مقالات

صفحات مشرقة- للشيخ المرحوم المجاهد دياب شاكر أنيس الأغا

بسم الله الرحمن الرحيم

صفحات مشرقة

للشيخ المجاهد / دياب شاكر أنيس الأغا


جانب من حديث د. محمود الزهار عن المرحوم الشيخ دياب شاكر  الأغا
خلال زيارته للأسير المحرر أمجد جودت الأغا

ومضات سريعة لمقاومة الشيخ دياب الأغا للإنجليز واليهود
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على قائد الغر المحجلين ، وعلى آله وصحبه والتابعين أما بعد .....
نقف اليوم مع رجل مجاهد ،، وقائد مغمور ، ومحارب عنيد ، ومقاتل شجاع ، صنع من العجز نصراً ، وأيقظ الأمل في بحر تلاطمت أمواجه باليأس في نفوس الكثيرين ،لأنه أدرك أن الاستسلام للواقع لا يحمل خلاصاً ، وأن القيام بالواجب لا ينقص أجلاً ،، فهجر الأهل والديار ،، ومضى مهاجراً ومجاهداً في سبيل الله رغم قلة النصير ، وضعف الإمكانات ، وسوء الحال ... وسار في طريقة واثق الخطى ، متوكلاً على الله القادر...


1. الميلاد والنشأة:


ولد الشيخ دياب شاكر أنيس الأغا في مطلع القرن الماضي 1900م وكان يعيش في منطقة السطر الغربي وهى منطقة زراعية ريفية ، فعاش فيها ، وترعرع بين حقولها ، وتنسم عبير زهورها ، وأحب الأرض التي جبلت بعرقه وعرق أجداده.


2. تشكيل جمعية الكف الأسود:

شارك مع مجموعة من القيادات الوطنية والجهادية جمعية جهادية أطلقوا عليها جمعية الكف الأسود ، وذلك في مطلع الثلاثينيات ، وكان لها هدفان الأول مقاومة الاحتلال الانجليزي لفلسطين ، والثاني : منع بيع الأراضي لليهود وملاحقة كل من يتعامل مع الانجليز واليهود في تلك الفترة.


3. علاقته بالشيخ عز الدين القسام :

لم تسجل بين الشيخ دياب والشيخ عز الدين القسام علاقة واضحة ، لكن الشيخ دياب كان يترك القطاع ويذهب إلى مدن فلسطين المحتلة في مطلع الثلاثينيات لفترات ليس بالقصيرة وامتد بعضها ليصل إلى ستة أشهر ، ويعود وقد جلب معه الأسلحة والمتفجرات ، بالإضافة إلى الخبرة في تركيب الألغام ، وطرائق القتال المختلفة ،، وكذلك علوم القرآن الكريم وأحكام التجويد ، وبالنظر إلي الظواهر الجهادية في تلك الفترة ، وكذلك إلى قادة المقاومة ضد الاحتلال الانجليزي لا نجد غير الشيخ المجاهد عز الدين القسام الذي يمكن أن يكون الشيخ دياب قد رجع إليه وتعلم على يديه وجلب التمويل من طرفه ،، والله أعلم.


4. علاقته بالقائد عبد القادر الحسيني :


كانت تربطه علاقة مباشرة مع الشهيد القائد عبد القادر الحسيني ، وهذا كان بتصريح منه ، وكان يمثل له أحد أبرز مصادر التمويل والتسليح والتوجيه.


5. المجموعات العسكرية التي شكلها :

قام الشيخ دياب بتشكيل عدة مجموعات عسكرية على طول القطاع لمقاومة الانجليز كان غالبها في مدينة خان يونس وكذلك مدينة غزة ، وبعد السؤال والتحري عرف منهم :

أ‌- المجاهد : أحمد الأمير الأسطل.
ب‌- المجاهد : عرار النجار.
ت‌- المجاهد : صالح عبد العزيز الأسطل.
ث‌- المجاهد : مصطفي طراش الأسطل.
وهؤلاء جميعاً كانوا من مدينة خان يونس ، وأما من مدينة غزة فكانت معظم المجموعات من عائلتي شحادة ، وشملخ ،، وقد عرف من قادة هذه المجموعات :
أ‌- المجاهد : حمدان ملكة شملخ.
ب‌- المجاهد : أبو عطا شحادة.

وبالتأكيد هناك من المجاهدين الآخرين إن في غزة أو خان يونس أو أي منطقة أخرى من القطاع ، ولكن هذا ما يذكره الحاج سعيد الولد البكر للشيخ دياب رحمه الله...
ملاحظة : وقد أفاد القائد المجاهد د. محمود الزهار أن والده الحاج المجاهد خالد الزهار كان على تواصل دائم مع الشيخ دياب في التخطيط لأعمال المقاومة وتنفيذ العمليات ضد الانجليز.


6. الأسلحة والألغام وآليات التصنيع:

لقد كان لدى الشيخ دياب مصادر داخل فلسطين تزوده بالأسلحة والمواد القتالية ، وقد عرف منهم بالتصريح الحاج عبد القادر الحسيني عليه رحمة الله ، وعلى الترجيح الشيخ عز الدين القسام لأنه قد تزامن جهاد الشيخ دياب مع جهاد الشيخ عز الدين القسام .
وأما بالنسبة إلي التصنيع فقد كان بدائياً لكن أثره كبيراً وذلك لمضاعفة كمية المواد داخل اللغم الواحد.
وقد كان لهذه الألغام أكثر من شكل منها "البراميل" ومنها "المواسير" وكانوا يجلبون مادة تسمي ( جنجليت) وهى مادة قوية جداً ويضعونها ضمن تركيب هذه الألغام .
وقد كانت عملية التصنيع والخراطة وتهيئة العبوات للتعبئة تتم في مخرطة تعود لرجل مجاهد من مدينة غزة يعرف بعبد الريس، عليه رحمة الله.


7. العمليات ضد الانجليز:

لقد كانت رحلة جهاد ومقاومة مستمرة فما تنتهي المجموعة الأولي من عمليتها حتى تشرع مجموعة أخرى في تنفيذ عملية أخرى ضد الانجليز ، ومما يذكره الحاج سعيد من عمليات :

أ‌- عمليات وادي اليماني :

ويقع هذا الوادي عند مدخل مدينة خان يونس من الجهة الشمالية ، إذ كانت حركة كبيرة للقوات الانجليزية بين غزة وخان يونس فكان هذا الوادي بالنسبة لهم مصيدة الموت وكان وادي كثيف الأشجار ولا بد لكل القادمين لمدينة خان يونس من عبوره ،، وفي معظم العمليات كان جيب الانجليز يتحول إلي قطع ، وكان بعض المواطنين يجمعون أجزاء الجنود من الأراضي المجاورة للوادي ، ومما يذكره الحاج سعيد أنهم قد جلبوا قدم جندي مع حذائه من أرض الحاج أحمد الأمير الأسطل والتي تبعد أكثر من مائه متر عن الوادي.وبعد أن ذاق الانجليز الويلات في بطن هذا الوادي تحولت مراسلتهم بين غزة وخان يونس عبر " الدراجات النارية" كي يصعب على المقاومة استهدافهم بالألغام فما كان من المقاومة إلا أن قامت بوضع سلك حديدي على عرض الطريق فإذا جاء البريد عبر الدراجة النارية بسرعة كبيرة تقوم المقاومة بشد السلك في اللحظات الأخيرة فلا يستطيع سائق الدراجة التوقف فيفصل السلك الحديدي رأسه عن جسده.

ب‌- عمليات السكة الحديد:

كانت القوات الانجليزية تستخدم خط السكة الحديد لنقل جنودها ومعداتها وكافة احتياجاتها مما جعل هذا الخط هدفاً هاماً للمقاومة الفلسطينية ، فكانوا يقومون بنصب الألغام الكبيرة ( براميل) أسفل خط السكة فإذا وصل القطار لمنطقة اللغم انفجر فيؤدي إلي انقلاب القطار غالباً وتعطيله ، وكذلك تعطيل خط السكة نفسه فيحتاج فترة زمنية من أجل إصلاحه.
وقد تأذى الانجليز من هذه العمليات كثيراً ، وأدركوا أن من يقف خلفها هو دياب الأغا فقاموا باعتقال شقيقين له وهما زيدان شاكر الأغا ، وأبو زيد شاكر الأغا ، وجعلوهما في عربه أمام شاحنة ويوصل العربة بالشاحنة جسر لا يقل طوله عن عشر أمتار ويقومون بعمل مسح لخط السكة قبل وصول القطار ، فإذا وضع الشيخ دياب لغماً للقطار انفجر في شقيقيه وبذلك ينتهي عن فعلته ، ولم يقف الأمر عند شقيقي الشيخ دياب بل تعداه الأمر بعد ذلك إلي استخدام الكثير من المواطنين الفلسطينيين في مسح خط السكة بهذه الطريقة إلا أن المقاومة قد تغلبت على هذه الخطة الملعونة ،، فأصبحت المقاومة تحفر مكان اللغم وتجهزه في المكان المخصص ، فإذا مرت عربة المسح التي عليها المواطنين الفلسطينيين قبل القطار سارع رجال المقاومة بوضع اللغم فتسلم منه العربة وينفجر بالقطار ، إلاّ أنه في أحد الأيام قد مرت العربة فسارع رجال المقاومة بوضع اللغم للقطار ، فتأخر القطار ، وإذ بالعربة التي عليها المواطنين الفلسطينيين تعود من جديد على السكة فما هي إلا لحظات حتى انفجر اللغم في هذه العربة واستشهد يومها شاب من عائلة عبد الغفور ، وآخر من عائلة الإمام وكلاهما من خان يونس
.
ت‌- عمليات وادي غزة:

كانت المقاومة الفلسطينية تستغل منطقة وادي غزة لما يمثله من واقع جغرافي يساعد على التحرك والاختباء ، فقد كان عدد من العمليات تنفذ في منطقة وادي غزة أثناء حركة القوات الانجليزية بين شمال القطاع وجنوبه.


8.مقاومة الشيخ ضد اليهود:

فكما قاوم الانجليز فقد قاوم الوجود اليهودي المتنامي في فترة الثلاثينيات و الأربعينيات وأخذت طابع المواجهة المباشرة ، ومن هذه المقاومة :

أ‌- استهداف خط الإمداد لمستوطنتي الزابورة والدّنقور:
وتقع هاتان المستوطنتان شرق مدينة رفح في أراضي فلسطين المحتلة اليوم ، وكان خط الإمداد لهاتين المستوطنتين فقط عبر القطاع ولم يكن لها أي إمداد عبر النقب ،،، فمثل ذلك نقطة ضعف لليهود ونقطة قوة
وفرصة ذهبية للمقاومة فكانت مجموعات المقاومة الفلسطينية تنصب الكمائن لقوافل الإمداد الصهيونية والمحمية بالجيش الانجليزي في منطقة " الضهرة" المعروفة باسم ضهرة الحاج محمد حيث تم استهداف هذه القوافل بالألغام الكبيرة " البراميل" مما ألحق الضرر الكبير بهذه القوات .
عملية الجسر ... في نفس المكان " الضهرة " ابتكر المقاومون آليه جديدة لمواجهة الاحتلال ، فقاموا بنصب جسر على عرض الطريق وعند قدوم جيب الاستطلاع الأول وفي ظلمة الليل لم يلاحظ سائق الجيب الجسر المنصوب
لطبيعة المنطقة الالتفافية ، وظلمة الليل الحالكة ، والسرعة العالية للجيب ، وما هي إلا لحظات حتى تحول الجيب بمن فيه إلي كومه من الحديد وبقايا الأشلاء.

ب‌- استهداف خط السكة الحديد:
وفي إطار المواجهة الشاملة مع اليهود الذين استخدموا خط السكة الحديد لنقل إمداداتهم العسكرية فقد قررت المقاومة الفلسطينية إحراق وتدمير هذا الخط ، فانطلق المواطنون بقيادة المقاومة يشعلون النار في خشب السكة ويؤدي اشتعال النار في الخشب إلي التواء الجسور فلا تصلح لسير القطار.


9. المطاردة للاحتلال البريطاني:


اكتشف الانجليز أمر الشيخ دياب وطبيعة المقاومة التي يقودها في عام 1936م ومن يومها ظل مطارداً للانجليز حتى عام 1948م أي بعد الاحتلال الصهيوني لفلسطين ،، وخلال هذه الفترة لم تدخر قوات الاحتلال البريطاني جهداً إلا وبذلته من أجل القبض عليه ، فقامت باعتقال أشقائه وكان منهم أبو زيد شاكر الأغا ، وكذلك الشهيد/ زيدان شاكر الأغا ، وقد تعرضوا لتعذيب شديد جداً بالإضافة إلي المداهمات لبيته وللحارة التي يقطن بها ، ومن العائلات التي كان يختفي عندها في رحلة مطاردته ( عائلة أبو ستة من خان يونس ، وفرعي عائلة الأغا في القرارة وقاع القرين بخان يونس ، وعائلة شملخ في غزة بالإضافة إلى كثير من العائلات الفلسطينية المجاهدة.


10. الإصابات التي تعرض لها :


تعرض الشيخ دياب رحمه الله لعدة إصابات أدت إلي بتر معظم أصابعه وبعض الجروح في جسمه.
أ‌- الإصابة الأولي : وقد كانت هذه الإصابة وهو يقوم بتفكيك لغم في مدخل مدينة غزة ، إذ إنه بعد أن استطاع انتزاع الصاعق من اللغم ، وإذ بالصاعق ينفجر في يده فأدى ذلك إلي بتر جميع اصابع يده اليمنى إلا الخنصر ،، وأدخل على أثر ذلك مستشفي المعمداني " بغزة".
النجاة من قبضة الانجليز:
خلال إصابته السابقة وهو في المستشفي وصلت إشارة لقوات الاحتلال البريطانية بأن الشيخ دياب المطلوب يعالج في المعمداني ،، فكان رجل حر يعمل مع الانجليز لصالح المقاومة ، فبمجرد وصول الإشارة أرسل رسولاً
من طرفه للمقاومة بغزة بضرورة إخراج الشيخ دياب من المستشفي بأقصي سرعة ، وبالفعل تحركت مجموعة من آل شملخ وأخذت الشيخ في منتصف الليل وحملوه على قارب صيد وتوجهوا به عبر البحر إلى خان يونس ليصل عند الساعة الرابعة فجراً ، وبذلك ينجو من قبضة الظالمين.
ب‌- الإصابة الثانية:وقد كانت أثناء تركيبه للغم فأدى إلي بتر أصابع اليد الأخرى ليفقد بذلك جميع أصابعه في اليمين والشمال عدا الخنصر من يده اليمني.
ت‌- الإصابة الثالثة : وقد أصيب الإصابة الثالثة وهو يقوم على تنظيف سلاحه وإصلاحه فخرجت طلقة من مسدسه لتخترق قدمه فما كان منه إلا أن نادى على زوجته وأخذ طرحة رأسها وعصب بها الجرح ولم يذهب إلى المستشفى لخطورتها الأمنية وسيطرة الانجليز عليها.

*وبالمناسبة لم يكن في خان يونس في تلك الفترة سوى عيادة تتبع الحكومة الانجليزية وكانت موجودة بمنطقة البلد في بيت المواطن خالد نعمات الأغا ، ثم بعد ذلك تم افتتاح مستشفى الزهور فى مقر البلدية القديمة قبل أن تكون فيها البلدية.


11. الشيخ في بيته ومع أهله:


لقد تركت رحلته الجهادية أثراً على بيته الصغير ، وأسرته البسيطة ، فمع رحلة المطاردة الطويلة التي تعرض لها زادت معاناة أطفاله الصغار ، حيث لم يكن لهم مصدر ينفقون منه سوى بعض الأعمال الزراعية التي كانت تقوم بها الأم لتربي صغارها ، ولم يكن في ذلك الوقت جمعيات تقوم على رعاية أسر الشهداء والجرحى والمطاردين كما هو اليوم ،، بالإضافة إلى حالة بؤس الفلاح وصعوبة حياته.


12. الشيخ دياب في ذمة الله :


بعد رحيل الانجليز ووقوع قطاع غزة تحت الإدارة المصرية ،، تفرغ لإمامة الناس ، وقراءة الكتب ، وبعض الدروس الوعظية ، وعاد يمارس حياته كفلاح فلسطيني مع حسرة تأكل قلبه على ما نزل بأرضه فلسطين من اغتصاب واحتلال ، وتخلي العالم عن قضيتنا العادلة ، وخذلان العرب لمن حمل السلاح ، وتركوهم وحدهم ليواجهوا مصيرهم مع هذا المحتل المجرم ،،، وأسلم الروح وأفضى إلى ربه في ديسمبر 1989م .
 


*رحم الله الشيخ دياب ومعه كل قادة الجهاد والمقاومة السابقين اللاحقين وتقبلهم جميعاً في عليين ،، اللهم آمين.

والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته

هذه محتوى مقابلة مع الحاج سعيد دياب الأغا الابن البكر للشيخ دياب شاكر الأغا
مايو/ 2010م

إعداد الأستاذ عبد الهادي سعيد دياب الأغا

 

اضغط هنا للتعرف على المرحوم الحاج دياب شاكر الأغا

اظهر المزيد