مقالات

الرضا بقضاء الله والصبر عند المصيبة- الشيخ ياسين طاهر

بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله الحي الذي لا يموت ، وأشهد أن لا اله إلا الله له الملك والجبروت ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله لو كان أحد خالدا لما ذاق مرارة الموت ، ولكنه القضاء والقدر ، والحق من المتفرد بالأمر والملكوت ، فصلوات ربي وسلامه عليه ، وعلى آله وصحابته وسلم تسليما.

   تعيش عائلة الأغا الكريمة أياما جليلة عظيمة ، تتحلى فيها رحمة الله وفضله باصطفاء كوكبة من شيوخها وشبابها وفتيانها شهداء إن شاء الله ، ونحن أبناء العائلة في خارج فلسطين نتابع ما يجري لأهلنا وأبنائنا من حوادث مؤلمة نتج عنها وفاة بعض أبناء العائلة ، نحسبهم من الشهداء ، ونتقدم بالدعاء  إلى أهلهم وذويهم بأن يأجرهم الله في مصيبتهم ، ويبدلهم خيرا منها ، وأن يلهمهم الصبر الجميل ، وأن يعوض عليهم خيرا

  وقد رأيت من واجبي أن أتقدم إلى أهلي وأحبتي ممن ابتلاهم الله بفقد أحباب لنا ولهم وأعزاء علينا وعليهم ، بهذه الكلمات البسيطة لنذكر بعضنا برحمة الله علينا ، وما يتبع ذلك من رضا بقضاء الله ، والصبر عند المصيبة ، والتذكير بنعم الله التي لا تنتهي ، حيث أنه سبحانه أعطى كثيرا  وأخذ قليلا ، وكل شيء عنده بمقدار .

   كل منا على يقين أنه سيلاقي ربه يوما ، ومواجها أمرا خطيرا وخطبا فظيعا سماه خالقه (مصيبة) ، ويالها من مصيبة تهدم اللذات وتفرق الجماعات ، فكل يوم يمضي يدنينا منها يوما , وكل ساعة تنقضي تقربنا منها ساعة , حتى نواجه الأمر كأن لم نعش يوما , وكأن لم نصح يوما , ولم نسعد يوما , ولم نضحك يوما (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19)

عليك بتقوى الله إن كنت غافلا    يأتيك بالأرزاق من حيث لا تدري

         تزول عن الدنيا فإنك لا تدري       إذا جن عليك الليل هل تعيش إلى الفجر

فكم من صحيح مات من غير علة      وكم من سقيم عاش حينا من الدهر

   وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا       وأكفانه في الغيب تنسج، وهو لا يدري

فمن عاش ألفا وألفين      فلا بد من يوم يسير إلى القبر

قال الله تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ ، فَيَفْزَعُ إِلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ : {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} اللَّهُمَّ عِنْدَكَ احْتَسَبْتُ مُصِيبَتِي ، فَأْجُرْنِي فِيهَا ، وَعُضْنِي مِنْهَا ، إِلاَّ آجَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا ، وَعَاضَهُ خَيْرًا مِنْهَا.

 وعن أم سلمة رضي الله تعالى عن أن رسول الله قال " من أصيب بمصيبة فقال كما أمر الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأعقبني خيرا منها إلا فعل الله به ذلك "

   عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « وُلِدَ لِىَ اللَّيْلَةَ غُلاَمٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِى إِبْرَاهِيمَ ». فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ أَنَسٌ لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ « تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا إِنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ».

   وقال ابن المبارك إن المصيبة واحدة فإذا جزع صاحبها فهما اثنتان لأن لإحداهما المصيبة بعينها والثانية ذهاب أجره وهو أعظم من المصيبة

   عن عطاء بن أبي رباح قال قال رسول الله " من أصابته مصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها من أعظم المصائب )

   ولما مات ذر الهمداني جاء أبوه فوجده ميتا ، وكان موته فجأة وعياله يبكون عليه ، فقال : ما لكم والله ما ظلمناه ، ولا قهرناه ، ولا ذهب لنا بحق ، ولا أصابنا فيه ما أخطأ من كان قبلنا في مثله .ولما وضعه في حفرته قال : رحمك الله يا بني ، وجعل أجري فيك لك ، والله ما بكيت عليك  وإنما بكيت لك ، فوالله لقد كنت بي بارا ، ولي نافعا ، وكنت لك محبا ، وما بي إليك من وحشة ، وما بي إلى أحد غير الله من فاقة ، وما ذهبت لنا بعزة ، وما أبقيت لنا من ذل ، ولقد شغلنا الحزن لك عن الحزن عليك ، يا ذر لولا هول المطلع لتمنيت ما صرت إليه ، فليت شعري ماذا قلت وقيل لك . ثم رفع رأسه إلى السماء وقال : اللهم إنك وعدت الصابرين على المصيبة ثوابك ورحمتك ، اللهم وقد وهبت ما جعلت لي من الأجر إلى ذر صلة مني ، فلا تحرمني ولا تعرفه قبيحا ، وتجاوز عنه فإنك رحيم بي وبه ، اللهم قد وهبت لك إساءته لي فهب لي إساءته إليك ، فإنك أجود مني وأكرم ، اللهم إنك قد جعلت لك عليه حقا ، وجعلت لي عليه حقا قرنته بحقك فقلت : أشكر لي ولوالديك إلي المصير ، اللهم إني قد غفرت له ما قصر فيه من حقي ، فاغفر له ما قصر فيه من حقك فإنك أولى بالجود والكرم ، فلما أراد الانصراف قال : يا ذر قد انصرفنا وتركناك ، ولو أقمنا عندك ما نفعناك

    وفي الحديث « إِذَا قَبَضَ اللَّهُ ابْنَ الْعَبْدِ قَالَ لِمَلاَئِكَتِهِ : مَا قَالَ عَبْدِى قَالُوا : حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ. قَالَ : ابْنُوا لَهُ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ ».   

وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه دفن ابنا له وضحك عند قبره فقيل له أتضحك عند القبر قال أردت أن أرغم أنف الشيطان

   وورد أن النبي صلى الله عليه وسلم فقد بعض أصحابه ، فسأل عنه ، فقالوا : يا رسول الله بنيه الذي رأيته هلك ، فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عن بنيه فقال : يا رسول الله هلك ، فعزاه فيه ، ثم قال : يا فلان ، أيما كان أحب إليك ، أن تتمتع به عمرك أو لا تأتي غدا بابا من أبواب الجنة إلا وجدته وقد سبقك إليه فيفتحه لك ؟ فقال : يا رسول الله سبقه إلى باب الجنة أحب إلي من التمتع به في دار الدنيا ، قال : ذلك لك

   فينبغي للعبد أن يتفكر في ثواب المصيبة فتسهل عليه فإذا أحسن الصبر استقبله يوم القيامة ثوابها حتى يود لو أن أولاده وأهله وأقاربه ماتوا قبله لينال ثواب المصيبة

   وقد وعد الله تعالى في المصيبة ثوابا عظيما إذا صبر صاحبها واحتسب وقال تعالى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)

وقال تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الآية

ونحن نرجو الله الكريم أن يتقبلهم جميعا في الشهداء ، حيث ورد في حديث للرسول الكريم ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ ». قَالُوا الْقَتْلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ وَالَّذِى يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ ».

  وقد قاس العلماء حوادث الدهس بالسيارات ، أو تصادم بين السيارات ينتج عنه الموت بأنه شهادة إن شاء الله ، وقاسوا ذلك على الهدم كالذي يسقط من فوق البيت أو يقع عليه الجدار أو البيت فهو شهيد إن شاء الله

  وقد اعتبر بعض العلماء أن كل من مات ميتة غير طبيعية بأي نوع من أنواع المرض المختلفة أو الدهس أو تحت التعذيب ، فهو شهيد إن شاء الله .

   وهؤلاء الأخوة الذين دهستهم أو صدمتهم السيارات شهداء إن شاء الله ، ونبشر ذويهم بذلك ، فعليهم أن يثقوا برحمة الله وفضله .

  ولعل الشاب سلامة رياض الأغا الذي توفاه الله في جمهورية ليبيا ، يكتب الله له أجر الشهداء قياسا على ذلك ، فالمبطون شهيد ، وهو قد توفاه الله بمرض في البطن أو الصدر ، فنحسبه شهيدا إن شاء الله .

اللهم رضنا بقضائك وصبرنا على بلائك واغفر لنا ولوالدينا ولكل المسلمين يا رب العالمين

  ونتوجه بالعزاء إلى سيادة الدكتور أمين سليم وأخوه وأخواته وأبنائهم في وفاة الأخ الكريم الشيخ الصالح جاسر سليم رحمه الله وأسكنه فسيح جناته ، وقد كنت أنوي أن أكتب رثاء في حقه ، ولكن فضلت أن أترك ذلك إلى من هم أعلم به مني ، ومن عايشوه فترات أطول في الكويت أو فلسطين ، فأرجوا الله الكريم أن يتقبله في الصالحين ،ويرفع درجاته في عليين ، فقد وعد الله سبحانه من فقد واحدا من أولاده أو أكثر فصبر واحتسب أن يعوضه الله الجنة ، فكيف بمن حرمه الله الذرية ، فصبر وشكر واحتسب ورضي بقضاء الله وعطائه ، ثم زاده الله من فضله بأن ابتلاه بمرض عضال ، فكان ذاكرا لله شاكرا ، فاللهم ارحمه وآله وإخوانه أجمعين .

  اللهم ارحم موتانا وموت المسلمين أجمعين ، وألحقنا بهم مسلمين وأنت راض عنا يا كريم .

 

 

                                                  ياسين طاهر الأغا | السعودية

                                                   26 \ 12 \ 2010

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على المهندس الزراعي ياسين طاهر حافظ عثمان الأغا

اظهر المزيد