مقالات

رفح مدينة الصمود

 


رفح كغيرها من مدائن فلسطين تسجّل اليوم لوحة شرف نضالية فلسطينية بدماء أطفالها، وشيوخها، وشبابها ونسائها على مدار أسبوع كامل، وتعلن بكل قوّة وشموخ:
لن نخضع، لن نستسلم، لن نرفع الرايات البيض، ولن نركع إلا لله كما يقول الأخ الرئيس/ ياسر عرفات.
هذه رفح الشموخ والتضحية، ، هذه هي رفح البوابة الجنوبية التي تحطم على أسوارها العديد من الجيوش العسكرية الغاصبة، تقف اليوم في وجه أعتى قوة غاصبة بعزيمة أبنائها، وخنساوات نسائها، وتتحدى بشموخ ما أصابها من هدم وتدمير لكل البنى النحتية التي أنجزت خلال عقود من الزمان.
هذه هي رفح صانعة الرجال استطاع رجالها أن يُذيقوا الاحتلال الإسرائيلي ألماً لم يعرفه جنودها من قبل، بل وواجه أبناؤها الدبابات بعزيمة لم تفتر، وقدّموا أرواحهم رخيصة من أجل أن تبقى رفح رمزاً للتضحية.
قصص متعددة توالت أثناء الهجوم عليها، ولم أستغرب أبداً شهامة أبنائها من أجل أبنائها وترابها، فسجّلوا في لوحة الشرف الفلسطينية تاريخاً ناصعاً يمثل منهاجاً لكل المدافعين عن ديارهم وأوطانهم.
إن ما حدث في رفح الصمود من صمود لابد وأن يُسجّل بأحرف من نور في تاريخنا الفلسطيني لتقرأه الأجيال اللاحقة لتبقى صورهم شاهدة على هذا الصمود والتحدي.
رفح تلك المدينة التي تتكئ على البحر المتوسط أرسلت عبر مياهها إلى كل القاطنين على هذا البحر رسائل ممزوجة بدماء أبنائها إما النصر وإما الشهادة، فأي إقدام،  وأي تضحية، وأي وفاء للتراب الفلسطيني يمكن أن يضاهي ما قام به أبناؤها المخلصين.
رفح بكل شرائحها أعطت دروساً في التضامن الإسلامي يمثّل تتويجاً لتاريخ وحضارة تستند إلى قيم أصيلة مستمدة من الدين الإسلامي، والعلاقات الاجتماعية المتأصلة في شعب حضارته تمتد إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة.
رفح صمدت، وشيّعت أبناءها إلى مثواهم الأخير بكل  شموخ دون أن تهتز فيهم مشاعر من الخوف من محتلٍ، بل واظهروا قوة لم تدانيها قوة.
رغم ما فقده أبناء رفح من نقص في الأموال والأنفس والثمرات والعمران، إلا أن هذا لم يزدهم إلا عزيمة وقوة وإصرار، وقالوا كلمتهم على ألسنة نساء رفح: لن نخرج منها، ولن نغادرها، ولن نتركها لهم، هم يهدمون، ونحن نبني، وسنبقى هكذا حتى يُطردوا من ديارنا.
هبّ أهل رفح بعزيمة وإصرار، وهبّ جيران رفح خان يونس والمعسكرات الوسطى، وغزة، وغيرها من المدن لتمدّ يد العون لأبنائها لتحمل جزءاً من المعاناة، ليعكس روح التضامن بين أبناء الشعب الفلسطيني.
وهبّ جميع مسؤولي رفح، بدءاً من المحافظ إلى أصغر طفل في المدينة يقدّم العون إلى كل المتضررين من جرّاء الهجوم على المدينة الآمنة، وتفاعلت كل القوى السياسية والمنظمات الأهلية والحكومية الفلسطينية لتتجسد فيهم مقولة" الجسد الواحد، إذا اشتكى عضو تداعى سائر الأعضاء بالسهر والحمى، وتوّج هذا بمكرمة الرئيس ياسر عرفات الرمزية لأبنائها المتضررين.
لن تكن رفح آخر مدينة تتعرض لهذا الاعتداء الغادر، ولن تكون الأخيرة، فقبلها صمدت جنين، وكان لنا كلمة، ونابلس وطولكرم، وبيت لحم، وغيرها من مدن فلسطين، وسيشهد التاريخ أن فلسطين هي أرض الشهادات، والكرامات، والتضحيات، وستبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ما تهدّم سيبنى بعزائم أهلها، ومن خُرّب سيشيّد من جديد، وستبقى رفح شوكة في خاصرة مَن يحاول النيل منها، ولن يستطيعوا.
فتحية لأهل رفح، وشهدائها، وجرحاها، ومناضليها، وكل المنتمين إلى هذه المدينة المحافظة على هيبتها ومكانتها وستبقى هكذا مهما امتدت يد الظلم والقتل والقهر إليها.

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الدكتور يحيى زكريا إسعيد حمدان الأغا

اظهر المزيد