مقالات

رحمانيّات ربانية للآمة المحمدية (19)الإحسان والمحسنون- بقلم : المنتصر بالله حلمي الآغا

 

بسم الله الرحمن الرحيم
( رحمانيّات ربانية للآمة المحمدية )
(19)
الإحسان والمحسنون

الحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات ، نستغفره ونتوب إليه من ذنوبنا وسيّئات أعمالنا ، ونلجأ إليه بضعفنا ونسأله بقدرته أن نكون ممن اصطفاهم برضاه وتوفيقه فيجعلنا من المحسنين ، والصلاة والسلام على سيّد الكائنات شفيعنا سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله وصحبه أجمعين .
ما زلنا في دائرة أحوال المؤمنين وحُسْنِ الخٌلُقِ ومكارم الأخلاق التي يتصف بها المؤمنون ، وإطلالتنا هنا على الإحسان والمحسنون . والإحسان في اللغة كما وجدته في القاموس الوسيط والقاموس المحيط هو : [ بذل وفعل كلُّ ما هو حَسَنٌ وجميل ، بحيث يكون متقناً وجميلاً بأفضل ما يمكن من الإتقان والاستحسان والمَلاحَة ولا يشوبه سوء أو غش من قول أو عمل ] . والإحسان : ضد الإساءة ، فنقول هو : مُحْسِنٌ ومِحْسَانٌ ، والحَسَنَةُ : ضد السيّئةُ من قول أو فِعْلٍ ، والجمع : حَسَنَاتٌ . وقولنا : هو يُحْسِنُ الشيء إحسانَاً أي يَعْلَمُهُ ، واسْتَحْسَنَهُ : عدّهُ حَسَنَاً وجَعَلَهُ حَسَنَاً وجميلاً . وأحْسَنَ : تعني فَعَلَ ما هُوَ حَسَنٌ وأتقَنَ ، وفي التنزيل الحكيم:‘‘ إن أحْسَنتُم أحْسَنْتُم لأَنفُسِكُم ’’ ، وحَاسَـنَهُ : عامَلَهُ بالحُسنى ، وحَسَّنَ الشيء : أي جَعَلَه حَسَناً وزيّنهُ فهو حَسَنٌ ، وهي حسناءٌ : والجمع حِسَان أي جميلةٌ وجميلات ، وتَحَسَّـنَ : تَجَمَّلَ وَتَزيّن ، والحُسْـن : الَجمَالُ والمَلاحَةُ ، والأحْسَنُ : تعني الأفضلُ ، والحُسْنَى : مؤنث الأحْسَنُ ، وفي التنزيل الحكيم في (سورة الزمر):‘‘الّذِين يَسْتَمِعُونَ القَولَ فَيَتبّعونَ أحْسَنَهُ’’ والمَحَاسِن:ضد المساوئ ، والحُسْـنَيَانِ : تعني الظَفرُ بالنصر والشهادة في سبيل الله تعالى ، وفي التنزيل العزيز:‘‘ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُون بنا إلاَّ أحْدَى الحُسْنَيَينِ ’’ أي الفوز بالنصر أو الشهادة .
 والإحسان في علوم الدين والفقه والعبادات : هو عطاء وعبادة المؤمن بأفضل وأقصى وأعلى درجات العبادة ِبنِيّة خالصة لله تعالى بما عنده من جهد وإخلاص ، فجعله جميلاً متقناً حَسَناً بعيداً عن الشبهات والرياء والكذب والغش والتدليس والنفاق والشحِّ والظلم وعدم الأمانة والخيانة ، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم عرّف لنا الإحسان بأن:( أن نعبد الله تعالى كأننا نراه ) ، فالمحسن يعبد الله تعالى كأنّه يراه ينظر إليه وتكون عبادته منقطة وخالصةً لله تعالى وحده لا شريك له وملتزماً بأوامره ونواهيه ، وغاية أمر المحسنون رضا الله تعالى عنهم . والمحسـنون : هُم الطائعون لله تعالى ولأوامره ونواهيه ويعبدونه وكأنهم يرونه ، ولا تقتصر عباداتهم على الصلاة والصوم والزكاة وحجّ البيت من استطاع إليه سبيلا ، ولكنهم يدركون أن التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل وهنَّ الباقيات الصالحات من العبادة أيضاً ، ومساعدة الجار والصديق وابن السبيل وإغاثة الملهوف وكل محتاج من العبادة ، والدعاء والكلمة الطيّبة والصبر وانتظار الفرج وكل صفة إيمانية يتصف بها المرء المؤمن عبادة ، وتلك صفات من حُسن الخُلُق بين العبد وربّه الله تعالى ومع النفس ومع الناس أجمعين ، من أجل هذا يحاول ويحرص المؤمن أن يكون دائماً من المحسنين .
فأعمال المؤمنون الصالحة متوّجةٌ بالصلاح والتقوى ، والتقوى متوّج بالإحسان ، وهو من أعظم درجات العبادة . والله تعالى يؤمرنا بالإحسان فقال جلًَ شأنه في سورة النحل:‘‘ إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإيتَاءِ ذِي القُربَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (215)’’ . والله تعالى يحب المحسنين ويكرّمهم ويحبهم وقريب برحمته منهم ، فمن كظم غيظه وعفا عمّن أساء إليه فهو من المحسنين ، وإجلالاً وتعظيماً لهم وضع الله جلَّ شأنه نفسه معهم ، فقال سبحانه وتعالى في سورة العنكبوت آية (69):‘‘ وإنَّ الله لَمَعَ المُحسِنينَ ’’ ، وقال جلَّ شأنه في سورة آل عمران آية(134):‘‘ وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ والعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ’’ ، وقال جلَّ شأنه في سورة الأعراف آية(56):‘‘ إنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيِبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ’’ ، فالإحسان يرفع العبد المؤمن إلى أعلى الدرجات لأنهم اهتدوا بهدى الله سبحانه وتعالى الذي قال في سورة لقمان:‘‘ تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ الحَكِيمِ(2) هُدَىً وَرَحْمَةً لِلمُحسِنِينَ (3)’’. حُكِي عن جعفر الصادق رضي الله عنه أن غلامـاً وقف يصب الماء على يديه فوقع الإبريق من يد الغلام في الطست فطاش الماء في وجهه فنظر جعفر رضي الله عنه إليه نظرة غضبٍ ، فقال:( يا مولاي والكاظمين الغيظ ، قال: قد كظمت غيظي ، قال: والعافين عن الناس ، قال: قد عفوت عنك ، قال: والله يُحب المُحسنين ، قال: اذهب فأنت حرٌ لوجه الله تعالى ) . ‘‘ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ (127) ربَنَّا واجعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَتِنَا أُمّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إنَّكَ أنْتَ التَّوابُ الرَّحِيمُ(128)’’ (سورة البقرة).
نسأل الله تعالى المغفرة والتوبة وأن نكون من المحسنين وأن يجعلنا بكرمه وإحسانه منهم وممن رَحِمَهُم فألبسهم ثوب حًسن الخُلُقِ والإحسان ، ومن أصلح معاملته مع الله أصلح الله معاملته معه ، فاللهم أصلح المعاملة بيننا وبينك وبين الناس أجمعين . نسأل الله تعالى الرحمة والمغفرة لأموات وشهداء المسلمين في كل مكان ، واحفظ أهلنا والمسلمين والمؤمنين من كل ظلمٍ وسوء وعدوان الغادرين ، اللهمَّ آمين ، وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين .

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. المنتصر بالله حلمي أحمد الأغا

اظهر المزيد