مقالات

دراسة نقدية في ديوان معروف رقيق


 

وقفتنا اليوم مع شاعر القُطرين كما أسمى نفسه بذلك، فهو فلسطيني المولد، قطري  الانتماء، عربي المنهج، إنساني الذات.
بين مولده عام 1935 وحتى صدور هذا الديوان عام 1998 صدر له ستة دواوين  شعرية،  وبمقياس جيله من الشعراء فإنه مُقِلٌّ إلى درجة واضحة، وربما له أسبابه، لكن
الواجب يُلقي عليه تبعات كثيرة فمازالت حظيرة الشعر تحتاج إلى إبداعات حتى يتم  تغطية الفجوة التي يعيشها الشعر في هذا الزمن.
من المعروف أنه لا يمكن لأية لغة أن تُعبّر تعبيراً كاملاً عمّا يجول في متاهات  الروح أو في شعاب الفكر، فذبذبات الفكر لا يمكن أن يصل إلى كنهها الإنسان من  خلال لغة معينة، فكذلك الشاعر لا يمكنه أن يحيط بالموضوع إذا كان متعلقاً بقضية  واحدة كالتي أمامنا اليوم، فديوان ( القدس قصيدتي ) هو جزء من الإطار العام  للشعر العربي الفلسطيني، وجزء من كينونة الإنسان العربي بصفة عامة، استطاع  الشاعر أن ينقل إلينا ما يختلج بصدره، وما يعانيه تجاه هذه القضية بلسانه  وألسنة الناس عامة، ورغم هذا فمازالت القدس تحتاج إلى عمل قبل القول، ولكن  سيبقى القول هو المحرّض الأساسي من خلال اللغة وخاصة الشعر وهذا ما يحاول أن  يبرزه من خلال ما يحدث للقدس والمقدسيين وأهل فلسطين عامة.
إن الكتابة أية كتابة لن يكون لها أي معنى إلا إذا عبّرت بنجاح عن حاجة مُلحّة،  فهل ديوان الشاعر عبّر عن هذه الحاجة الملحّة؟.
نقول: نعم:، فالشاعر في ديوانه الذي يتكون من ثلاثين قصيدة تبدأ من عام 1974،  وصولاً إلى عام 1997 معظمها تتعلق بالقدس في محاولة من الشاعر لإبراز هذه  القضية حتى تبقى القدس ماثلة للعيان.
إن جملة المعطيات التي يعكسها الديوان كانت ومازالت داعية لتفجير المرارة  والحزن ليس عند الشاعر فحسب بل عند المتلقي أيضاً، فرأينا كيف ذاب الحب في  الكره، وذابت الحياة في الحياة، والأحلام في المطامع والدم في الماء، فتحوّل  الوطن والقدس ومعهما الكلمات إلى غُصّة تحرق أديم الأجساد وتدمي القلوب، ومن  الغربة القصرية إلى سيف مُسلّط على الرقاب يقطر من دماء الغربة ما يحرق  الأحشاء، وهذا ما وجدناه في قصيدة " أعود من الجسور ".
لا نبالغ كثيراً إذا قلنا بأنه شاعر لا ينازعه في ذاته إلا صدى الوطن، وحيرة  الروح، فانصهر في وطنه بذكرياته وتراثه وتاريخه وبطولاته وشهدائه وانتفاضته  وصراعه اليومي مع العدو الصهيوني، وأضاء الديوان بالمدن الفلسطينية إضاءة تبرز  ما لهذه المدن من مكانة في نفس الشاعر، لكنه أطفأ هذه الإضاءات من خلال تكرار  كلمة " نتنياهو " خمس عشرة مرّة، وأتساءل في هذا المقام: هل هناك مبرر لهذا  التكرار؟! وهل تستحق هذه الشخصية هذا التكرار ؟! لقد مضى على حكمه سنتان إلا  شهر واحد، وقد برز في هذا الديوان بصورة ملفتة للنظر، وكم كنت أتمنى أن يبقى  هذا الديوان خالياً من اسم هذا الرجل، لكن الشاعر لم يقصر الأمر على هذه  الشخصية لكنه تناول زعماء صهيون من خلال تكرار ( بيجن، ورابين، وبيريز، وشامير ) مرتان،:" وبيجن، وباروخ " مرّة واحدة، وربما البعض يقول بأن التجربة فرضت على الشاعر هذا اللون، أو بأن لكل شاعر أسلوبه الخاص في نقل التجربة، فنقول بأن  التجربة مهما كانت لا تجعل من الشاعر أداة طيّعة لها، ولهذا أقول: ما دور الفكر  هنا؟ وأين الرمز وأين الإيحاء وأين الصياغة الشعرية القادرة على تبني رؤى أخرى  قادرة على توصيل الفكرة دون ذكر هؤلاء الأشخاص. وتأكيداً لما ذهبت إليه، فقد  تناولت بالقراءة في الفترة الأخيرة قرابة ستين ديواناًل للشعراء العرب  الفلسطينيين، فلم أقرأ لاسم شخصية إسرائيلية بصورة مباشرة، فكان يتخذ من  الإيحاء منهجاً، ومن الرمزية أساساً على اعتبار أنها لغة إبداعية وليس هروباً  من رقيب.
إن التلوث الذي شاب الديوان من ذكره لهؤلاء الشخصيات" الصهيونية " لا يحط من  جلال النص، ولا من القيمة الفنية والموضوعية للديوان، فالشاعر نراه في معظم  قصائده، وخاصة الخليلي يُقدّم نموذجاً للانسجام بين السلوك وانعكاساته على  اللفظ، لتظهر من خلاله شخصيته وروحه التي وجدناها بصورة جليّة في بعدها عن  التعقيد اللفظي، فظهرت لغته المباشرة التقريرية أحياناً والإنشائية أحياناً  أخرى معتمداً على رصيده اللغوي الخاص وتراثيته التي يوظفها بدقّة توظيفاً  يتناسب مع الفكرة.
الشاعر لم يلتزم في ديوانه بشكل ثابت للقصيدة، فقد نوّع في بنائية النص، وهذا  التنوع جاء ليتوازى مع التجربة، لكن الشاعر من خلال رؤيته التجريبية للشعر الحر  الذي يطل على استحياء، وكأنه يريد أن يقول لنا بأنني قادر على مواكبة روح العصر  في بناء قصيدة من الشعر الحر، ولكن وللحق فإن قصيدة " نعش الشهيد " تمثل قيمة  فنية في الشكل والمضمون، أما القصائد التي تسير على هذا الشكل فإن قيمتها  الفنية لا تصل إلى مستوى هذه القصيدة، علماً بأن قيمتها الموضوعية جيدة، لكن  لابد من توافق الشكل والمضمون ليبرز العمل الشعري بصورة متميزة، وكأنني أحس من  خلال قصيدة " ماريزا مانو " بالسرد القصصي.
الشاعر ينتمي لفلسطين ومن خلالها إلى القدس التي أفرد لها ديواناً مستقلاً، وما  قصائده في هذا الديوان إلا انعكاساً لما يشعر به ويتفاعل معه، بغض النظر عن  وجود قصيدة قيلت قبل عقدين ونصف من الزمان، نقلها الشاعر من أحد الدواوين وكأنه  أراد أن يجمّع القصائد التي تتناول القدس ليكوّن عقداً متميزاً.
هذا العقد إذا تتبعناه من الومضة الأولى التي تتكون من أربعة أبيات تمثل رؤية  إسلامية نابعة من تأثير البيئة في تكوين شخصية الشاعر وبالتالي أثرها على اللفظ  فبرز التناغم بين العنوان والمضمون والصياغة الشعرية، ثمّ ينقلنا الشاعر إلى "  يا قدس .. يا أخت مكة " التي تمثل نقلة نوعية في بنية النص الفنية والموضوعية،  مستعيناً في إبراز رؤيته الفكرية بالإرث التراثي المتميز سواء من خلال الشخصيات  والأحداث، لكنه أعاق الحركة الفكرية في نهاية النص من خلال رئيس الوزراء  الحالي.
ثم ينقلنا إلى " قانا"حيث يتناول من خلال ربط أيديولوجي فكري يظهر الوتيرة التي  التي يسير عليها رؤساء الحكومات الإسرائيلية السابقين ففي عهد " ابن غوريون "  كانت كفر قاسم، التي راح ضحيتها قرابة 370 شهيداً فلسطينياً، ثم ينقله حسّه  القومي إلى مصر وما حدث في بحر البقر في عهد " جولدامائير "حيث استشهد عدد كبير  من طلاب مدرسة ابتدائية.وفي عهد " بيجن " يصوّر ما حدث في صبرا وشاتيلا، أما  رابين فهو ذابح الأسرى المصريين في سيناء، "وبيريز "الذي قام بغارة على الجنوب  اللبناني فقتل في قانا قرابة 500 شهيد.
هذه الأيديولوجية المنهجية الإسرائيلية نقلها إلينا الشاعر ليظهر الوجه القبيح  لهم، وقد صاحب هذا ترابط عضوي في النص رغم تباعد الأزمان.
هذا وإذا دققنا النظر في بنية النص الفنية، وجدنا بأن الأسلوب المباشر طغى  عليها، مع خلّوها من الصور البلاغية، إلا بعض الألفاظ الموحية، ونحن نعرف ما  للصور الفنية من أثر في المعنى العام، ويتكرر هذا الموقف في قصيدة " نتنياهو ".
القصيدة كما نعرف لم تعد استجابة لمناسبة، بل صارت نابعة من أعماق الشاعر، تأتي  استجابة انفعالية قد يكتنفها التفكير كما يقول أبو شادي، وشاعرنا من هذه  القاعدة العريضة استطاع أن يسوق إلينا الانفعالات التي كان لها أثرها الكبير في  بعث همومه اليومية بل اللحظية وهذا ما وجدناه في العديد من القصائد ولهذا كان  لمدرستي الديوان والمهجر رؤية نابعة من ذلك المفهوم أي أن تكون القصيدة نابعة  من أعماق النفس، معبرة عن ذات الشاعر، وهنا ينطبق  قول ألسحرتي الناقد" بقيمة  القصيدة الفنية من خلال تواؤم تجربتها الشعرية مع صياغة هذه التجربة، وهذا ما  وجدناه في البنية الموضوعية لمعظم القصائد.
إن المدقق لشعر الشاعر يشعر بأنه قد تجاوز أحياناً المناسبة إلى صميم الموضوع،  وعبّر عن انفعاله كما هو الحال في قصيدة " المبعدون ص " 66 " وقصيدة " أعود من
الجسور " ص " 77" وغيرهما من القصائد؟ لكن أتساءل : لماذا الجسور وليس الجسر؟!.
أما العاطفة، فلها أهميتها في بنية النص الفنية والموضوعية، ولا أعتقد بأن  العاطفة تأتي من طرف الشاعر، بل يجب أن تكون من طرف المتلقي، لتحدث نفس الأثر  الذي أحدثته في الشاعر، لهذا فإن قيمتها الفعلية تكمن عندما تثير فينا مشاعر  معينة، فهل استطاع الديوان أن يثير فينا هذه المشاعر؟ أو أن الشاعر وصل إلى هذا  المفهوم؟ نقول: بأن العاطفة الصادقة أو الانفعال المتميز يرفع من قيمة النص  والعكس يكون عكس ما سبق، وشاعرنا " معروف رفيق " أضفى على النص ما يضمن له قوته  ورفعته، فساق إلينا كل ما يثير مشاعرنا، ويحرّض في أنفسنا كل النوازع الكامنة،  حتى عندما يذكر أحد الشخصيات الإسرائيلية مثلاً! فكان الألم والحب والموت  والحياة والانتفاضة والطهر والشهداء والجرحى وفقئ العيون وغيرها من الصور الواقعية التي انتهجها الشاعر في تحريك عواطفنا، ولهذا وجدنا النص أو النصوص  بعامة حتى التي لا علاقة لها بالقدس تعبر عن انفعال صحيح غير زائف مع قوة  العاطفة وروعتها، وتنوع فيها، فلم يسير على وتيرة واحدة، ولهذا كان التنوع  والصدق والاعتدال والموضوعية وموأمتها للبنية الفكرية متجانسة تماماً.
أما الصورة الفنية التي تمثّل الركن المهم في بنية القصيدة، فإن شاعرنا حالفه  الحظ في كثير من المواضع ولم يحالفه في مواضع أخرى، ولهذا نقول بأن الشكل  والمضمون قد توافقا حيناً ولم يتوافقا حيناً آخر، وربما يكون للشاعر أسبابه،  لكن إذا كان الأمر يتعلق ببنية النص فلا أسباب تجعله أن يُغلّب بنية فنية على  أخرى.
لهذا يمكنني القول بأن التفكير بالألفاظ لم يأخذ حقّه الكامل من الشاعر، وهذا  راجع إلى أن تأثير التجربة على الشاعر كان قوياً فلم يأخذ المعنى حقّه الطبيعي  في ذهن الشاعر باعتباره أسبق من اللفظ، وإن كان البعض يخالف الجرجاني في ذلك.
أما الخيال فيبدو بأن الشاعر بخيل في الاستعانة بهذه القيمة الفنية للنص والتي  تبرز قدرة الشاعر على الإبداع والتمايز، وقد رأينا بأن هناك العديد من الأبيات الشعرية تخلو من هذه القيمة الفنية واكتفى بنقل مشاعره مباشرة مستعيناً بتأثير  الكلمة والفكرة دون الخيال. وهذا لا ينسحب على معظم الديوان.
إن الإيحاء يمثل بعداً فكرياً خاصاً، له تأثيره في النفس، لكن شاعرنا تناول هذا  اللون من الصياغة الشعرية على استحياء، لكن هناك من الصور الموحية التي كان لها تأثيرها الكبير، وتحسب للشاعر في تناوله لها، وهذا راجع إلى لغته الخاصة به.
أما الموسيقى الشعرية، فنجد قدرة الشاعر على بلورة هذا المفهوم تماماً في  تناوله له داخل النص، سواء كان متعلقاً بالخارجية التي برزت أيضاً من خلال  التوحد في قافية النون لخمس قصائد في الديوان، وكذلك اعتماده على البحور البسيطة ذات الإيقاع البسيط ليخلق توازناً بين فكرة الموضوع القوية وبين بحر  الشعر الذي يتناوله، وهنا يكمن فعلاً قدرة الشاعر على أن يوازن بين التجربة  وقدرته على التحكم فيها.وكذلك الموسيقى الداخلية المتعلقة بالألفاظ والعبارات والمحسنات البديعية وغيرها.
وإذا كان للتراث من قيمة فنية عالية، وتأثير في المتلقي، فقد وظّفه الشاعر  توظيفاً رائعاً" كفر قاسم، الفاروق، الإسراء بلال صلاح الدين، بدر ...."
يغلب على الديوان قصر القصائد، فهناك أربع قصائد تتكون من تسعة أبيات، لكن مضمونها ذو قيمة فنية، وهناك الومضات التي لا تتعدى أربعة أبيات.
كنت أتمنى أن يراعي الشاعر الترتيب الزمني للقصائد حتى يتعرف الباحث على التطور  في بنية الكلمة والنص، وكذلك كان يجب أن يضع التواريخ في نهاية القصائد التي  ينظمها في حينها، وهذا ما لم نجده إلا في بعض وليس القصائد.
لم يخل شعر الشاعر من بعض القصائد الاجتماعية، وهذا نابع من إحساس الشاعر بما
يدور حوله، وتأثره بكل المعطيات.
الالتزام الذي ظهر جلياً في الديوان يمثل نقلة نوعية في هذا اللون من الشعر،  خاصة وأنه يتكلم عن قضية تمس نبض كل الأمة المسلمة والتي تنتظر يوم تحرير   القدس.
أراد الشاعر أن ينقل إلينا من خلال قصيدة " شاعر الدولتين " منهجه وانتماءه لقطر التي عاش فيها صباه وشبابه ومازال، ومع هذا الانتماء كان التزامه مع القدس  هو جزء من هذا المنهج الذي اختطه لنفسه، فلم ينس القدس التي هي على بعد ساعة من  قريته " عنبتا".
وبعد: هذه قراءة متواضعة في ديوان الشاعر القطري الفلسطيني رأى ومازال في  الكلمة أمانة، وفي القصيدة رسالة، وفي عشقه للقدس وعودته إليها نهاية المطاف،  وفي انتمائه الصادق لقطر مثال يحتذى.
رحم الله الشاعر الكبير" عبد الرحيم محمود " وأطال الله في عمر عمه شاعرنا  الكبير " معروف رفيق" متمنياً له حياة أدبية زاهية، وثراءً فكرياً متميزاً  ليتناسب مع إمكانياته المتميزة، ومازلنا نرقب منه الكثير إنْ رغب ذلك.

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الدكتور يحيى زكريا إسعيد حمدان الأغا

اظهر المزيد