مقالات

في راحتي قلم.....عبدالله الانصارى

 

بسم الله الرحيم الرحيم
(في راحتي قلم)
للشاعر / علي عبد الله الأنصاري
رؤية نقدية  للدكتور/ يحيى زكريا الأغا


شاعر يُتقن فنّ الشعر الرومانسي والرومانتيكي في الغالب يتميز بإحساس مرهف، وعاطفة صادقة، وبساطة في التعبير، وانكفاء على الذات الشعر هو المرآة التي نرى فيها صورة الشاعر وحالته النفسية من خلالها، ومن  فهمنا لهذه المقولة، أستطيع  أن أقول : إن الشاعر في هذه المجموعة صاحب حالتين:
الأولى الألم واليأس  والثانية : المواجهة .
وأقصد هنا بالأولى: الحالة النفسية التي تسيطر على الشاعر نتيجة انعكاس الواقع المعاش على وجدانه، أما الثانية: فأعني بها محاولة الشاعر مواجهة ما يسيطر على  وجدانه بلغة إيمانية ترتكز على حسٍ ديني .
أما الديوان فيقع في ثلاثمائة صفحة من القطع المتوسط، يحتوي على 86 قصيدة، ومقدمة للشاعر، وإهداء لمن يستحق الإهداء( الأم) ، وهو باكورة إنتاجه الشاعر، وشاعرنا يمارس قرض الشعر منذ حوالي ( 10) سنوات، ينتمي في بنائيته الشعرية إلى  نوعين من الشعر، العمودي، والحر.
هو صاحب نفس شعري يختلف حسب طبيعة التجربة، فنراه موجزاً كالأراجيز في العديد من القصائد، ومطولاً كما في النص الأخير ( حمزة) رضوان الله عليه، يتكئ على بنائية خليلية تخلو من الأخطاء العروضية، ومنوعاً في القافية، معتمداً على  المقاطع الموحدة أحياناً، كالمزدوج، والمربعات والخماسيات، وحسبي أن أقول بأنه  قارئ جيد لبنائية الشكل في العصر العباسي، ثمّ لينتقل مواكباً التطور البنائي شكلاً والذي أصبح ظاهرة في النصف الثاني من القرن الماضي، معتمداً على  التفعيلة، وبذلك يكون قد ابرز قدرته على المزج بين القديم الأصيل، والجديد  المعاصر.
القارئ لا يجد صعوبة في البحث عن ذات الشاعر في النص، بل يمكن أن يجده في كل  قصيدة ينظمها، بساطة في الألفاظ، وبُعد عن الكلف،وانكفاء على الذات، وسيطرة  الروح الرومانسية على معظم ألفاظه وعباراته، لأن قاموسه الذي يعتمد عليه مستمد  من الواقع المعاش، وليس من بنائية تراثية يمكن أن تُضفي جمالاً وقوة للنص  الشعري.
نبرته الشعرية لا تتغير من أول قصيدة وحتى آخرها، وسواء ما كُتب عام 1995، وحتى  عام 2002، وهذا يدل على أن الشاعر لا يعتمد على التجديد الثقافي والتراثي، بقدر  ما يعتمد على التجديد الشكلي، وهذا ما رأيناه في تنوّع البناءات الشعرية،   وتقديري أن الشاعر يريد أن ينقل إلينا تجاربه الشعرية في ديوان واحد، وهذا لا  غضاضة، لكنّ الرسالة الأهم التي أرى أنها جديرة بالاهتمام من خلال هذا المزج،  هي لأولئك الذين ينثرون شعرهم المنثور، هرباً من الموسيقى الخارجية، أو بتعبير   أدق، هروبهم من الشعر الموزون المقفى لقّلة خبرتهم في بحور الشعر المختلفة،  ومشتقاتها التي هي أكثر من عدد البحور ذاتها.
ولكن الشاعر بامتلاكه هذه الناصية، لم يوظف التراث بالصورة الأصيلة التي يمكنه  من خلالها أن يجعل النص الشعري أكثر قوة وتأثيراً، ولنا في ذلك وقفة لاحقا.
وإذا تتبعنا الآن ديوانه الشعري فيمكنني القول:
بأن الديوان في مضمونه ينقسم إلى الأقسام التالية:
شعر موزون مقفى، وشعر يعتمد على التفعيلة أساساً له، وبهذا نحدد الإطار الذي  تناوله في الديوان إلى :
شعر وجداني
وشعر إنساني
فأما الشعر الوجداني:
فقد غلب عليه العاطفة بكل معانيها، وسيطرت ألفاظ الألم على النص الشعري، وسواء
جاءت الألفاظ بمعانيها، أم بإيحاءاتها،  ودعوني أسوق هنا ألفاظ قصيدة ( شاعر )
حيث تُبرز صورة الأسى التي تسيطر عليه(  عذاب- -سقاء- حُرقة- اغتراب- التياع-
جرح-وهمٌّ-بكاء- أنّة- اكتئاب- الخنجر- الدم – العذاب- ميّت- الحزن- البكاء- )   والحب على أي قصيدة من هذا النوع، وهنا وكما هو معروف، فإن القصيدة تفقد قيمتها
الفنية، وتصبح وجداناً دون فكر، وهذا يؤثر على مضمون النص، ويصبح النص كأنه فرس  دون لجام. وإذا أردت أن أسوق عناوين قصائد، فهي كثيرة جداً (صدى – نرجسية-  الذات- الانتظار- شاعر- همّ وسِرّ- وما أدراك ما الألم  شيء في نفسي – أنا لو  مت………..)
وهذا لا يعني أن روح المعاناة النفسية التي تسيطر على وجدان الشاعر جعلت منه  إنساناً مهموماً مغموماً إلى درجة كبيرة، بل نجده يتخذ من هذا الهمّ منطلقاً  إلى ما هو أبعد، وأرحب، إلى فضاء الكون الواسع، حيث يجد الله حوله، فيكون  الخلاص من هذه المعاناة، والقصائد حول هذا الموضوع عديدة، وبعضها جاء متضمناً  القصائد، وكأنه يريد إن يضع معادلتين أمامه، ليخرج بإحداهما، وهي الأقوى.
إن الشعر الوجداني الذي برز في الديوان محكوم برومانسية تستند إلى ثقافة الشاعر الخاصة، وأعتقد أن تأثره بجبران خير دليل على ذلك، من خلال المزاوجة بين شطر من شعره، وعجُز من شعر جبران، ولا يعني هذا تقليداً أو محاكاة بقدر ما يعني تأثراً
بعجم الشاعر الشعري، وصوره الشعرية التي ساقها باقتدار، للتوازي مع شاعر يمثل
أحد أعمدة الشعر المهجري.
أما الشعر الإنساني
فرغم ما عانت كلمة الإنسانية ظلمت على أيدي أهل اللغة، وأصحاب المعاجم، ولكن الله عوضها الخير على ألسنة الشعراء، وأصبحت ذات أهداف سامية، وقد سمحت لنفسي  أن أطلق مسمى الشعر الإنساني، لأنه يتصل بقضايا سامية، وعادلة،( القضية  الفلسطينية- اللبنانية-كوسوفو) فلم تكن فلسطين الأرض والإنسان، والمأساة،  والشهداء والأقصى غائبين عن وجدان الشاعر، ومن هنا وجدنا الشاعر من خلال هذه  المعاني السامية يحلّق في سماء فلسطين ( فهذا  يحيى عياش- ومحمد الدرة ، وغيرهم  كثير، من الشباب الأسرى، والمعتقلين، حيث جاءت موضوعات القصائد هذه متصلة بالواقع الذي يعيشه الفلسطيني، راسماً بذلك لنفسه بُعداً جغرافيا يتناسب مع ما يتسم به الشاعر، وينطلق إلى لبنان الجنوب، وكوسوفو،  فجاءت النبرة عالية تتوازى  مع طبيعة التجربة.
وقد اتخذ الشاعر من رثائه للشهيد / يحيى عيّاش لرثاء القدس، وكأني به عندما يرثي مدن الأندلس، طليلة، بلنسية، الحمراء وغيرها من المدن.
النصوص هذه إذا ما تمّ تجميعها متتابعة، تمثل مرحلة من مراحل النضج الفكري لدى  الشاعر، وقدرة على توظيف التجربة بلغة تتناسب مع طبيعة الحدث، وتلك ما إبداعات الشاعر، فبرز الإحساس المرهف، والعاطفه الصادقة والحادة، واللغة القوية والمباشرة.
لا أريد أن أطيل أكثر، لكن سأحاول أن أختم فأقول بإيجاز:
1- الشاعر يمتلك ناصية اللغة، لكنه لا يمتلك ناصية التراث الأصيل، فالمخزون الشعري لأي شاعر يعجز مستقبلاً عن أداء وظيفته بالصورة الجيدة إذا لم يرتبط بالتراث، ونحن لا نريد للشاعر أن تكون بضاعته مزجاة، فكل شاعر يريد لشعره القوة
والديمومة، وهنا أقول لابد لأي شاعر من التمرس بالاستعمالات اللغوية الأدبية والتاريخية، والدينية، وفهم الآخر.
2-  أعترف للشاعر بعذرية اللغة التي استخدمها، وجاءت مزاوجته لها من خلال الصور
الشعرية مناسبة للتجربة، أو انعكاس لوقع التجربة على الشاعر.
3-  خلا الديوان من الرموز التي يمكن اعتبارها مصدر من مصادر الثقافة التي  تُثري النص الأدبي بالدلالات والإيحاءات المعبرة، علماً بأن الرمز ليس جديداً  في الشعر العربي كما هو معروف.
4- خلا ديوانه من الأسطورة، وسواء كنّا جميعاً موافقين أم مخالفين لها، لكنها تمثل إلي أو لأي دارس، مدخلاً للإيحاء الذي يكتنز المعاني والتعبيرات، مما  يُضفي بُعداً فنياً على بنية النص في المضمون.
5- الديوان سهل الملمس، يقرأه كل إنسان، ولا يعمى على أحد فكراً ومضموناً.
6- الشاعر كما قلت سابقاً يمتلك معجماً شعراً خاصاً به، رغم أن الكلمات مطروحة أمامه أكثر مما تناول، ولكن من خلال مقارنة بين ما كُتب عام 1995، وحتى 2002،
نجد  أن الشاعر لا ينمي موهبته بدواوين الشعراء السابقين.
7- القرائن بين الألفاظ جزء من إبداع الشاعر، وهنا أسجّل له هذه النقطة، وخاصة عندما يتصل الأمر بالوجدانيات.
8- إن امتلاك الشاعر لناصية اللغة، يعكس قدرته على امتلاك ناصية البلاغة، وأقصد (علم البيان والبديع والمعاني) ولكن الديوان يفتقر إلى هذه الموسيقى الداخلية الحيّة التي تُكسب النص إبداعاً فنياً عالي القيمة)  خاصة وأن بنائية النص  الخليلية يمكن للشاعر أن يكون أكثر طلاقة من البنائيات الأخرى، وبالتالي فإن  الصور الفنية سواء الكلية أو الجزئية التي وردت في الديوان لا تعتمد على عمق  فكري يمكن أن يضفي بُعداً فنياً جديداً، ولكن لا أسجل انعدام الصورة، بقدر ما أسجّل بساطة التعبير البلاغي، وهذا نابع في تقديري من معجمه اللغوي الذي لم  ينمَ بالصورة المرجوة.
9-  تبرز في قصائد الشاعر الروح الدينية، وقد وظّف الكثير من ألفاظ القرآن  الكريم، نفسها، أو دلالاتها،التوظيف الأمثل، وهذا راجع إلى رصيده الديني، فهو  من أسرة ملتزمة، دينياً.
01- التكرار جزء من الإبداع وخاصة إذا وظّف التوظيف الأمثل كما هو عند الشاعر،
فلم يُهبِط من قيمته، بل زاده جمالاً.
11- زاوج الشاعر بين الأسلوبين الإنشائي والخبري، وإن برز بشكل واضح الأسلوب
الإنشائي المتمثل في الاستفهام أكثر من غيره، ومرّده حالة القلق التي يعيشها  الشاعر.
21-  المزج ليس جديداً في الشعر العربي، ولكن التجاريب التي يبني بها الشاعر  نصّه تستحق كل التقدير، ومن هنا جاءت قصيدة جبران.
31- الحكمة جزء من الديوان، حيث أورد الشاعر الكثير من الحكم، والتي تذكرني بحكم المعري، وقد أكسبت الديوان بُعداً فكرياً رائعاً.
41- الوطن جزء من كيان الإنسان، ولكن الديوان يخلو من الوطن، وإنْ كنت أعلم أنه
يتحرك مع وجيب القلب.
51- أعتذر للإطالة، لكن الديوان يستحق كثيراً من التحليل، ولكن اكتفيت بما أو  أن يكون قد أدى الغرض، ولك كل توفيق،
 

                 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.





 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الدكتور يحيى زكريا إسعيد حمدان الأغا

اظهر المزيد