مقالات

مدن وقرى دمرها الإحتلال-الجزء الأول- بقلم محمد سالم علي حمدان الأغا

 

بقلم : محمد سالم الأغا *

قبل الحديث عن مدننا وقرانا الفلسطينية التي دمرها الأحتلال الأسرائيلي، علينا أن نعرف ، كيف تطلعت الحركة الصهيونية للأرض الفلسطينية قبل قيام الدولة الإسرائيلية، وتهجير أصحابها وملاكها منها، فقد رأي وخطط  اليهود الصهاينة، وحلموا بفلسطين خالية من أهلها، فحاك اليهود المؤامرات مع الدول الإستعمارية وخاصة بريطانيا الدولة المنتدبة علي فلسطين، تارة وحكام دول المنطقة العربية أخري، وبعد حرب دنيئة وغير متكافئة بين العرب واليهود، وتآمر الأمم المتحدة بقرار تقسيمها لفلسطين في نوفمبر1947 ،  أعلن اليهود دولتهم في 15/5/1948، مباشرة، وقاموا بمجازرهم وجبروت قوتهم، وبتهجير شعبنا الفلسطيني من مدنه وقراه ، و بـ إستصدار أجحف قانون علي وجه الأرض وهو إعتبار كل من هاجر من فلسطين وترك بيته أوأرضه، غائباً عنها، فقررت الاستيلاء علي كل العقارات التي تعود للشعب الفلسطيني بحجة أنهم غائبون عنها، وهذا ما حدث للبيوت العربية في القدس المحتلة ويافا وحيفا وعكا، وصفد وبئر السبع واللد والرملة وعسقلان، وكل المدن والقري التي تم تدميرها، والمُهجرة وللعقارات غير المنقولة والأراضي كلها حولت الي ملكية الدولة المُغتصبة، التي قامت بتوزيعها علي ما يعرف بشركات الأسكان، ومن الجدير ذكره أن هذه الشركات بدأت مؤخراً في بيع ما تحت يدها من مُمُتلكات فلسطينية الي السكان اليهود الجدد، تحسباً من فتح ملف اللاجئين وتعويضهم عنها، أو طرح استحقاق إعادة الأملاك الفلسطينية لأصحابها الشرعيين، خوفاً من مطالبة أخوتنا عرب 48 أو من حقوقهم حيث اعتبرتهم الدولة العبرية مُهجرين في وطنهم، بعد أن طردتهم من مُدنهم وقراهم، والحقيقة التي ربما غفل عنها البعض، أن الدولة العبرية خولت بعض أخس ضباطها العسكريين بإعلان أي منطقة يراد طرد أهلها الفلسطينيون العرب منها بأنها منطقة عسكرية، أو أنها لازمة وضرورية لأمن دولتهم الصهيونية، وعليكم أن تتصوروا كم من المدن والقري والأراضي جري تهجير أهلها بهذه الطريقة الخبيثة، وعلينا أن نتذكر دائماً أن الدولة العبرية الصهيونية لا زالت تُمارس ضدنا وضد مدننا وقرانا أقسي هجماتها ضد كل عربي فلسطيني يريد ترميم أو بناء بيت يؤويه وأهله، ولا سيما وانتم تشاهدون، هدم البيوت وتجريفها في القدس والمدن والقري العربية الفلسطينية داخل أراضي 1948 ، واليوم سأضع بين يدكم مدينة وقرية، عاث العدو الصهيوني الأسرائيلي بهما تهجيراً، وقتلاً وتدميراً، ولا زال أهلها يقاسون مرارة الهجرة والتهجير طيلة العقود الستة الماضية.

واسمحوا لي أن نتحدث معكم عن مدينة يافا وقرية القبيبية، كي يظلا في ذاكرتنا الفلسطينية، ويتذكرها شعبنا الفلسطيني إلي أن يكتب الله لنا استعادتها من بين فكي احتلال ظالم حاقد، ونعود إليها بعزة وكرامة ، أنه ولي ذلك والقادر عليه ...

أولا : مــديــنــة يــــافـــــا

لا يخفي علي أحد أن مدينة يافا الفلسطينية تقع علي الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ، وهي أحدي موانئ فلسطين علي البحر،كما حيفا، ومن خلالها يتم الاتصال بحرياً بكل دول البحر المتوسط، وكذلك العالم بأسره.

ويذكر التاريخ الفلسطيني أن مدينة يافا قديماً كانت تتلاقي فيها التجارة العالمية أن غرباً أو شرقاً، وكانت ممراً للقوافل التجارية بين بلاد الشام ومصر، لأنها كانت تقع في منتصف السهل الساحلي الفلسطيني الذي يُعد من أكثر الطرق التجارية أماناً ويسراً وسهولة، وكان ممراً عسكريا للجيوش الغازية لبلاد الشام شمالاً وشرقاً، ولمصر غرباً، وقد أزدهر النشاط الاقتصادي لهذه المدينة الفلسطينية، وشهدت حركة تجاريه نشطة بعد افتتاح ميناء يافا 1936، وظلت تتمتع بهذه الميزة التجارية، المنقطعة النظير، حتى اغتصابها وطرد أهلها منها 1948.

ويعود اسم يافا للغة الكنعانية القديمة التي حُرفت عن " يافي " وتعني الجميلة أو الحلوة، وكان سكانها العرب الفلسطينيون يعملون في صيد الأسماك، والزراعة، حيث كانت أرضها تتمتع بتربة خصبة ومناخ معتدل وصالحة لزراعة جميع أنواع المحاصيل الزراعية وعلي وجه الخصوص الحمضيات وأشتهر برتقالها في العالم باسم البرتقال اليفاوي، كما أجادوا في بعض الصناعات اليدوية كالغزل والنسيج، وعصر زيت الزيتون، وصناعة الفخار والقيشاني، وصناعة الصابون والخمور، وقد نشط الفلسطينيون قبل اغتصاب هذه المدينة في صناعة دبغ الجلود، وصناعة الورق والزجاج، وطحن الغلال أيضاً، التي كانت تعتبر من أهم الصناعات الغذائية، ومن الجدير ذكره في هذا المقام أن جميع المطبوعات والصحف، والجرائد الفلسطينية كانت غالبيتها تنشر في مدينة يافا .

وبعد سيطرة اليهود علي فلسطين وإعلان قيام دولتهم في 15/5/1948 أخذوا يرغمون أهلنا في المدن الفلسطينية علي ترك بيوتهم وتهجيرهم بالقوة تارة وبالتخويف والإرهاب تارة أخري، وهاجر أهلنا في يافا جنوباً الي لواء غزة وشرقاً الي القدس ورام الله، ثم أخذ اليهود بالاستيلاء علي البيوت المهجورة في يافا بحجة أنها أملاك غائبين، وبدؤوا ببناء مدينة تل أبيب علي أنقاض بيوت مدينة يافا، صب اليهود جام غضبهم علي هذه المدينة الآمنة وسكنوا بيوتها، وحولوا مساجدها ودور العبادة فيها الي مقاهي ومطاعم وملاهي .

ورغم قسوة الاحتلال علي من صمد من أهلنا في هذه المدينة، ومنعهم من ترميم بيوتهم وبناء بيوت جديدة لهم ولأولادهم ، فإننا نقدر لهم تمسكهم بما تبقي لهم من بيوت وهوية ولغة عربية لا زالوا يتكلمون بها ، وتقاليد وعادات ظلوا متمسكين بها لليوم، رغم كل غريب يحيط بهم، فلا زالت أرضنا الفلسطينية تتطلع إلي أن تعود لتتكلم بلسان عربي مبين .

 ثانيا : قــريــة الـقـبـيـبـة

تقع قرية القُبيبة علي قمة تل في السفوح الغربية لجبال الخليل، ولها طرق فرعية تصلها بمدينة الخليل والقري المحيطة بها، ويذكر التاريخ أنها بُنيت في موقع " دير لوكيب "، وهي قرية كانت معروفة أيام الصليبين، وفي عام 1596م، كانت القُبيبة في ناحية غزة ( لواء غزة )، وعدد سكانها 182 نسمة، وكانت تؤدي الضرائب علي مزروعاتها من القمح والسمسم والأشجار المثمرة، والماعز وخلايا النحل، وفي أواخر القرن التاسع عشر كانت القُبيبة قرية كبيرة مبنية من الطوب وتقع علي تلال متدرجة قريبة من أحد السهول ومحاطة بمنطقة صخرية قاحلة.

وكان في القرية مدرسة ومسجد وعدد قليل من الحوانيت الصغيرة ( دكاكين ) ، وسكان القبيبة كان يشربون المياه النقية من بئرين يقعان الي الشمال الغربي، والجنوب الغربي، ومن الجدير ذكره أن قرية القبيبة كانت تقع بالقرب من تل الدوير وهو موقع قرية لخيش القديمة ، وخُربت هذه البلدة و نُهبت وأُعيد بناؤها مرات عديدة أثناء تاريخها الذي يعود للألف الخامسة قبل الميلاد، والمنطقة المحيطة بالقرية غنية بالآثار التي تشير الي وجود منطقة كانت قديماً آهلة بالسكان، وتضم هذه الآثار ما يقارب خمسة عشر موقعاً أثرياً ضمن الأراضي التابعة للقرية .

ويؤكد الباحث والمؤرخ وليد الخالدي أن قرية القُبيبة كان عدد سكانها سنة 1944 ما يقارب 1060 نسمة وأن اليهود الصهاينة أحتلوا القرية في نفس الوقت الذي قاموا بإرتكاب مجزرتهم في قرية الدوايمة المجاور للقبيبة في 29 تشرين أول أكتوبر - 1948 م علي أيدي وحدات من لواء جفعاتي سئ السمعة، ما دعي سكان القبيبة الي ترك قريتهم وفروا  ذعراً باتجاه غزة والخليل .

وفي عام 1955 قام اليهود الصهاينة، بإنشاء مستوطنتهم " لخيش " علي آراضي القرية التي دمرها الأحتلال الإسرائيلي الحاقد ،  ويمكن لزائر القرية المحتلة أن يشاهد بساتين أشجار الزيتون المُعمرة، ونبات الصبر " التين الشوكي " المهملة علي مصاطب حجرية سليمة، كما تركها أهلنا وسكانها الفلسطينيون .
 

وأخيراً،  أ أمل أن لا ننسي، وعلينا أن نظل نتذكر، ونُذكر أبناؤنا وأجيالنا الصاعدة،  أن لنا وطنا و أرضاً أُغتصبت، وجنةٌ فردوس لا زالت تنتظرنا أن نعود أليها بإذن الله،  أحياءاً أو شهداء .

 

* باحث وكاتب وصحفي فلسطيني

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. محمد سالم علي حمدان الأغا

اظهر المزيد