مقالات

دراسة نقدية في الشعر الفلسطيني المعاصر

 

البناء الفني لظاهرة الترسّل ([1]) من خلال الشعر الفلسطيني المعاصر

بقلم الدكتور / يحيى زكريا الأغا

 

توطئة:


رحلة الأديب داخل بيت الشعر العربي، تحتاج دوماً إلى رؤية عميقة، ودراسة متأنية، للوقوف على ما يلحق بنية النص الشعري من تجديد، ينعكس على لغة الشعر إيجاباً أو سلباً، ومن ضمن ما لحق هذه البنية ظاهرة تستحق الدراسة، وهي "الترسّل" وحيث أن هذه الظاهرة برزت بصورة عامة في الشعر العربي بشكل كبير، إلا أنها برزت بشكل تحوّل إلى ظاهرة في الشعر الفلسطيني، لهذا سنحاول في هذا المبحث تسليط الضوء على هذه البنية الفنية، من حيث المضمون، والشكل، حيث يتناول المبحث لغة القصيدة، والموضوعات المتنوعة التي أفرزتها هذه الظاهرة، وصولاً إلى أبرز النتائج.

وقد كان وقوفنا الأبرز في هذه الدراسة مع شعراء الجليل والناصرة، أي الشعراء الذين لم يغادروا فلسطين، وبقوا تحت الاحتلال الإسرائيلي، وعاشوا المعاناة بكل أبعادها، فكان لابد وأن تكون لغة الشعر عندهم لها معانٍ ودلالات تكون في الغالب أعمق من غيرهم.

للتعبير عما يختلج في وجدان الإنسان وفكره طرائق مختلفة، أعلاها اللغة المقروءة، ليس لأنها الأداة الأمثل للتخاطب بين البشر، بل لأنها الأقوى رصداً لحركة وتفاعل الكاتب، بها يستطيع القارئ أن يقرأ ما يريد من فنون وثقافات وعلوم، في أي وقت يريد، ولكن لا نستطيع أن نستمع لمن نريد في أي وقت نريد، لهذا ستبقى اللغة المقروءة على مرّ الزمن، من أرقى وسائل التخاطب بين البشر، وأسهلها تناولاً، سواء من خلال مقال في صحيفة، أو مجلة، أو كتاب في جريدة، أو كتابٍ مترجم، أو مكتوب بلغة مقروءة.

فالكلمات المكتوبة من أحرف بأي لغة، هي أصوات تُرسَم بأشكال مختلفة، وترمز في نفس الوقت إلى دلالة، وطريقة الكتابة أيضاً ترمز إلى صوت معيّن دالٍ على معنى، ومن هنا فإن اللغة تتكون من صوت مرسوم يؤدي إلى صوت مقروء وأحياناً مسموع، ثمّ يتحوّل إلى معنى، فيبرز التواصل بين الكاتب والمتلقي، وتخرج الأصوات من دائرة الذات والغموض إلى دائرة التلقي والحوار.

تلك الفرضية تنقلنا إلى أنّ الألفاظ التي نتعامل معها في جميع كتاباتنا وقراءاتنا، ترتبط بمعنى دالٍ على مفهوم معين، يختلف حسب لغة الكتابة، فللشعر لغته وبنائيته، وللنثر بأنواعه منهجه وأسلوبه، وللعلوم بفروعها طرائقها وتجاربها التي تعكس فكر الباحث في أي فرع.

وإذا تحاورنا في هذا المبحث مع لغة الأدب، وتحديداً الشعر، نستشعر لغة أبجدية جديدة داخل النص الشعري، من خلال تفاعل الشاعر مع الحاضر، وربطه أحياناً بالماضي، لهذا فإن لكل شاعر أسلوبه في التعامل مع التجربة، حسب رؤيته الثقافية، وقدرته على توصيل المعنى، من خلال أبيات أو أسطر شعرية، أو حتى لغة منثورة، ليبنى بها لغة فكرية جديدة، ينقل إلينا مشاعر الآخرين وأفكارهم من خلاله، بصورة يكون تأثيرها على المتلقي موازياً للحدث، يمكن أن يصل إلى درجة التفاعل، ضمن نسق معيّن، وبلغة، ودلالات وإيحاءات ورموز مناسبة، تعبّر عن مكنون العلاقة بين التجربة ومدى تفاعلها في ذاته، فتصبح عملاً فنياً شعرياً مبدعا، في إطار قواعد بنيوية وفنية وموسيقية تحددها التجربة.

وهكذا، فإن نظرة الشاعر للواقع تختلف عن نظرة الأخرين، فهو – أي الشاعر– يغوص في أعماق الفكرة، ويحللها ويتفاعل معها، حتى يصبح جزءاً منها، ثمّ يكشف عن مكوناتها بلغة حيّة مقروءة أو منطوقة، ومن ثمّ يحمّلها كل المشاعر المناسبة للموقف، سواء كانت نابعة من موقف إنساني أو وطني، أم كانت التجربة ذاتية أو عامة.

لهذا، فإن اللغة التي يستخدمها الشاعر، تحكمها إرهاصات نابعة من التجربة، لا يمكنها أن تسير على وتيرة واحدة من حيث المضمون، فتتغير وفق توظيفات ومعطيات ربما تغاير المألوف أحياناً، أو ما ألفته الأذن، ولكنها في كلا الحالتين تتوافق مع البنى الأساسية لموسيقى وإيقاع الشعر.

اللغة كما يقول جبران حيّة، وإذا جمدت ماتت، وبالتالي فإنها تستمد وجودها وتطورها من التجارب الجديدة والمتعددة في حياتنا التي نعايشها، فالتعبير عن العصرية بلغة العصر الجاهلي، لا تتناسب مع عصرية الزمان، ولهذا علينا أن نتعامل مع العصر بلغة تتناسب مع الواقع الزماني والمكاني، حتى لا تفقد قيمتها وقدرتها على التأثير، مع الأخذ بمحاور الفكرة والموضوع من جوانبه المختلفة، وهذا ربما يسوقنا من طرف خفي إلى القول: بأن لغة الماضي لا تصلح للحاضر، ولكننا لا نعني هنا الانفصال عن الماضي بكل ما يزخر من تراث فكري وحضاري، بل يمكن للشاعر أن يُلاقح بين القديم والجديد، أو أن يبني بلغة الماضي، ما يتناسب مع لغة الحاضر دون أن يُحدث هذا التاغم أي تأثير يحط من قيمة المعنى.

لهذا، فإن القصيدة المعاصرة، أخذت أشكالاً متعددة في بنيتها الفنية تبعاً للموضوع والفكرة، وكذلك أخذت أشكالاً فنية متعددة، منذ العصر الجاهلي، وصولاً للعصر الذي نتفاعل معه الآن، وفي جميع الحالات يستخدم الشاعر لغة شعرية يحاكي بها الفكر والوجدان ويبني معهما علائق تتناسب مع طبيعة التجربة، وصولاً إلى المعنى الذي يريده الشاعر، ومن هذه البنى الفنية الترسل الشعري.

وإذا كانت هذه البنى الفنية للنص الشعري، والتي تنوعت باختلاف العصور والأزمنة، فإن البنية الفنية للغة الشعرية برزت فيها ظواهر تكاد تكون جزءاً من بنائية النص الشعري في معظم التحولات البنيوية للقصيدة، وإذا أردنا اقتفاء بعض هذه البني، فإن ظاهرة " الترسل" الشعري التي برزت في الشعر العربي بصورة عامة، تُبرز ما لهذه الظاهرة الفنية من تأثير فني، وتأثير إبداعي ، وإذا كان الشعر الفلسطيني هو جزء من الشعر العربي بصورة عامة، فإننا نجد هذه الظاهرة تكاد تكون من أبرز الظواهر التي برزت في الشعر الفلسطيني، ولا يختلف اثنان على أن هذه الظاهرة نابعة أساساً من طبيعة الظروف المحيطة بالشاعر الفلسطيني، وطبيعة القضية التي من أجلها يتفاعل.

ونقصد بالترسل الشعري، القصائد التي يرسلها الشعراء إلى الآخرين، وهم كُثر، السجناء، والقادة، والرموز الوطنية المعروفة، والأصدقاء والصديقات، وإلى نفسه أحياناً، ولكل نوع من هذه الرسائل، لغتها الخاصة، وأسلوبها، وبنيتها، وموضوعها، ولكن هذا اللون من الشعر ليس جديداً في أدبنا العربي، فقد تناوله شعراء العصور السابقة، وبرز جلياً في أغراض الهجاء والرثاء والمدح، ولكنه أخذ منحى جديداً في الشعر العربي المعاصر، يتناسب مع طبيعة المرحلة.

فالرسالة كفنٍ أدبي، أخذت طريقها بين الفنون النثرية، وأصبحت لها قيمتها الفنية، وبنيتها الخاصة، حيث تبرز شخصية الكاتب وقدرته على توصيل الفكرة إلى المتلقي، أما من حيث بنيتها، فلها ثلاثة محاور، أمّا أنواعها، فهي متعددة، منها الإخوانية، والديوانية، والأدبية، ويشكل هذا البناء فضاءً واسعاً للحوار مع الذات، ومع الآخرين، ثم وجدنا بأن القصيدة استعارت منها فكرتها، وأخذت بعض تكنيكاتها الخاصة بها، وتناولها الشعراء في قصائدهم بصورة عامة، إلى أن تحوّل في الشعر العربي إلى ظاهرة، وخاصة الشعر الفلسطيني، ولهذا يمثل هذا الفن صورة جديرة بالدراسة من خلال بنية القصيدة في الشعر الفلسطيني المعاصر، ولكن الأهم في هذه الظاهرة الفنية وجود ردٍّ على النص الشعري.

ومن طبيعة الرسالة، أن تستدعي قارئاً يعرفه المرسل معرفة جيدة، ويتسم بصفات خاصة، ومن خلال هذه العلاقة، يتم شحن الرسالة بإمكانيات فكرية وفنية وجمالية، مستمدة من شخصية المرسل إليه، فتكتسب القصيدة بُعداً لغوياً وفنياً، وقد تنوّعت موضوعات الرسائل الشعرية في دواوين الشعراء الفلسطينيين المعاصرين، ولكي ندرس هذه الظاهرة دراسة تؤدي الغرض المنشود منها، يمكننا أن نقف على نماذج مختلفة، ثم ندوّن النماذج الأخرى في فهرس المراجع بعد تحديد موضوعاتها التي تناولها الشعراء.

ونقففي هذا الإطار، مع قصيدة للشاعرة " فدوى طوقان ([2])" أرسلتها إلى الأديب الفلسطيني " كمال ناصر " عندما سُجن:

شَدْوكَ يأتينا حبيب الصدى

محلّقاً رغم انغلاق الرحاب

يا طائري السجين فاصدح لنا

من خلف جدران الدجى والعذاب

غنِّ، فقضبان الحديد التي

تسدّ في وجهك رحب الفضاء

لن تحجب عن سمعنا

يا طائري،

غنِّ، فدرب الرجاء

مازال يمتد مشع الضياء

رغم انطباق الليل من حولنا

أرجعني شدوك يا طائري

إلى زمان طواه الزمان

إذ أنت طلق الخطو، طلق الجناح

أيّام كانت ظلّة الياسمين

تخصّنا، وأنت تشدو لنا

شعر المنى والزهو والعنفوان

فتقرب النجوم من أرضنا

تصغي إلى اللحن ونصغي

وكان

ملء أغانيك اخضرار المروج

ونضرة السفح، وبوح الأريج

وملئها كان هدير الرياح

وكان فيها من شموخ الجبال في وطني

وعزّة لا تنال

إلا مع النصر وفوز الكفاح

في هذه القصيدة تتحدث الشاعرة عن قضية إنسانية متجددة، تبرز على مسرح الحياة المعاصرة، فالشاعر " كمال ناصر " أودع أحد سجون الاحتلال الإسرائيلي، ورغبة من الشاعرة في التخفيف من المعاناة التي يعانيها أي سجين في سجون الاحتلال، أرسلت له القصيدة ، تدعوه إلى الصبر والأناة، وتحمّل معاناة السجن، فتذكره بالقديم من الذكريات، لتبعث في نفسه روحاً جديدة لمقاومة ما ألمّ به، فتقول : مازالت صدى كلماتُك تهزّ الأعماق، وتبعث في النفس أملاً رغم انغلاق الفضاء، فتفتح لنا في الحياة أملاً جديداً وآفاقاً أكثر إشراقاً، ثمّ تقول :"الأسوار الحديدية لا يمكنها أن تنال من العظماء، فالأفق مازال غنياً بالأماني العذاب، والشمس مازالت ترسل أشعتها، الأفق في انتظارك فلا تيأس، ولا تستسلم"

هذا من ناحية الموضوع، أما من ناحية الشكل، فإنها تجري على نظام التفعيلة، حيث تركب بحر البسيط، وتستعمل تفاعيله استعمالاً متنوعاً في كل سطر، شأنها شأن الشعراء الجدد الذين يعبرون بهذا الشكل عن تجاربهم، وليس هذا معناه أن الأشكال التعبيرية الجديدة " تتحقق وفق رغبة اعتباطية أو وفق تشكيل ميكانيكي اختياري يفرضه الشاعر بشكل قسري، بل على العكس تماماً فالشكل الجديد يتحدد أساساً وفق قوانين جدلية معينة، وانبثاقاً من المضمون والتجربة الفردية للشاعر مروراً بالعصر التاريخي العميق وبمجمل المؤثرات الحضارية والسيكولوجية والتكنيكية، إلا أن هذا الشكل لا يسلب الشاعر قدرته على التجديد والتأثير، فالتجربة عموماً وعملية الخلق الفني تمر عبر ذات الشاعر الفرد مكتسبة بذلك خصائص فردية متميزة ([3])" ومن خلال هذا المفهوم يمكن القول: بأن الشاعرة نقلت تجربتها نقلاً صادقاً، فانعكس هذا الصدق على بنية النص الفنية، فلم يكن تهويمات فكرية، ولا صناعة لفظية، وإنما إبداع لغة، برز شكلاً ومضموناً، مصدره الذات أولاً، وطبيعة التجربة ثانياً، والمخاطب ثالثاً، فاجتمعت للنص الصدق المعنوي، واللغوي.

وإذا حاورنا النص مرّة أخرى، نجد بأن الشاعرة صدّرت المعني مباشرة، ووضعتنا أمام حقائق معينة، فهي تخاطب سجيناً، والسجين شاعر، ومن خلاله تخاطب الآخرين، فعندما تحثّه على عدم الاستسلام رغم الظروف المحيطة به، تطلب منّا أيضاً عدم الاستسلام للعدو الإسرائيلي، فتنقلنا للماضي الجميل بذكرياته، علّه يكون الباعث على عدم الاستسلام، فتذكره- ونحن معه- بالقصائد التي قالها وهو خارج السجن، والتي تمثل دعوة إلى الثورة على المحتل، ودليل قاطع على القوة الكامنة داخل النفس الإنسانية إذا كان يدافع عن حق شرعي.

من هنا، فالشاعرة ذهبت تبحث في ذاكرة الزمن عمّا يقوي عزمه، فلم تجد رغم الكثير من التراثيات، أفضل من أن تستمد من ذكريات الشاعر نفسه، لتكون الباعث له على التحدي والصبر والأناة، من أجل أن تحقق هدفها، وهو عدم الاستسلام للواقع.

أما من حيث البناء، فإن الشاعرة أرادت أن تضفي على النص نوعاً من التكامل الموضوعي والفني من حيث الترابط الفكري بين عناصر الموضوع، فالنص بنية تركيبية تراكمية متصلة ببعضها، بحيث لم تتركنا نهيم في تركيبات الجمل من خلال رموز معينة، أو صور موحية غامضة، حتى عندما ربطت بين الماضي والحاضر، فقد استلت من تاريخ الشاعرالكثير من الثوابت، لتربطه بحاضره حتى لا تخرج عن إطار الفكرة العامة.

أمّا لغة القصيدة فكما نرى هي من المألوف العادي، ولكنها شحنت الألفاظ بمعانٍ جديدة من خلال إيجاد علاقات مع بعضها عن طريق الإيحاء المباشر أو الإيحاء بالرموز أحياناً أخرى، ولكنها الرموز الشفافة القريبة إلى واقع الحياة، فطبيعة التجربة لا تتطلب الإبهام والرموز البعيدة المنال في لغتها.

هذا وقد أضاءت الشاعرة في رسالتها " للأديب كمال ناصر " جانباً من جوانب الحياة الإنسانية، وكشفت اللثام عن معاملة اليهود لأبناء فلسطين.

وإذا كانت الرسالة برزت فيها الكثير من ملامح الإبداع الفني والموضوعي، فإن قيمتها الفعلية تبرز بوضوح أكثر، عندما نجد ردّاً من الشاعر على رسالتها، وهذا ما وجدناه في ديوان الشاعر بعنوان " من الأعماق ([4])" : نجتزئ منها هذه الأسطر:

لئن جاء شدوي حبيب الصدى

يوافيك رغم انغلاق الرحاب

فذاك لأني نشرت جناحي

يعانق جناحك العذاب

ويجمعني فيك سوء المصير

وما ضمنّنا في الأذى والمصاب

كما تحتويني بك الذكريات

وطيب الأماني، وبيض الرغاب

……

أتاني كتابك يا أخت روحي

فصافحت روحك بين الكتاب

وهشّت جراحي له واستفاقت

خيالات أمسي تخط الجواب

بل إنني ذاكر، ذاكر

عشايا الإخاء، ولهو الصحاب

تظللنا ظلّة الياسمين

جناحان من لذة واكتئاب

ونسمر حتى يجن الحديث

على حلم هاجع في السراب

رؤى الموت تنساب من حولنا

تصيح بنا في ربيع الشباب



أنا مثلما شئتي أن أكون

وشاءت في الحادثات الصعاب

كبير على الذلّ لا أرتضيه

ولي موطئ خالد في السحاب

أعانق فر ربوته النجوم

وأختال بين الذُرى والقباب

حمل إلينا مطلعها نفس المطلع في قصيدة الشاعرة، فيخبرها بوصول الرسالة، وما أحدثته في النفس من أثر عميق، وهاأنذا أردّ عليك يا شقيقة روحي.

ردّ الرسالة جاء كما نرى بأسلوب شفّاف لأنه يخاطب شاعرة، لكنه يحمل معانٍ قوية، ويُعبر في نفس الوقت عن مشاعر صادقة، وبأنه مازال يعيش الذكريات القديمة، خاصة عندما يجنّ الليل.

أمّا من ناحية الشكل، فقد اعتمد الشاعر على التفعيلة، كأساس في بنية القصيدة، لتتوازى مع رسالة الشاعرة، إضافة إلى أنه ركب نفس البحر الذي ركبته الشاعرة، وهذه الطريقة ليست جديدة في شعرنا العربي، ولكن هناك نقطة مهمّة في القصيدة، تكمن في الإيقاع الموحّد بين السطرين الأولين في القصيدتين، وهذه وإن كانت تُحسب للشاعر، فإنها تبرز من البداية على تفاعل بنيوي وفكري ولفظي بين الرسالة والرد عليها، حيث توافرت للنص البنية الفكرية الواجبة في مثل هذا اللون من الشعر.

وإذا كانت رسالة الشاعر أطول من رسالة الشاعرة، فهذا دليل على أن الشاعر لديه الكثير ليقوله للشاعرة، خاصة وأنه مسجون في سجون الاحتلال الإسرائيلي، فأتاح له ذلك الإطالة ليخرج نفسه من حالة المعاناة إلى الأمل من خلال الذكريات، وأوضح بأنه على العهد القديم، ولا يمكنه الاستسلام لهذا الواقع، فالسجن لن يرهبه، لأن شمس الحرية لا يمكنها أن تغيب عن الحياة.

أما من حيث البناء الفني، فقد بدا واضحاً بأن الشاعر اعتمد على الصور والدلالات الموحية، لنقل تجربته باعتبارها الأكثر تأثيراً، والأقدر على إبراز قدراته الفنية اللغوية، فجاءت القصيدة مترابطة ترابطاً عضوياً وثيقاً، حتى يمكننا القول بأن هناك رابطاً قوياً بين القصيدتين.

أمّا لغة الشاعر فجاءت مألوفة وبعيدة عن الإبهام والتعقيد، لتساهمت بشكل كبير في إبراز المضمون، والذي حمل الكثير من المعاني التي ترغب الشاعرة أن يتحلى بها.

إنّ الرسالتين تلتقيان في نقاط عديدة موضوعياً، وفنيّاً، وفكرياً، لكن الصورة الأكثر بروزاً جاء من خلال التحدي لليهود، فالسجن لا يمكنه أن يحجب الشمس، ولا يوقف سير الحياة، فالأمل أقوى من سجون الاحتلال، والحرية مطلب حتمي لابد وأن يتحقق مهما حاولت قوى الشر طمسها.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: هل استطاع هذا البناء الفني أن يخلق لغة جديدة في مضمون الشعر الفلسطيني المعاصر؟ نقول: بالإضافة إلى ما سقناه حول الشكل والموضوع، والموسيقى، فإننا نعتبره إضافة جديدة ومتجددة في الشعر الفلسطيني المعاصر، وحسبي أن يكون هذا اللون من الشعر موجوداً بكثرة في الشعر الفلسطيني أكثر من غيره في دواوين الشعراء الآخرين، نظراً لكون الشعراء الفلسطينيين لهم خصوصية مختلفة عن الشعراء الآخرين، ومصدره الاحتلال الإسرائيلي للوطن، لهذا فإن لكل ظاهرة في بنائيتهم الفنية لها ما يبررها، وخصوصيتها.

هذا النوع من الرسائل يمكن أن نسميّه بالرسائل الشعرية الإخوانية، نظراً للمضمون والأسلوب المستخدم في كلا الرسالتين، وإن كان فيهما من الخصائص الأدبية ما يكفل لهما بالقيمة الفنية، بحيث وجدتهما تسيران في خطٍ واحد، ولكنهما لا تشكلان شكلاً دائرياً، وهذا يعني بأن هذا اللون من القصائد يخضع لموضوع التناص، فيقتربان من الرسائل النثرية الإخوانية، ولا يلتقيان من حيث البناء الفني، فاكتسب هذا البناء بنية فنية خاصة به.

لكن الأهم في رسالة الشاعرة، بالإضافة إلى قيمتها الفنية، أنها وجدت عند الشاعر صدى معيناً، فجاء ردّ الشاعر على القصيدة ذات أبعاد تتوازى مع نص قصيدة فدوى، ولكنها تعلوها رؤية، لأنه لم يهمل الرسالة، بل أضافها إلى مجموعته الشعرية، واسبقها بقصيدته، ومن هنا تكتسب القصيدة بُعدها الفني والموضوعي.

وحينما تحتلب " الرسائل "ذاكرة الشعر، فإنها لا تنس نبش جراح الشاعر الفلسطيني الكامن في الذات، ومن خلاله ينطلق إلى آفاق الوطن بكل همومه وانعطافاته ومآسيه، ليجسد من خلاله حقيقة الواقع المر الذي يسيطر على الوطن.

ولكن وحدة الرؤية لدى الشعراء، أو الشاعرين، لا يمكنهما أن يخلقا أدباً موحدا، ولا أسلوباً متشابهاً، لذا نجد اختلافاً بين الأسلوبين، وهذا أحد أبرز أسباب الإبداع الفني في بنية النص، بحيث نجده أحياناً حوارياً، وبالتالي يخرج من دائرة الذاتية الفكرية، إلى إشعاعات فكرية مختلفة تحمل في مضمونها بُعداً إنسانياً رفيعاً.

وننتقل إلى لون آخر من ألوان الترسل الشعري، أحد طرفيها ، فدوى طوقان، ففي عام 1968، أي بعد حرب عام 1967بعام، التقى شعراء الأرض المحتلة مع بعضهم، بمعنى أن النكسة كما يحلو للبعض تسميتها، جمّعت شعراء المثلث والجليل، بشعراء الجزء الآخر من الوطن، حيث التقى الشعراء " سميح القاسم، ومحمود درويش، وتوفيق زيّاد" من جهة مع " فدوى طوقان " من جهة أخرى في لقاء شعري بمدينة حيفا، فترجّلت فدوى طوقان هذه القصيدة، والتي حملت عنواناً رومانسياً " لن أبكي ([5])":

وجاء الرد مباشرة من الشاعر "محمود درويش" على هذه القصيدة، لكنها حملت في مضمونها معاني الإباء والشموخ بما يتناسب مع الموقف لشاعر من أمثال "محمود درويش" وهنا تبرز مفارقة من حيث اللغة التي استخدمها كلا الطرفان، "ففدوى" حمل نصّها بعداً وجدانياً مزجته بوطنية جارفة، أما "محمود درويش"، فقد جاء نصّه، محملاً ببعدٍ وطني مشحون بألفاظ خطابية عالية القيمة تتناسب مع المرحلة والموقف الانفعالي.

ويختلف الأسلوب باختلاف الشاعر، وتختلف معه الأبنية والصورة الفنية، فهذا "أحمد دحبور" يتناول هذا البناء الفني في العديد من القصائد ([6]) نترجم ذلك في هذه القصيدة، والتي أرسلها إلى الأديب الشهيد " غسّان كنفاني " وهي بعنوان إلى " دم غسان كنفاني ([7]) " :

تلفّتَ أيها التعب الذي تصطاده الأعباء

ألا هل تكسب النهر الذي يهب النجاة بلحظتيْ إصفاء ؟

تلفّتْ

إنّ بعض الظنّ إثم

غير أنّ الإثم يفتح شهوة النار

ونحن حصيلة النار

فمرْ على الدم المحروق فينا .. أو يموت الماء

ستأتي الريح بالبيّاع والشاري

وبالمتمسكين بآية الكرسي، ماع لعابهم نفطاً على الصحراءْ

سيطلب لحمنا لوليمة الجزّار من خصلة الجنيّ

نحرقها ليسعفنا

فلا يأتي

كذلك علمتنا سورة الموت

يكون لكم من الغازين أعداء ومن أمرائكم أعداءْ

يكون لكم من الصحراء رمل يهلك الأحشاء

وحنجرة مطهمة مروضة بدينار

يكون لكم دم في الماء

وحين تكر خيول الغزو، تُغمد إبرة المذياع في الصمت

ونحرق شعرة الجنيّ ثانية .. فلا يأتي

ولن يأتي سوى الفقراء

إلى أن يقول:

ويبقى أن نهراً لم يمت فينا وجرحين

ويبقى أننا الفقراء

فهل غير الطريق المستضيئة بالدم المحروق يا عيني ؟

وهل شاهدت إلا النار تكتب أول الأنبياء ؟

لضرورة أوجبتها القصيدة ولعدم وجود الرد عليها، أوردنا جزءاً وافياً منها ، وحتى نقترب أكثر من موضوعها، فالشاعر أرسلها، وهو يعرف أن الردّ لن يأتيه، لأن الشاعر استشهد على يد الصهاينة إثر عملية اغتيال في بيروت عام 1973، لهذا كان موضوعها الأعم يتعلق بصورة المعاناة التي تلاحق الفلسطيني الفقير أينما كان، وأينما حلّ، فهو يتناول قضية إنسانية تتكرر كثيراً في الشعر الفلسطيني، لكون قضيته في الأساس إنسانية، ترتبط بوجوده وأحقيته في العيش حراً كباقي الشعوب، فهو يبذل من أجلها الدماء التي تسيل هنا وهناك، فينقل إلينا تجربته، من خلال أسلوب لا يخلو من الحوارية الذاتية، فكأنه يتخذ من هذا مبرراً لمعرفته بأن الشاعر لن يرد عليه، وهي أيضاً لا تخلو من الإبداع الفكري الذي برز من خلال معجمه الخاص، ليفتح من خلالها آفاقاً جديدة للنص الشعري.

أما من حيث الشكل، فاستند فيه الشاعر إلى التفعيلة باعتبارها البناء العصري للقصيدة في هذه الفترة، محققاً عصرية البناء، وعصرية الألفاظ التي تناولها حتى عندما استند إلى وقائع التاريخ، فإنه استلهمه بعناية ودقّة، ووظفه في مكانه المناسب.

ورغم اعتماده على الدفقات الشعرية القصيرة، فإنه لجأ أحياناً إلى الدفقات الطويلة، لتصل أحياناً إلى ست وسبع تفاعيل، وهذا يبرز إلى حد بعيد أن الشاعر تسيطر عليه رغم شدّة المصاب حالة من الاستقرار النفسي المصاحب للتجربة، وما استناد الشاعر إلى إيقاع نغمي من خلال الروي والقافية إلا دليل على حالة الهدوء المصاحبة للنص ( الأعباء، الأصفاء، الماء، الصحراء، الأعداء، الأحشاء، الفقراء .)إضافة إلى التراث أحياناً من أجل خلق تفاعل مع الماضي، مما جعله يديم النظر والتأمل، لتبعث في المشاعر والأحاسيس الكامنة روحاً جديدة تساهم في إبراز المعاناة التي جاءت من الغريب والقريب، فيرسل برمزية شفّافة نقمته على أولئك الذين ساهموا في قتل الحياة ( ستأتي الريح بالبيّاع والشاري، والذين ماع لعابهم نفطاً في الصحراء ) ليُبرز في النهاية بأن الفقراء هم وحدهم الذين يدفعون فاتورة الحساب لأجل الوطن، أما الأغنياء، فلا، وصولاً إلى أن دمه، لن يذهب هدراً ، بل هو تواصل مع الدماء التي سالت في سبيل الوطن.

خلق هذا الجو المفعم بالمعاني الإنسانية الواقعية والتراثية، لغة حوارية داخلية، سواء كان من خلال إجاباته على الاستفهامات التي طرحها في معرض الرسالة، أم من خلال إبراز دور الفقراء في الحياة، ليربط في النهاية بين الموت للفقير من جهة، وبين الحياة للغني من جهة أخرى، ولا نظن هنا بأنها معادلة غير صحيحة، فالذين يدفعون دائماً هم الفقراء، ويموتون دوماً هم الفقراء، أمّا الأغنياء فإنهم يجنون في كل الحالات.

أما البناء اللغوي لقصيدة الترسل هذه، فإنها كما رأينا، مبنية في منهجها الأعم على البعد الإنساني، لهذا تخللتها الكثير من الألفاظ التي تبرز هذا المعنى، منطلقة من استشهاد الشاعر، أو اغتياله، ليفتح من خلاله نوافذ جديدة في البنية الموضوعية للنص من خلال تراكمات داخلية، أو إرهاصات كانت تؤرّق الشاعر، فكان اغتياله اللحظة التي تشكّلت أمام الشاعر كل تلك الإرهاصات القديمة، والتداعيات التي جلبها استشهاده فبرز أمامه أرق الهجرة عن الوطن، ممتداً إلى لحظة الاغتيال، مجنباًلغة الشعر مع هذه الومضات ما لا يتناسب مع الموقف الشعوري، فوظف الألفاظ ذات الإيحاءات المتصلة بالحدث توظيفاً سليماً، ليقوي المدلول والغرض، وشحن اللفظ بدلالات تبرز عمق المأساة، مع صدق المشاعر التي لفّت الآلفاظ، ليكسب النص والتجربة بعداً إنسانياً، وحيوية متجددة، وهنا برز بشكل واضح الأسلوب النابع من معجمية شعرية راقية، واتصال دائم مع الزمن.

هذه الصور التي تناولناها، تبرز إلى حد بعيد أن هذا اللون من البناء الفني للقصيدة يحمل في طيّاته لغة جديدة، مبنية على علاقة الشاعر بالواقع، وانصهاره به، وتفاعله مع كافة القضايا في عصره.

وبعد: فإنه وخلال تتبعنا لهذا البناء الفني في الشعر العربي الفلسطيني المعاصر، وجدناه ظاهرة تستحق دراسات مستفيضة و مستقلة، نظراً لتعدد الموضوعات، والأساليب والبنى الفنية، ولكني بعد استقراء متأنٍ لهذه الظاهرة، حصرت موضوعات في المحاور التالية:

* رسائل إلى (الشهداء ([8])، والسجناء ([9]) والأصدقاء ([10])وفي رثاء القادة ([11]) والأصدقاء([12])والشعوب تحديداً([13]).

هذا، ويمكننا الخروج بعد هذه الوقفة الفنية إلى العديد من النتائج التي تمثّل في جوهرها إضافة جديدة إلى بنية الشعر العربي، ولغة محكية في بناء القصيدة الشعرية المعاصرة:

1. أضافت هذه الظاهرة جهوداً فنية إلى الشعر العربي الفلسطيني المعاصر.

2. تنوّع فن الترسل الشعري لغةً وموضوعاً حسب المرسَل إليه.

3. برزت فيها معالم الوحدة العضوية.

4. امتازت معظم الرسائل بالواقعية المستمدة من الحياة اليومية.

5. اتخذها الشعراء منطلقاً لإبراز معاناتهم تحت الاحتلال الإسرائيلي.

6. انطلق هذا النوع من الرسائل من قاعدة التعبير عن القضايا الوطنية والقومية والإنسانية.

7. ابتعاد لغة قصيدة الترسل عن الزخرف اللفظي، واعتمادها على الصور ذات الدلالات والإيحاءات القوية.

8. معظم الموضوعات التي تناولتها الرسائل تتعلق باليومي والمألوف للشعب الفلسطيني.

9. اتسمت الألفاظ بالسهولة والوضوح والبعد عن الألفاظ

10. اتسمت معظم الرسائل الشعرية سواء التي تناولناها، أم القصائد الأخرى، بصدق العاطفة.

11. تجنّب الشعراء تفتيت الصورة، وساقوها بشكل مكثّف، لتتناسب مع الموقف الشعوري.

12. تناول الشعراء من خلال القصائد صور المعاناة التي يعانيها الشعب الفلسطيني، وخاصة تلك الرسائل التي كانت تُرسل إلى الشعب، أو التي يرسلها الشعراء إلى أنفسهم.

13. أخذت الكثير من تكنيك رسالة النثر.



وبعد: فإن قصيدة الترسل بنية فنية، تُثري فنّ الشعر فكراً، وتُكسبه بُعداً إنسانياً خاصاً.

انتهى

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الدكتور يحيى زكريا إسعيد حمدان الأغا

اظهر المزيد