مقالات

ذكريات رمضان- محمد سالم

 

لشهر رمضان عند أبناء خان يونس كما أبناء فلسطين علي وجه العموم، نكهة مميزة فهو ليس كبقية الشهور، إذ يُعد موسماً لممارسة عبادات و عادات وتقاليد معينة، وكموسم ديني يحرص الكثير من أبناء فلسطين و خان يونس، علي ملازمة المساجد والمصليات، كما يُعد شهر رمضان موسم رواج لبيع وشراء كثير من السلع والخضروات وأنواع الفاكهة، وعمل ولائم من الأكلات الشعبية توهب عن أرواح الأموات في هذا الشهر الفضيل، ومنذ لحظة إعلان دخول شهر الصوم المبارك يتجمع الأطفال ذكوراً وإناث حاملين فوانيس صنعوها بأيديهم وقليل منهم يحمل فوانيس مستوردة، للاحتفال بقدوم الشهر الفضيل، كما يؤم الكبار والصغار، المساجد فوراً لصلاة فرض العشاء وصلاة سُنة التراويح، ويستمرون حتي آخر ليلة في شهر الصوم المبارك.

ومن أحلي الطرائف لدي عائلات خان يونس عامة و عائلة الأغا خاصة استقبال الفقراء والمساكين و أصحاب الحاجة و المعوزين قبل وبعد صلاة المغرب لتناول وجبة الإفطار الشهية، التي تعود كبار العائلة أن يأتوا بها للديوان الرئيسي بالقلعة، وكذلك إلي الدواوين الفرعية في مناطق السطر الشرقي و السطر الغربي وقاع القرين وبحر خان يونس والقرارة، ودير البلح، بعد أن يقمن النساء في البيوت بتحضير أطباق مُختلفة وشهية من الأكلات الفلسطينية المعروفة ( الفتة الخان يونسية بلحم الضأن أو لحم العجل أو الديوك البلدية المحشية بالأرز ، وأكلة المفتول كذلك و المقلوبة، والصيادية بالسمك المقلي والملوخية، والبامية، والبطاطس, والباذنجان، واللوبيا طازجة وجافة ، وأنواع مختلفة من الشوربات، كشوربة الخُضار بالأرز, والشعرية ولسان العصفور، كذلك يقمن بتحضير أنواع مختلفة من عصائر الفواكه الطازجة و المُصنعة، والحلويات الشعبية المعروفة كالكنافة والبقلاوة، والنمورة بأشكالها المختلفة, وأخذت في السنوات الأخيرة تكثر صناعة الحلوى الأكثر شهرة في رمضان وهي القطا يف، كما اُشتهرت أخر ليلة في رمضان المبارك بأعداد طبيخ السمقية، والكشك والرمانية وقلي الفسيخ " السمك المُملح " كوجبة لأول أيام عيد الفطر وقبل البدء بصيام ستة من شوال .

وما أذكره ويذكره معي أبناء جيلي ومن هم أكبر سناً، أن أجدادنا العظام و آبائنا و أعمامنا، كانوا يحملون علي أكفهم أطباقاً منسوجة من خوص النخيل الفاخر وبألوان زاهية، وصواني من النحاس والألمونيوم مليئة بأفخر وأشهى أنواع طعام الإفطار، كما يحملون أباريق المياه الفخار الجديدة قبل معرفتهم للثلاجات، ويتوجهون بها الي ديوان القلعة بخان يونس، وديوان آل حمدان وآل غانم، وآل رواي بالسطر الشرقي، وال فالوجي ، والأرضوني، وآل شاكر واليسفا و آل بدوي في السطر الغربي، وآل الحاج أحمد وال الحاج حسين وأل الحاج عثمان وآل الحاج طاهر في قاع القرين، وآل الحاج خالد والشوربجي في مواصي خان يونس وجورة اللوت ، وآل قاسم في القرارة وآل الحاج نعمات بواد السلقا بدير البلح ، ولنا أن نفخر وعلينا أن نستعيد هذه العادة الجميلة كطابع يُعبر عن التعاضد والتماسك والوحدة الوطنية الأسلامية في أحلي مظاهرها، حيث كان يحرص هؤلاء العظام علي صلاة الجماعة في أوقاتها ولا سيما في شهر الطاعات .

ومن أشهر عادات آل حمدان ( الحما دين علي رأي عمنا أبو عمر عودة الله يعطيه طول العمر المثمر خيرات ) في السطر الشرقي ، أنهم كانوا يودعون شهر رمضان قبل سحور الليلة الأخيرة بتجميع أبناء العائلة والفقراء والمساكين الذين كانوا يتوافدون من قبل صلاة التروايح وحتي موعد السحور، وكانوا يقدمون لهذا الجمع الطيب أكلة شعبية أُشتهر بها الحما دين وهي " أكلة أم علي " حيث كانت نساؤهم تخبز الفطاير والرقاق ويفرمونه طوليا ، ويفركون هذه الشرائح بالسمن البلدي والسكر ويسكبون فوقه الحليب الطازج، ويضعونها في صواني نحاسية ويرشون علي سطحها المكسرات المحلاة بالسكر والقرفة، ويقدمونها لأحبابهم وأصدقائهم كوجبة سحور كانت تلقي الاستحسان من الجميع فقراء ومساكين وأعيان, كما كانوا يوزعون صدقة الفطر علي الفقراء والمساكين بعد هذه المناسبة الطيبة، وتقبل الله منا ومنكم الطاعات .

ومن الجدير ذكره أن هذه العادة استمرت حتي إحتلال إسرائيل لقطاع غزة و فرض نظام منع التجوال ليلاً ،فقرر علية القوم، تقديم هذه الوجبة مع صلاة المغرب و إفطار اليوم قبل الأخير من رمضان , وصحتين وعافية . ولا تزال هذه السنة الحميدة حتي اليوم.

اللهم أجعلنا خير خلف لخير سلف, وأن يؤلف قلوبنا وأن يتقبل منا الطاعات وأن يهدينا سواء السبيل، وأن لا يقطعها من عادات .
 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. محمد سالم علي حمدان الأغا

اظهر المزيد