مقالات

رسالة الدكتوراة- الجزء الثالث

 

الباب الثالث




البنية الموسيقية في الشعر الفلسطيني المعاصر


  الفصل   الأول   :   أهمية الموسيقى وأشكالها في الشعر
  الفصل الثاني :  الأسس الموسيقية في القصيدة
  الفصل الثالث  :   مستويات البناء الموسيقي للشعر الفلسطيني المعاصر






الفصل الأول :  أهمية الموسيقى وأشكالها في الشعر الفلسطيني



أولاً       :  أهمية الموسيقى  في الشعر
ثانياً  :  الأشكال الموسيقية في الشعر


توطئة:
ننتقل في هذا الفصل من الحديث عن لغة الشعر إلى بناء آخر في البنية الفنية
للقصيدة ، وهي الموسيقى الشعرية، فنقول بأن الموسيقى من أبرز صفات الشعر، وعنصر
أساسي من عناصر بنائه، وهي - بحق - الفارق الجوهري بينه وبين النثر، وقد فطن
إلى هذا أرسطو وقال : " إن مَن ينظم نظرية في الطب أو الطبيعة يُسمى شاعراً،
ورغم ذلك فلا وجه للمقارنة بين هوميروس، وأبناذوقليس إلا في الوزن، ولهذا يخلق
بنا أن نُسمي أحدهما ( هوميروس ) شاعراً، والآخر طبيعياً أولى منه شاعراً ".( )
ورغم أننا لا نقطع بشيء فيما يخص مراحل نشوء الموسيقى وتطورها ( )، فإنها كانت
موجودة منذ أن خلق الله الإنسان، فهي مرتبطة أشد ما يكون الارتباط بحياة الناس،
باعتبارها انعكاس للواقع البيئي، ولهذا وجدت من النقّاد من يهتم بها، وخاصة بعد
أن توثقت عراها بالفنون المختلفة، وإن كان الشعر أكثر هذه الفنون علاقة بها،
فكان من الطبيعي أن تتحول لغة الحياة إلى لون من الإيقاع المنتظم بفعل التنظيم
الدقيق من خالق الحياة.
فالموسيقى " مجموعة من الوحدات الزمنية المنتظمة التي يمكن من خلالها تحديد وزن
معين ( )" ونضيف إلى هذا التعريف ( تفرضه التجربة الشعرية والحالة النفسية
للشاعر ) فالتعريف بهذا المعنى الجامع ُيبرز القيمة الحقيقية للموسيقى من زاوية
أخرى، باعتبارها وسيلة إيحائية أكبر منها حلية خارجية، لذا يجب الولوج إليها
للتعرف على صورها وأشكالها وأهميتها وقيمتها الفنية، وأثارها النفسية على
الشاعر والمتلقي على السواء.
وهذا يؤكد الصلة العميقة بينها وبين الحياة زمانياً وروحياً، وعملية الولوج هذه
تحتاج إلى دراسة في بنيتها، ومستوياتها، وأسسها، دراسة مستفيضة تغطي كل
جوانبها.
ويؤكد " سليمان العيسى " على أهميتها في الشعر بقوله : " بأنها عصب  الكلام
الجميل شعراً ونثراً .. تبلغ ذروتها في الشعر، والذين لا يحسون بها، ولا
يجيدونها لا يملكون " العصب السليم " ( ) ونفهم من هذا، بأن الموسيقى تمثّل في
جوهرها قالباً صارماً بالغ الإحكام والدقة من مجموعة القواعد التي يقوم على
أساسها بناء القصيدة، فهي قادرة على محاكاة اللغة من داخلها، من خلال الأوزان
الشعرية المعروفة ببحور الشعر، والقوافي وكذلك التمييز بينها من خلال اللفظ
والمعنى، والبيت الشعري وما يليه، وصولاً إلى الشكل الجديد، وهذا يسوقنا إلى
قول قدامة بن جعفر " بأنه " أي الشعر قول موزون مقفى يدل على معنى "( ) على
اعتبار أن الموسيقى ترتكز على عنصرين أساسيين هما الوزن والقافية.
وإذا كانت الموسيقى ترتكز فيما ترتكز على الحالة النفسية التي تعتور وجدان
الشاعر، فعلينا أن ننبه بعدمية الفصل بين الموسيقى والمشاعر، لكونها من أساسيات
البناء الشعري والشعوري، وعلى هذا الأساس لا يمكن أن يُبنى بناء شعري إلا من
خلال هذا النسيج الموسيقي الذي تتحول فيه الفكرة إلى لغة شعرية، ومن ثمّ إلى
جُملٍ شعرية، ثمّ أبيات منتظمة أو أسطر شعرية، وأخيراً إلى قصيدة كاملة
البنيان.
وموسيقى الشعر تنقسم إلى نوعين هما : الداخلية والخارجية، أمّا الخارجية فتتمثل
في الوزن والقافية، وهي بمثابة الإطار الفني الذي يجسّد تجربة الشاعر، ويوافق
طبيعتها من حزن وفرح، فالوزن هو مجموعة من التفعيلات التي تُسمى ( بحراً )، (
وبحور الشعر ) هي ستة عشر بحراً وضع الخليل بن أحمـد الفراهيدي  أصولها، ثم وضع
تلميذه الأخفش وزناً واحداً سمّاه " المتدارك "، ومن هنا انتظمت الأوزان
الشعرية، وأصبحت موسيقى الشعر محببة إلى كل الآذان إذا استقامت، ومكرهة إذا
اعوجت، وهذا مدعاة إلى أن يكون الشاعر عالماً بخصائص هذا الفن من خلال الإعداد
السليم إليه..
أما القافية فهي الكلمة الأخيرة من البيت وحركتها، فتمثّل الفواصل الموسيقية
التي يتوقع السامع ترددها بعد عددٍ معين من مقاطع ذات نظام خاص ركناً من 
الوزن، وقد احتلت مكاناً مهمّاً في الشعر العربي حتى اشتهرت قصائد بقوافيها،
فنُسبت إلى " الروي " وهو أبرز حروف القافية فيقال: لاميّة الشنفري، وسينية
البحتري، وبائية أبي تمام، وميمية المتنبي، وسينية شوقي، ويقول الدكتور عبد
الله الطيب: " إنّ الشاعر العربي عمد إلى القافية فقرنها بالوزن ليضفي عليه
صبغاً نغمياً "( ).
أما الموسيقى الداخلية : فهي نوعان: الأول :الموسيقى الداخلية الواضحة،
والمتمثلة في المحسنات البديعية والتجانس بين الكلمات والحروف، والثاني :
الموسيقى الداخلية الخفيّة، وهي التي يمكن أن نحسّها فيما تشيعه من جو يتلاءم
مع انفعال الشاعر ونوع تجربته.
ولعل موسيقى شعرٍ لم تنتظم نِسَبُها وتتكامل كما انتظمت في شعرنا العربي، حيث
تتساوى الحركات والسكنات في كل بيت وصولاً إلى القافية، بعكس بنية القصيدة
الفنية في الأشعار الأجنبية، واستطاع الشعراء الجاهليون أن يبدعوا أيما إبداع
في بنائية القصيدة، ومَن يرجع إلى معلقة امرئ القيس، يجده يعود بعد مطالعها إلى
التصريع في تضاعيفها مرتين، وكأنه كان ينتهي قبل كل تصريع إلى وقفة طويلة، وما
نصل فيها إلى قوله في وصف فرسه :
مكرٍ مفرٍ، مقبل، مدبر معا كجلمود صخرٍ حطّه السيل من علِ
حتى نحس إزاء الشطر الأول أنه ابتغى ضرباً من الكمال في الإيقاع الصوتي كي
يجسّد سرعة الفرس.
إن موسيقى شعرنا كما قلنا ترتبط بالغناء، ولهذا فمن الطبيعي أن تتطور معه سواء
من داخلها، أم بتأثير بعض الثقافات الأخرى، وقد اتضح هذا من جانبين: الأول:
الأوزان، حيث بدأ الشعراء ينظمون على بعض البحور التي لم ينظم عليها الشعراء
الجاهليون كالرمل والوافر والمتقارب والهزج، على اعتبار أن هذه البحور بسيطة،
وأن ما هو مدعاة للفخر أن ينظم على البحور الطويلة، أما الثاني: فمن جانب
الصياغة، حيث شاعت الألفاظ السهلة، والرقيقة، فيقول عروة بن أذينه في مقدمة
إحدى مقطوعاته:
إن التي   زعمت  فؤادك ملّها خُلقت هواك كما خلقت هوى لها
فبكِ الذي زعمتْ بها وكلاكما يُبدي  لصاحبه  الصبابة   كلّها
إن التجديد في البناء الموسيقي بدأ منذ عهد بعيد، لكن ظل للوزن والقافية
سلطانهما لدى الغالبية من الشعراء حتى العصر الحديث، حيث سعى بعض الشعراء
لتجديد الموسيقى الشعرية، وإن كانت بذرة هذا التجديد قد زُرعت منذ قرون حين ملّ
الشعراء النظم على وتيرة واحدة، فظهر في الأندلس ما يُسمى بالموشحات( ) وسنقف
على هذا في الصفحات التالية.
ومن ملامح التجديد في العصر الحديث يتمثل في :
1- إهمال القافية والتزام بحرٍ واحدٍ كما في قصيدة عبد الرحمن شكري " نابليون
والساحر المصري "( ) ومنها:
ولسوف تبلغ السيوف  مبلغاً تَدَعُ   الممالك   في   يديكَ بيادقا
لكنْ سَيُعْقِبُكَ الزمان وصَرْفُهُ زَمَناً  يكونُ   بهِ الطّليقُ   أسيرا
في صخرةٍ صمّاء فوق جزيرةٍ في البحر يَضْرِبُها العُبابُ الأعظم
فهذا نوع من الشعر الموزون، لكن القافية جاءت مطلقة.
2- تنوّع القوافي في أبيات القصيدة الواحدة بيتين بيتين، كقول ( ميخائيل نعيمه
) في قصيدة " النهر المتجمّد "( ):
يا نهر هل  نضبت  مياهك فانقطعت    عن      الخريرْ
أمْ قدْ هرِمْتَ وخارَ  عزْمُكَ فانثنيتَ      عن      المسيرْ
بالأمس     كنت      تسير لا تخشى الموانع في الطريق
واليوم  قد  هبطت   عليـ كَ     سكينة   اللحد  العميقْ
وقد دعا العقاد كواحد من روّاد التجديد في العصر الحديث إلى التجديد في الشعر،
ونظم على هذا الشكل وغيرها من الأشكال مما سيأتي ذكره بعد ذلك.
3- تنوّع القافية من خلال المقطع، بأن تشتمل القصيدة على مقاطع تتنوع قوافيها
من مقطع إلى آخر، كما في هذه القصيدة للشاعرة " فدوى طوقان" من ديوانها: " وحدي
مع الأيام ( )":
هذي فتاتك يا مروج،  فهل  عرفت صدى  خطاها
عادت إليك  مع  الربيع  الحلو يا   مثوى   صباها
عادت  إليك ولا رفيق  على الدرب  سوى   رؤاها
كالأمس،  كالغد  ثرّة  الأشواق . مشبوبا ً   هواها
هي يا   مروج  السفح  مثلك،  إنها بنت    الجبال
" جرزيم"  روّى  قلبها   وسقاه  من  خمر  الخيال
درجت على السفح الخضير، على  المنابع والظلال
روحاً     تفتّح     للطبيعة،   للطلاقة،    للجمال
4- التزام القافية بين شطري كل بيتين، مثل قصيدة " العودة ( )" لإبراهيم ناجي:
دارُ   أحلامي   وحُبّي   لَقِيَتْنا في جمودٍ مِثْلما تلْقى الحَديدْ
أنكرتنا  وَهْي كانت  إنْ  رأتنا يضْحكُ النورُ إلينا من بعيدْ
رفرف  القلب  بجنبي  كالذبيحْ وأنا   أهتف  يا قلْبُ   اتّئدْ
فيجيب الّدمع والماضي الجريحْ لِمَ  عُدنا   ليْتَ أنّا لمْ  نعُدْ
5- وحدة التفعيلة الذي يظهر فيما يعرف " بالشعر الحر " حيث لا يُلتزم بإيقاع
ونغم اصطلاحي ولا قافية موحّدة، ومن أمثلتها، نورد هذه الأسطر من قصيدة "
الجسر( ) " للشاعر " سميح القاسم ":
فخذ من أدمعي ما شئت
سأوقد مشعلي بدمي
سأفقد لقمتي الشوهاء، أحفى، أشتهي، أعرى
وأملأ معدتي شعرا‍
فقد أقسمت .. قد أقسمت
بالميلاد في أعماق إنساني
سأعبر جسرك المشؤوم
يا تيّار أحزاني
سأعبره.. سأعبره
لشط العالم الثاني
تلك هي أبرز التجديدات التي حدثت في العصر الحديث، وهي في أغلب الأحايين مقبولة
طالما تنبع من تراثنا العربي الأصيل، وإن كان هناك بعض التجديدات التي حدثت
أخيراً والتي سنقف عليها في الصفحات التالية، وهذا ما سنحاول إبرازه بصورة
أشمل.


أولاً :  أهمية الموسيقى في الشعر
" الموسيقى كما قلنا مجموعة من الوحدات الزمنية المنتظمة التي يمكن من خلالها
تحديد وزن معين ...." وبالتالي لا نبالغ إن قلنا بأن أبلغ الشعر ما اعتدل في
مبناه، واستقام في موسيقاة، وتناسق في معناه، وبرزت عاطفته من خلال تجربته،
والتقت الأفكار بالألفاظ، وتفاعل اللفظ بالمعنى، لتبدأ لغة جديدة داخل اللغة
الأبجدية، مستندة على الموسيقى التي تمثل روح الشعر، وعلى اللغة التي تمثّل
جوهر الفكر، فالذين لا يحسنونها، - أي الموسيقى - ولا يجيدونها، لا يملكون
الروح السوية، ولا الشاعرية الخصبة، ولا الإبداع المتجدد الخلاّق، ولا القدرة
على العطاء والتجديد، لأن التجديد يكون متصلاً بالموسيقى بنوعيها ( الداخلية
والخارجية ) باعتبارها الأساس البنيوي الذي لا غنى للشاعر عنهما مهما تجددت
الأبنية الشعرية، وتنوّعت، ومن هنا جاء قول " نعيم اليافي " " بأن الشعر الأصيل
هو الذي يعبّر عن الشعور، وأن العنصر الموسيقي فيه هو الذي يصل به إلى هذه
الغاية ( ) " وقد كان اهتمام الشعراء بها بما يوحي بأهميتها، وصاحب هذا اهتمام
النقاد بها، وخاصة في عصر ما بعد الجاهلي، لذا كان من الطبيعي أن يكون للموسيقى
‎‎‎هذا الاهتمام لعلاقتها بكل معطيات النص، وتداعيات المواقف النفسية المحيطة
بالشاعر، ومن ثمّ باللفظ والمعنى، ويستكشَف من خلالها صدق العواطف، فأصبحت تمثل
أرضاً رحبة للناقد، للوقوف من خلالها على إمكانات الشاعر الفكرية والبلاغية
والنفسية والإيحائية، ولا نختلف مع الآخرين إذا اعتبرناها " جوهر الشعر، ومن
أقوى عناصر الإيحاء فيه، لأنها تعتمد اعتماداً كلياً على اللغة  ( )".
فالمتتبع لموسيقى الحضارة القديمة يجد بأن الموسيقى تتعلق بكل أمور الحياة من
عبادة وتعلّم، وقوانين، وفضيلة، فضلاً عن " استخدامها في الحروب كوسيلة من
وسائل توحيد المشاعر، وشحن للأحاسيس ودفع للحركة البشرية وتنظيم لها ( )" ولهذا
فهي مرتبطة بكل مقومات الحياة، ويؤكد الإمام الغزالي ذلك " بأنه لا سبيل إلى
استثارة خفايا القلوب إلا بقوادح السماع، ولا منفذ إليها إلا من دهليز الأسماع،
فالنغمات الموزونة تخرج ما فيها، وتظهر محاسنها أو مساويها  ( ) وقد تضاربت
الأقوال في نشأة الأوزان العروضية في الشعر العربي، ويذهب " جو رجي زيدان " إلى
أن الوزن مأخوذ من توقيع سير الجمال في الصحراء وتقطيعه يوافق وقع خطاها "( ).
إننا لا نريد أن نذهب بعيداً في تقصي واصطياد الأدلة لإثبات العلاقة بن الشعر
والموسيقى، لأنها لا تحتاج لمثل هذا الإسراف نظراً لوضوح العلاقة، وحسبنا
الوقوف على المرتكزات التي تعضد هذه العلاقة. ففي العصر الجاهلي اقترن الشعر
بإيقاع خطوات الإبل، وبخاصة إيقاع بحر ما عرف بعد ذلك " بالرجز " ويوم اهتدى
العربي في بيئته إلى الرجز وَجَدَ له شعر صحيح "( )وطبيعي أن يكون هذا نابعاً
من تأثير البيئة، ولا نغالي إن قلنا بأن هذا يعكس وقع الحياة النفسية بكل
خلجاتها على ما عرف بالكلمة العادية، التي تحولت بعد ذلك إلى كلمة شعرية في
سياق إحدى القصائد، وهذا يسوقنا إلى أن تراثنا مرتبط أشد ما يكون الارتباط
بالناحية الصوتية، أو السماعية التي من خلالها يبرز التوازن بين الكلمة
ونغمتها، وإيقاعها سواء كان حزناً أم فرحاً، مع عدم إغفال الحركات والسكنات
المصاحبة لها.
وهذا بالتأكيد يوقفنا على العلاقة بين العاطفة وتلك النغمات أو الأوزان، وهل
الشاعر يربط بينهما ؟ وقد عبّر عبد القاهر الجرجاني في كتابه أسرار البلاغة عن
العلاقة القوية بين الوزن والعاطفة وركّز عليها باعتبار أن الحالة النفسية
للشاعر لها أثر بالبناء الموسيقي، وقد وجد هذا الرأي استجابة عند البعض ( ) ولم
يجد قبولاً عند آخرين ( )، وإن كنا نميل على أزلية هذه العلاقة لأنها الصورة
الوحيدة التي من خلالها نتعرف على خلجات الشاعر وقدراته التي تتحكم في بنائية
العمل الفني، وعلى القيمة الفنية والموضوعية للنص.
التنوع في بنية القصائد الفنية بحسب بحور الشعر، يعني بأن العاطفة تلعب دوراً
أساسياً في هذا البناء مع الموسيقى، فالبحور الطويلة أو ذات المقاطع الطويلة
تتجاذب على الأغلب تلقائياً مع حالة اليأس والهلع التي تسيطر على الشاعر، وعلى
العكس يستخدم الشاعر البحور البسيطة أو المتساوية عندما يعكس رؤاه حالة نفسية
هادئة، وهذا يؤكد التلاحم بين الحالة النفسية والبناء الموسيقي.
ولا نبعد كثيراً إذا قلنا بأن الموسيقى في الشعر تعتبر بناءً راقياً تُظهر
مشاعر وأحاسيس الشاعر تبعاً للتجربة، فهي أقرب وسائل التأثير في النفس، وأقواها
في المتلقي، وأقدرها على التعبير بما يعتور وجدان الشاعر، وبما لا يستطيع أن
يحققه لفظاً، فإنه يحاكيه موسيقى، ولهذا لا نغالي إذا قلنا بأنها من أقوى وسائل
الإيحاء، فهذا ابن عبد ربه يقول " زعمت الفلاسفة أن النغم فضل بقي من المنطق لم
يقدر اللسان على استخراجه، فاستخرجته الطبيعة بالألحان، على الترجيع لا على
التقطيع، فلما ظهر عشقته النفس وحنت إليه الروح ( )" ويقترب هذا من قول (نعيم
اليافي ) " بأن الشعر الأصيل هو الذي يعبر عن الشعور، وأن العنصر الموسيقي فيه
هو الذي يصل به إلى هذه الغاية ( ).
وإذا كان الشعر الجاهلي في البداية مصاحباً كما يقولون لخطوات الإبل، فإن بحر
الرجز كان أقرب البحور لهذه الخطوات لما فيه من تساوٍ وتنسيق، وتفعيلاته (
مستفعلن، مستفعلن، مستفعلن ) تتكرر ثلاث مرّات أخرى في الشطر الثاني، وهذا يبرز
العلاقة بين البيئة والموسيقى، باعتبارها-الموسيقى - المحرك الأول للمشاعر، ومن
خلالها تبدأ رحلة الغوص الفكرية في أعماق اللغة تبعاً لهذا التأثير.
والتنوع في الموسيقى يعكس أيضاً رؤى البيئة الزمانية التي يعيشها الشاعر، بمعنى
أن الشعر في العصر الجاهلي لم يسر على وتيرة واحدة عند كل الشعراء، وإنما حسب
مقتضيات التجربة.
وتمثّل الوحدة العضوية ركناً أساسياً في البنية الموسيقية من خلال التجانس
التام بين الأوزان والقوافي من ناحية، وبين التوحد الفكري من ناحية أخرى، وقد
ركّز على هذا روّاد التجديد في العصر الحديث من خلال كتابات: مطران والعقاد
وشكري في مقدمات دواوينهم وفي كتبهم النقدية كما تجلى في أعمالهم الشعرية ( )،
حيث اعتبروا وحدة القصيدة مقياساً من أهم المقاييس التي يقوّمون بها شعر
الشعراء ويميزوا على غرارها الحداثة من التقليد.
ورغم أن القصيدة كانت تعتمد على السماع ( الأوزان ) وما له من أثر فكري، فإن
الشعراء اعتمدوا على المعاني، على اعتبار أن المعنى وثيق الصلة بالوزن، لهذا
فعميلة المزاوجة بين الموسيقى والأفكار تأتي تلقائياً لتبرز من خلالها العاطفة
ليمثلا جميعاً صدى لوجه واحد.
لقد كانت القيمة الحقيقية للشعر في العصر الجاهلي تكمن في أن الأوزان الشعرية
استوعبت العديد من الأغراض الشعرية، لكنهم لم يعتمدوا على الأوزان القصار
كثيراً، باستثناء وزن الرجز لاستخدامه في منازلة الأقران، وكل ما يتصل بالحركة،
وبذلك يمكن اعتباره وزناً شعبياً، وقد استُنبط منه المنهوك الذي يُبنى على "
مستفعلن " مرتين، وكذلك المشطور، الذي يُبنى على " مستفعلن " مرّة واحدة.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل كنا نجد بأن القصيدة الواحدة تجمع العديد من
الموضوعات داخل النص، فما وقوفه على الأطلال ومناجاة العهد الناعم الذي كان في
الدار، والتشوق إلى الجنن بحنين الإبل، ثم وصف الرحيل والانتقال وما قطع من
مفاوز، وما تجشّم من هول الليل وحرّ النهار، ثمّ خروجه إلى القصيدة فيمدح أو
يفخر أو غير ذلك، هو في مجمله انعكاس لطبيعة البيئة التي كانت تعتمد على تلك
الركائز، ولو أن الشاعر بدأ بالقصيدة مباشرة لعُدّ ذلك من سقط المتاع، فالقيمة
الحقيقية للشاعر وشعرة تكمن في إثارة تلك الأفكار باعتبارها الأساس البنيوي
للقصيدة الجاهلية، ولا يمكننا إلا أن نوافق العقاد على ما ذهب إليه، على اعتبار
العلاقات القائمة وجدانياً بين تلك المعاني.
ولقد بدأ الزمن يتهيأ لمرحلة جديدة تختلف اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً
ونفسياً عما كان سائداً، وكان لابد وأن يتأثر الشعر بهذه الفترة الزمنية
الجديدة، فبعد أن عاش العرب في البادية دون هدف في الحياة سوى النزاعات
القبلية، والمعارك التي استمرت حقباً من الزمن، جاء الإسلام، ليوحّد كل القبائل
تحت راية واحدة، وكان لهذا الدين أثره الكبير في أوجه الحياة المختلفة، وخاصة
الثقافية منها، فقد هذّب النفوس، وروّض الأفكار، وابتعد عن فاحش الكلام، وساقط
الموضوعات، وأنار للشعراء من خلال القاموس القرآني ما لم يكن موجوداً من قبل،
فنالت القصيدة قسطاً واسعاً من الاهتمام، خاصة وأنهم أهل فصاحة وبلاغة، وبدأت
ملامح التجديد في المضمون تظهر مع هذا العصر الجديد، فظهر هذا في شعر حسّان بن
ثابت، ومن قوله قبل الإسلام :
لله درُّ   عصابة   نادمتهم   يومـاً بجلّق    في    الزمان    الأول
يمشون في الحلل المضاعف نسجُها مشيَ الجِمال، إلى الجِمال، البُزّل
الخالطون    فقيرهم        بغنيّهم والمشفقون على الضعيف المُرمِل
أولاد جفنة  حول   قبر    أبيهـم قبر ابن مارية الكريم المفضِــل
يُغشونَ  حتى   ما تهرّ   كلابُهـم لا يسألون عن السواد المقبـــل
يسقون  من ورد  البريص  عليهم بّرّدّى يُصفّقُ بالرحيق السلْســل
بيض  الوجود   كريمة   أحسابهم شُمّ الأنوف من الطــراز الأوّل
وبعد الإسلام :
إن الرسول لنور يُستضاء به مهنّد  من سيوف الله مسلول
في فتية من قريش قال قائلهم ببطن مكّة لمّا أسلموا زولوا
ولم يقتصر الأمر على شاعر الرسول، بل إن معظم الشعراء استقوا من منابع الدين
لغة جديد، وبدأت ملامح التجديد تظهر في مطالع القصائد، ومضمونها.
ومن شعراء هذا العصر " عمر بن أبي ربيعه " في مكة، والأحوص وعبيد الله بن قيس
الرقيات في المدينة، وجميل بن معمر، وذو الرمة في البادية، وجرير والفرزدق في
العراق، والأخطل في الجزيرة، والكميت الأسدي في الكوفة، والطرماح بن حكيم في
الشام، حيث يمثلون نقلة نوعية في بنية القصيدة العربية، فكان الشاعر لا يقول
الشعر إلا عن وجدٍ.
ورغم ارتباط العصرين الإسلامي بالأُموي، فإن هذا العصر استقل في كثير من معطيات
الحياة الاجتماعية والسياسية، وهما المرتكزان الأساسيان اللذان يؤثران على بنية
القصيدة فنيّاً وموضوعياً، فنجد أن هذا العصر حمل إلينا تجديداً في المضمون
والأغراض الشعرية أكثر من التجديد في البناء الموسيقي، وبرز هذا واضحاً في
قصائدهم التي أبرزت أغراضاً جديدة لم تكن معروفة من قبل، وذهب بعض الأدباء على
اعتبار عصر بني أمية، هو البداية للتجديد في بنية القصيدة العربية أو مضمونها،
ولهم في ذلك أدلتهم فقد كان " عصر تجديد في اللفظ والمعنى ( )." وهذا لا يعنى
بأنه القول الفصل في التجديد، لأن التجديد يبدأ مع أول كلمة موزونة قالها
الشاعر في قصيدة.
أما العصر العباسي، الذي استمر حكم الخلفاء فيه قرابة قرنين من الزمان على
فترتين، فكان له ومازال أثره الكبير في الحياة الأدبية، حتى أن الحروب
والدويلات كان لها أثرها الإيجابي في مرحلة من المراحل، وإن كانت الصفة الغالبة
على هذه المرحلة هو عدم توازيها فكرياً وفنيّاً وثقافياً مع الفترة الزمنية
الطويلة لحكم العباسيين، فلقد كان المؤمل أن تتجدد الموضوعات، وتظهر موضوعات
جديدة أكثر مما أبدعه الأدباء والشعراء بصفة خاصة، مع ربط التأميل بوجود شعراء
كبار كبشار، وأبي نواس والبحتري وأبو العتاهية وأبو تمام وابن المعتز وأضربهم.
نحن هنا لا ننكر التجديد ولا الإبداع في هذا العصر، فقد ظهرت أوزان جديدة لم
تكن معروفة في العصور السابقة " كالمقتضب المجزوء " وتفاعيله ( مفعولات، مستفعل
)، إضافة إلى تبني أبو نواس المزدوج والمربعات والمسمطات، الذي يعكس الحياة
الاجتماعية التي كان لها الأثر الأكبر في هذا البناء الفني، فحفلات الطرب
واللهو والمجون خلقت لوناً من الشعر يتناسب مع الواقع البيئي، فكان أقرب لذلك
هو المقطوعات الشعرية، إضافة إلى أوزان جديدة لم تكن معروفة من قبل.
حركة التجديد في هذا العصر رغم ما صحبه من أسر للفكر داخل المجون والترف، أبرز
إمكانية التجديد في هذه البنية، سواء في الوزن، أو القافية، ليعكس قدرة اللغة
على مسايرتها وتوافقها مع معطيات الواقع، وكأننا نقول بأن الواقع هو الذي يفرض
لغة معينة، وموسيقى معينة، ومن ثمّ قصيدة إما تجديدية، أو جديدة في بنيتها
الفكرية والموضوعية والفنية، واستطاع الشعراء العباسيون أن ينهضوا بالقصيدة،
ويجددوا فيها شكلاً ومضموناً، فتوهجت الإيقاعات في موسيقى الشعر العباسي، فكثرت
التقطيعات الصوتية الداخلية في الأبيات، ونقف على خمرية لأبي نواس حيث يقول:
سُلافُ دنٍّ، كشمس   دَجْنِ كدمع  جفْنٍ ، كخمر عدْنِ
طبيخ شمسٍ ، كلوس وَرْسِ ربيب فُرْسٍ، حليف سجنِ
وقد جدد الشعراء العباسيون في القوافي، واكتشفوا بعض الأوزان الجديدة منها قول
أبي العتاهية من بحر المضارع:
أيا عُتْبُ  ما يَضرُّ ـكَ أن تُطلقي  صفادي
ثمّ قول" أبي نواسى " من بحر " المقتضب ":
حامل الهوى لعِبُ يسخفّه الطّربُ
وما يمكن أن نقوله في هذا المقام، أن التجديدات التي حدثت في بنية القصيدة
شكلاً ومضموناً في العصر العباسي كانت نتيجة طبيعية تتناسب مع معطيات البيئة،
ولا نبتعد إن قلنا بأنهم وضعوا أسساً جديدة للقصيدة العربية مستمدة من واقع
تراثي متصل بالعصر الجاهلي والإسلامي والأموي، وما وقوف بشّار بن برد في كثير
من قصائده على شاكلة القصيدة الجاهلية إلا دليلاً ثابتاً على ارتباط الشعراء
بالتراث، والتصاقهم به.
وظهرت في العصر العباسي المسمطات التي تعتبر رافداً أساسياً للموشحات الأندلسية
التي سنتناولها بالتفصيل بعد ذلك، ومنها قول أبي نواس:
أدِرِ الكأس واعجِلْ مَنْ حَبَسْ واسقنا ما لاح نجم في الغلس
قهوة    كَرْخِيّةً      مشمولة تنفُضُ  الوحشة  عنا بالأنس
هذا ويمكن إجمال التجديدات في الأوزان والقوافي في العصر العباسي في النقاط
التالية ( ):
1- المستطيل، وهو مقلوب الطويل ( مفاعيلن فعولن مفاعيلن فعولن ) مرتين:
لقد هاج اشتياقي غرير الطرف أحور     أدير الصدغ على مسك وعنبر
2- الممتد، مقلوب المديد ( فاعلن فاعلاتن فاعلن فاعلاتن ) مرتين:
صاد قلبي غزال أحور ذو دلال كلما زدت حباً زاد مني نفورا
3- المتوافر، محرّف الرمل ( فاعلاتن  فاعلاتن  فاعلن مرتين
ما وقوفك بالركائب في الطلل ما سؤالك عن حبيبك قد رحل
4- المتئد، مقلوب المجتث ( فاعلاتن فاعلاتن مستفع لن ) مرتين:
كن لأخلاق التصابي مستمرياً ولأحوال الشباب مستحليا
5-المنسرد، مقلوب المضارع ( مفاعيلن مفاعيلن فاع لاتن ) مرتين:
على العقل فعول في كل شأن ودان كل من شئت أن تداني
هذا وقد ظهرت أوزان جديدة في هذا العصر:
1- السلسلة ( فعلن فعلاتن متفعلن فعلاتان ) :
السحر بعينيك ما تحرك أو جال       إلا ورماني من الغرام بأوجال
2- الدوبيت ( فعلن متفاعلن فعولن فعلن ):
قد أقسم من   أحبه   بالباري أن يبعث طيفه مع الأسحار
يا نار أشواقي   به    فاتقدي ليلاً   فعساه  يهتدي  بالنار
3- القوما : وقد ظهر في بغداد، حيث كان البغداديون يوقظون الناس للسحور، ووزنه
( مستفعلن فعلان ):
يا من  جنابه   شديد ولطف    رأيه      سديد
ما زوال برك يزيـد على     أقل       العبيد
ولا    عدمنا   نوالك في  صوم  وفطر  وعيد
4- المواليا، وهو على وزن البحر البسيط:
يا عبد أبكي على فعل المعاصي ونوح هم فين جدودك  أبوك  آدم وبعده نوح
دنيا غروره تجي لك في صفة  مركب         ترمي حمولها على شط البحور وتروح
ولم يقف الأمر على تجديد في الأوزان، وإنما تبعه تجديد في القافية، فلم تعد
تلتزم كما كان معروفاً من قبل، بل كان الإفلات من قيود القافية جزءاً من
البنائية الجديدة للقصيدة في هذا العصر، فظهر ( المسمط، والمزدوج، والمخمس ).
1- فالمسمط أن يبتدئ الشاعر ببيت مصرع، ثم يأتي بأربعة أقسام على غير قافيته،
ثمّ يعيد قسماً على قافية البيت الأول ومنه:
غزال هاج لي شجنا        فبت مكابداً حزنا      عميد القلب مرتهناً
بذكر اللهو والطرب
سبتني ظبية عطل         كان رضابها عسل     ينوء بخصرها كفل
ثقيل روادف الحضر
2- والمزدوج، كل شطرين من قافية، ومن ذلك قول أبو العتاهية:
حسبك  مما تبتغيه القوت ما أكثر  القوت  لمن  يموت
الفقر فيما  جاوز  الكفافا من   اتقى  الله  رجا  وخافا
ما انتفع المرء بمثل عقله وخير ذخر المرء حسن فعله
3- والمخمّس، أن يؤتى بخمسة أقسام كلها من وزن واحد، وخامسهما بقافية مخالف 
الأربعة قبله، ثمّ بخمسة من الوزن دون القافية للأربعة الأولى، ويتحد القسم
الخامس مع خامس الأولى في القافية:
ورقيب    يردد    اللحظ ردا ليس   يرضى   ازديادي   بعدا
ساحر الطرف مذ  جنى  الخد وردا إن  يوما لناظري قد تبدى
فتملا من حسنه تكحيلا
وتصد  من   فحشه   في  استباق يمنع اللحظ من جنى واعتناق
أيأس  العين   من   لحاظ  اعتناق قال جفني لصنوه : لا تلاقي
إن بيني وبين لقياك ميلا
ثم حمل إلينا العصر الأندلسي صورة جديدة لم تكن معروفة من قبل، وإن كان العصر
العباسي زرع نواتها من خلال المقطوعات التي تعتمد على المزدوج، ليظهر فن جديد
عُرف " بالموشحات " حيث التجديد أكثر وضوحاً في الوزن والقافية من داخلها، وليس
القفز عليها، ومن هنا أخذ التعريف السابق ( الشعر هو الكلام الموزون المقفى )
يتجدد حسب التجديدات في الشعر، فجاء " تحطيم " القافية كما يقولون - لا كما
نقول - كنوع من التجديد، لاعتماد هذا الشكل الجديد على المقاطع، فبنيت الموشحات
على ( مطلع، وغصن، وقفل ) وإذا كان الدكتور محمد غنيمي هلال ( )" يعتبر بأن ما
حدث هو التحرر من نير القافية والوزن في القصيدة العربية، ولم يدر بخلدهم أن
يثوروا على المعاني ونظام القصيدة ليوسعوا المجال للموسيقى الإيحائية، فطبيعي
أن يكون كذلك، لأن الثورة التي حدثت في البناء الخارجي كان من الصعب أن يواكبها
بناء داخلي جديد ولهذا كان لابد من قفزة أو ثورة جديدة تتواءم فيها المعطيات
السابقة مع حركة الزمن، وهذا ما أحدثه شكري عندما كتب شعراً مرسلاً( )..
فحركة الشعر الأندلسي تعتبر تتمة لنظريات التجديد، وانطلاقة مبتكرة نابعة من
الواقع العربي دون أن يكون له أي تأثير خارجي، ومن ثمّ فهي تسلسل منطقي لمعطيات
الواقع، وإرهاصات الماضي، وتحوّل طبيعي في تكنيك البنية اللغوية والموسيقية
للقصيدة، على اعتبار أن الشاعر العباسي مهّد لظهور الموشحات الأندلسية من خلال
المسمطات، وهذا يدل على أن  هذا العصر العباسي له دور أساسي في التجديدات
الموسيقية، سواء في عصره، أم في العصور التي تلته، وكما هو معروف فقد خالف فيها
الوشاحون بين قوافي الأقفال وقوافي الأدوار أو الغصون.ونقف على قول أحد الشعراء
العباسيين الذين أبرزوا ما قاموا به من جهدٍ مضنٍ:
صرت كأني زبالة نُصبت تُضيء للناس وهي تحترقُ
وفي العصر الحديث ظهرت جماعات شعرية كان لها دور أساسي في بلورة أشكال بنيوية
جديدة للقصيدة العربية شكلاً ومضموناً، فراد البارودي وشوقي وحافظ والرصافي
ومَن سار في فلكهم جماعة شعرية عُرفت ( بالإحياء والبعث ) أو ( النهضة )
وتكفّلوا بأن يعيدوا للقصيدة العربية رونقها بعد أن خلّصوها من القيود التي
كانت ترسف فيها أبّان العصر العثماني، وأعادوا لها مكانتها عندما توهّجت
بمضامين جديدة معتمدين على الموسيقى ذات الإيقاعات المتوازنة المتكررة المنتهية
بقوافٍ موحّدة.
هذه الجماعة الشعرية أحدثت بعض التغيير في البنية الموضوعية للنص، من حيث تقديم
تجاربهم الذاتية، وعرض قضايا مجتمعهم، وعرض الموضوعات القديمة بثوب عصري، مع
موازنة هذه الموضوعات بأوزان شعرية تتناسب مع المرحلة الزمنية المواكبة للواقع،
وخاصة الثورات المتعددة التي ظهرت في مصر على سبيل المثال، فكانت هذه الجماعة
كالنهر الذي تفرع إلى جداول في بعض البلدان العربية ليستفيدوا من هذا النبع
الفكري الجديد وليتأثر به الكثير من الشعراء..
وخلال هذه الفترة، ظهرت جماعة أطلقت على نفسها " جماعة الديوان " وروّادها هم
عبد الرحمن شكري، وإبراهيم المازني، وعبّاس محمود العقاد، وقد اهتمت هذه
الجماعة بالمضمون والشكل، فمن حيث المضمون، دعوا إلى الوحدة العضوية، أو وحدة
الموضوع في القصيدة، بحيث تنمو أبياتها بأفكارها نمواً طبيعياً، فلا يمكننا
التقديم أو التأخير في أبياتها، ومن حيث الشكل، دعوا إلى التجديد في القصيدة،
ولا نبتعد إن قلنا بأن هذا التجديد المتوازي مع طبيعة المجتمع العربي، نابع من
تأثرهم بالثقافات الأجنبية لكن وللحق، فإنهم جانسوا ثقافة الغرب مع واقع الشرق،
فكان لهم دورهم الرائد في الحياة الأدبية والثقافية، وبرغم انفصال الأدباء عن
بعضهما، وانصراف شكري والمازني إلى مسارب أخرى من الحياة، بقي العقاد حتى آخر
حياته أحد ألمع وأبرز النقاد والشعراء، بحيث أصبح الشعر في عصره علامة فارقة من
حيث الشكل والمضمون، فمن حيث المضمون، تحوّل إلى صرخات مدوّية في وجه الظلم
والاستبداد، مع التغني بأمجاد شعبه، وأما الشكل فقد كان العقاد الذي سبق عصره
فكراً ونقداً، من دعاة التجديد في القصيدة، فيقول: الشاعر المبتدع ليس مَن يبني
له حوضاً تجاه ينابيع المطبوعين، يرصفه بحجارتها وحصبائها، ويملؤه بطينها
ومائها، ثم يدعوه بغير أسمائها، ولكن المبتدع مَن يكون له ينبوع يتفجّر منه
الماء كما يتفجّر من ينابيع المطبوعين، ويستقي منه كما يستقون.
ولا ِقبَلَ باستنباط هذه الأمور الطبيعية إلا لمن كان له سائق من سليقته يهديه
إلى مواقع الماء، وبصرٍ كبصر الهدهد، الذي يزعمون أنه يرى مجاري الماء تحت أديم
الأرض، وهو طائر في السماء ".
هذا وقد ظهر التجديد من ناحية القافية المزدوجة التي تتفق في كل بيتين
متعاقبين، إلى القافية المتوالية، بحيث تتفق قافية البيت الأول مع الثالث،
والثاني مع الرابع.
والعقاد في الأبيات التالية يختار طريق الحرية وإن كان وعراً شائكاً على طريق
المهادنة وإن كان فيه السلامة:
هما سبيلان : مَنْ يبغِ السلامة     لا يأسف على الحق أو يحلم برؤياه
ومَنْ بغى الحق في  الدنيا فلا  أسف على  السلامة  إنْ  خانته  دنياه
قد يهجر تلأمن مَنْ ذلُّوا وَمَنْ  وهنوا وما  تفْرق  قطُّ  الهول  والجاهُ
فاختر  لنفسك: إما المجدُ  في  خطر أو  الهوان  وقد  تشقى  ببلواه
وما  اختياركَ  إلا  ما  خُلِقْتَ    له إنَّ  الطبائع  ما ترضاه  نرضاهُ
ونقف هنا على بعض الأشكال التجديدية في البناء، التي قام بها العقاد في بنائية
القصيدة، لإيمانه المطلق بالتجديد في كل مناحي الحياة، ومنها الأدب، ففي ديوانه
" عابر سبيل " قصيدة بعنوان " بعد صلاة الجمعة "
على الوجوه سيمة القلوب فانظر  إلى المسجد من قريب
وقف لديه  وقفة    اللبيب في ظهر يوم الجمعة المحبوب
إنك في حشد هنا عجيب
هذا الذي يمشي ألا تراه كأنما     قد   حملت     يداه
سفتجةً   صاحبها  الإله ذاك هو    الدَّيْنُ،   وقد  وفاه
فليس للدائن بالمطلوب.
وفي شكل بنيوي آخر، يقول:
سنة مرت ولا كل السنين
بين  صيف من هوانا وشتــاء
وربيع  كلما  غام    أضـــاء
والضحى والليل بعد حين
***
سنة كان لها نجم فريد
غمر  الشمس  وغطى القمرا
ومشى  في  حسنه  منتصرا
كلّ برج تحته برج سعيد
وقي قصيدة للعقاد بعنوان ( عدنا والتقينا )
التقينا
والتقينا
عجباً كيف صحونا ذات يوم فالتقينا
بعد ما فرّق قطران وجيشان يدينا
فتصافحنا بجسمينا وعدنا فالتقينا
بعد عصر!
أي عصر؟
والنوى تجري وسر الحب في الأكوان يجري
ثمّ نادانا تعالوا فاهبطوا أرض مصر
قضى الأمر كما شاء، وعدنا فالتقينا
تلك صورُ من بنائية القصيدة شكلاً ومضموناً، وإن كان الشكل هدفنا في هذا
المقام، لنقف على مواطن التجديد في بنية القصيدة العربية، وكيف ساهم الشعراء
والنقّاد بقسط وافر في عملية التجديد، بعيدين كل البعد عن التأثر بالثقافات
الأجنبية.
ولكن التأثير الأكثر حداثة في بنية القصيدة جاء مخترقاً المحيطات ليبعث في النص
روحاً جديدة، تمثل في شعراء المهجر، وراد هذه الجماعة ( جبران خليل جبران،
وميخائيل نعيمه، وإيليا أبي ماضي، ورشيد أيوب، وندى حداد، ونسيب عريضه، وشفيق
المعلوف، ورشيد الخوري، والياس فرحات، وسلمى صايغ )، وغيرهم كثير، وكان من أهم
العناصر الأساسية في بنية القصيدة هو الميل إلى التجديد، تأثراً بالبيئة
الجديدة، والثقافة الغربية، ولكن التجديد الغالب في بنائية النص كان في
الموضوعات، مع إحداث بعض التجديدات في البنية الفنية، ومن ذلك قول " ميخائيل
نعيمه في قصيدة " النهر المتجمد ":
يا نهرُ هلْ نَضَبَتْ مياهُكَ فانقَطعْتَ عن الخريرْ
أم قد هرمت وخار عزمُكَ فانْثَنْيَت   عن المسير
***
بالأمس  كُنْتَ  مُرَنّماً بين  الحدائق  والزهورْ
تتلو  على  الدنيا  وما  فيها  أحاديث  الُّدهورْ
***
بالأمس كنت تسيرُ لا تخشى الموانع في الطريقْ
واليوم  قد  هبطت  عليك  سكينة  اللّحد  العميق
****
ما  هذه  الأكفان؟ أم   هذي  قيود من  جليدْ؟
قد   كبّلتك  وذلَّلَتْك َ  بها  يد  البرد   الشديد
وبنمو الوعي الثقافي لدى الشعوب، واختلاف الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية
ظهرت جماعة ( أبولّو ) التي أسسها كما هو معروف أحمد زكي أبو شادي، ولقد كان
أهم ما يميز هذه الجماعة هو نظام المقطوعات والشعر المرسل، وتثنية القوافي،
ولكن هذه الجماعة لم تستمر طويلاً مع المجلة التي كانت تصدرها، فبعد عامين فقط،
اختفت لأسباب فنية، ولمآخذ العقاد وطه حسين وغيرهما على هذه الجماعة.
هذه المحاولات الرائدة مهّدت الطريق لاستقبال بنائية شعرية جديدة في الشكل
والمضمون، يكون للتفعيلة الأثر الأكبر في بلورة هذا الشكل مع الاحتفاظ لكينونة
الصوت أحياناً كأثر مهم في خلق تعادل بين الواقع والفكر والموسيقى، مع عدم
الابتعاد عن الواقع وما يحمله من تباين واختلافات وتداعيات متداخلة.
وعلى مدى قرون طويلة بقيت الثقافة العربية هي الأساس لكل الثقافات حتى
اليونانية منها، ورغم محاصرة الثقافات غير العربية، وخاصة بعد الحربين
العالميتين الأولى والثانية للثقافة الإسلامية العربية، ودخولها المنطقة
بأساليب متنوعة، فإنها استطاعت أن تواجهها،

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الدكتور يحيى زكريا إسعيد حمدان الأغا

اظهر المزيد