية بغياب وعينا عنها، وسرحان عقولنا الى ملاهي الحياة وعبثها، ولا نستفيق من ذلك برهة إلا لنردد في بلاهة خلف الإمام «آمين». ونكرر ذلك عند أدائنا أيضا لشعائر الحج والعمرة والتي تحولت في زماننا الأكثر

رداءة إلى مظاهر ومفاخر وديكورات اجتماعية مزيفة.



 نبيل خالد الأغا - فاض الكيل.. لكن في فمي ماء!
الوطن القطرية 21/3/2007

تكملة للمقالة السابقة
(2)

يرتكب مسلم ما شاء له الشيطان ان يرتكب من الصغائر والكبائر ثم يمتطي صهوة الحج فيحج ويعود من حجه «كيوم ولدته أمه» طاهرا نقيا، ثم يلح عليه شيطانه مثنى وثلاث ورباع ويعاود فعل ما فعل في المرات السابقة ويحج مثنى وثلاث ورباع موهما نفسه ومخادعها بأن ذنوبه قد محيت تماما من سجله قاتم السواد لنسيانه أو تناسيه بأن حجه لم يكن مبرورا، وسعيه لم يكن مشكورا، وذنوبه لم تكن بأمر الله مغفورة لأن توبته لم تكن صادقة، ونيته لم تكن صافية وانه اتخذ من أداء فريضة الحج ومن توزيع الصدقات والتبرعات واقامة ولائم الرحمن والمساهمة في بناء بيوت الله وسائل محمودة في مظهرها، وغير محمودة في جوهرها لانتفاء مبدأ النية الخالصة لوجه الله تعالى في تعاطيها.. واعتمادها على وسائل التفاخر والتباهي ونفخ الأوداج، وارتداء العباءات المزركشة، وامتطاء السيارات الفارهة، والخيول المطهمة، والظهور في وسائل الاعلام التي تصف أحدنا «بالوجيه المعروف»، و«المحسن الكبير»، ورجل الخير والبر والتقوى، والجواد الذي لا يشق له غبار!

ان ما يحزنني حد الفيجعة - يا أماه - اننا نبدي خلاف ما نبطن، ونبطن خلاف ما نعلن، انه النفاق الاجتماعي الممض الذي «يشرش» في مجتمعنا العربي والاسلامي، والذي نمارسه على كافة مستوياتنا الاجتماعية - وان بنسب متفاوتة - سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الدول، زيف واضح وفاضح.. نصلي في الصفوف الأولى، ونمرغ أنوفنا في احضان الخطيئة في الصفوف الخلفية حيث لا يرانا الا الخطاؤون أمثالنا.

وبالمناسبة.. أجدني يا أماه مضطرا أمام عظمة الحق، واقرار الشهادة لله تعالى، ولمن يهمهم هذا الأمر لأسوق هذه الواقعة التي حدثت معي أثناء زيارتي  لجمهورية ايران الاسلامية في ربيع عام 2002، تلبية لدعوة كريمة تلقيتها من الملحقية الثقافية الايرانية التي كان يرأسها يومئذ الصديق صاحب الهمة والنخوة الدكتور عباس خامايار ــ امد الله في عمره ــ وكنت ضمن مجموعة اعلامية ضمت من بينها الاعلامية التونسية المعروفة السيدة كوثر البشراوي صاحبة الحضور المميز في قناة الجزيرة في ذلك الحين. وقد أتيحت لي فرصة التآلف الأخوي مع أم يوسف. فسألتها في إحدى الجلسات الهادئة في احدى حدائق مدينة اصفهان التاريخية الرائعة قائلا لها: لقد أجريت يا أخت كوثر عشرات اللقاءات مع شخصيات عربية واسلامية مرموقة، ناشدتك الله ان تجيبيني بصراحتك المعهودة: من صاحب الشخصية الأبرز الذي استهواك وجدانيا وعقليا من بين هذه الشخصيات؟

لم أكد أكمل سؤالي حتى أجابتني على الفور: أغلبية الذين أجريت معهم اللقاءات كانوا - للأسف - بوجهين، وجه اعلامي ناصع أمام عدسة الكاميرا، ووجه بشري غير ناصع خلف العدسة.. الشخصية العظيمة المستثناة من هذا الواقع المؤسف هو فضيلة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، كان صفحة مشرقة للداعية الاسلامي الحقيقي التقي النقي طاهر العقل والوجدان واللسان. لقد اسبغ الله تعالى عليه النعم الوفيرة التي اتمنى ان يتحلى بها كل الدعاة وكل علماء الدين اليوم وكل يوم.. بل وكافة العرب والمسلمين.

ويعلم الله تعالى ان السيدة كوثر البشراوي عندما كانت تدلي بشهادتها الصادقة في حق عالمنا الجليل كان قلبي يخفق بين ضلوعي لأنني كنت قريبا منه وأحببته بكل جوارحي وما برحت اذكره بكل الخير، وادعو له بالرحمة والمغفرة.

المرأة.. وما أدراك ما المرأة؟

أما المرأة يا أماه فحديثي عنها يطول ويطول.. والمساحة المتاحة لا تسمح بالاطالة، فكثيرون منا ينامون على حقيقة ان الاسلام كرّم المرأة ايما تكريم - وهذه حقيقة لا ريب فيها - لكن المعضلة اننا نتوارى خلف هذه الحقيقة المؤكدة لنمارس ضد المرأة ذاتها انواعا رهيبة من السيطرة والاضطهاد والتعنيف.. تصوري يا أماه ان جزءا كبيرا من مجتمعنا العربي مضطهد ومعذب، ومكتوف اليدين والقدمين بذريعة العادات والتقاليد.. والعيب.. اجل العيب.. كم والله أكره هذه الكلمة عندما تتموضع في غير موضعها.

والمتفيقهون حولوا العيب الى قانون رباني  أوصلوه الى مرتبة (الحرام)..

في القرن الحادي والعشرين.. قرن الوصول الى المريخ «حرّموا» قيادة المرأة للسيارة وأحلوا خلوة السائق الأجنبي بها، عطلوا نبوغها، وحجروا على تحركاتها وكتموا أنفاسها، ومنعوا مشاركتها في حكم وإدارة شؤون بلادها التي تنتمي إليها.. وكل ذلك تحت يافطة (العيب).. وفرضوا عليها ارتداء النقاب بالأوامر "النيرونية" القاسية وليس بالمنطق والعقل والقناعة.. اعتبروا كل محجبة «قديسة» وكل سافرة «شيطانة» وما هكذا والله قال الاسلام، وقال المسلمون العقلاء.. ذبحوا المرأة بالسكين الصدئة، وحاصروها في قمقم العيب فكسدت في بيت أهلها، فتحنطت أنوثتها، وتقوقعت في شرنقتها، فالتصق بها لقب «عانس» الذي عابته نفس التقاليد وهو في الميزان الإلهي موضع تقدير واكبار، وأضحى عدد العوانس يعد بالملايين في مجتمعنا الاسلامي الذي يتحمل ذكوره وفحوله مسؤوليات كبيرة أمام العدل الإلهي لتسلطهم وقهرهم لبناتهم واخواتهم، و«تخليلهن» في البيوت، وهؤلاء الفحول وامثالهم يتوارون خلف الآية القرآنية العظيمة «الرجال قوامون على النساء، بما فضل الله بعضهم على بعض»، ليمارسوا ضد زوجاتهم أقسى المعاملات وأكثرها سوءاً، ولو فهموا الآية على حقيقتها والقوامة على اصولها، والرجولة على مصداقيتها لما داسوا على انفها وضربوها وأهانوها ارضاء لغرورهم ونزواتهم. وهي البريئة في أحايين كثيرة وغير بريئة في أحيان أخرى، ولو كانت كذلك فلا ننسى انها خلقت من ضلع اعوج كما قال حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

أماه.. يا مستودع المكارم ويا منبع المفاخر

أقرأ في عينيك الدامعتين اسئلة عديدة عن اوضاعنا السياسية بعد غيابك الأبدي عن دنيانا الفانية التي لا تساوي في الميزان الإلهي جناح بعوضة رغم تفاهة البعوضة وجناحيها، والحديث عن السياسة يحتاج لمزيد من الشرح والتفصيل والصبر على ارتفاع ضغط الدم الشرياني، واختصارا لذلك فإنني أقبل يديك واناشدك الدعاء بان يلطف الله تعالى بنا، فقد وصلنا الى الدرك الأسفل من الذل والهوان، فأسيادنا ما انفكوا يركلوننا بأحذيتهم على اقفيتنا ومؤخراتنا، فنشعر «بلذة» الذل لأن «سيدنا» تواضع فركلنا وتلك لعمري مكرمة عظيمة تضاف الى مكارمه التي يستحق الشكر والثناء عليها. ويكفينا «شرفا» انه اعترف بوجودنا في هذا العالم وصدق الشاعر القائل:

ولم أرَ ظُلماً كظلم ينالنا

يُساء إلينا ونطالب بالشكر!

أماه.. أماه

لقد فاض الكيل، وطفح القِدْر، وعندي المزيد والمزيد، لكن في فمي ماء.. ماء.. وهل ينطق من في فيه ماء؟!..وسامحيني على صراحتي «الموجعة».. وسلام الله عليك وعلى كل أمهاتنا الاحياء والأموات ، ولاحول ولاقوة الا بالله العلي العظيم.

التوقيع

مظلوم بن مقهور بن محزون

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. نبيل خالد نعمات خالد الأغا

اظهر المزيد