النخلة  |  عائلة الأغا



الرئيسة / مقالات / أنيس صايغ، حياة مكللة بالغار- نبيل خالد الأغا- الدوحة

أنيس صايغ، حياة مكللة بالغار- نبيل خالد الأغا- الدوحة


أنيس صايغ، حياة مكللة بالغار- نبيل خالد الأغا- الدوحة

«ما من فلسطيني أو عربي يستحق أن يُكرّم وفلسطين مازالت ترزخ تحت نير الاحتلال»

(أنيس صايغ)


صدر في شهر يناير ٢٠١١ العدد التاسع والثلاثون من مجلة الدوحة الثقافية الشهرية التي تصدرها وزارة الثقافة والفنون والتراث بدولة قطر، وتضمن العدد مقالة كتبها الأخ نبيل خالد الأغا سكرتير تحرير المجلة بعنوان «أنيس صايغ، حياة مكللة بالغار»، استعرض فيها حياة هذا المفكر الفلسطيني الرائد الذي عاش ثمانية وثمانين عاماً وأثرى المكتبة العربية بأكثر من عشرين كتاباً تمحورت في مجملها في العمق الفلسطيني.

تولى الصايغ منصب المدير بمركز الأبحاث الفلسطيني ببيروت، وأصدر الموسوعة الفلسطينية الضخمة المؤلفة من أحد عشر مجلداً، وهو يعتبر أن وجود «إسرائيل» غير طبيعي وغير صحيح. ونظراً لدوره الفاعل فكراً وثقافة عمدت إسرائيل للانتقام منه بواسطة رسالة ملغومة ما إن فضّها حتى اهتز المبنى بطوابقه السبعة. وفقد الصائغ ثلاثة أصابع من يده وستين بالمئة من نظره وثمانين بالمئة من سمعه.

وكان في طليعة الرافضين لاتفاق «غزة أريحا أولا» وكذلك لاتفاق أوسلو الذي «اعتبره نذير شؤم على النضال الوطني الفلسطيني ومسمارا اضافيا في الصندوق الذي تهيئه إسرائيل لدفن القضية الفلسطينية».

وفيما يلي نص الموضوع كاملاً:

عندما يزمع المرء الكتابة عن مفكر طليعي رائد ذي قامة تاريخية مديدة بحجم المفكر الدكتور أنيس صايغ تتزاحم عليه الكلمات، وتنثال العبارات، وتفيض المواقف لعرض إنجازاته العديدة التي تخلد مسيرة حياته الصاخبة دعماً وسنداً للقضية الفلسطينية التي نذر حياته كلها من أجلها، إنه أحد طلائع الرواد الذين تنسكوا في محراب الوطن، وأسهموا في رفد الفكر الفلسطيني وإثرائه، فعاصر ضياع الوطن وعاش حلم العودة إليه، لكنه رحل عن مسرح الحياة ورحل معه حلمه الذي لم يتحقق!

لنستحضر سوياً الخطوط العريضة لرحلة حياة صاحب القلب المتوهج بعشق العروبة تخليداً لجهوده المتعددة، وتقديراً لعطاءاته المتنوعة، واستجلاء لعزائمه الجريئة وإحياء لسيرته العمرية التي امتدت على مساحة زمنية قدرها ثمانية وثمانون عاماً، ابتدأت في العام 1931 وانتهت في العام 2009.

تعرفت إلى الدكتور أنيس صايغ في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي من خلال اطلاعي على مجلة «شؤون فلسطينية» المميزة في محتواها وإخراجها، والتي كانت تصدر عن مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية ببيروت. أسسه في العام 1965 شقيقه المفكر والدبلوماسي الدكتور فايز صايغ «1922 - 1980» كجهاز متخصص للبحوث والدراسات والتوثيق للتعريف بالعدو الصهيوني.

وذلك بناء على توجيهات المرحوم أحمد أسعد الشقيري أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية (1908 - 1980) الذي كان يتوق إلى إنشاء موسوعة فلسطينية متكاملة، وعلى أثر استقالة الدكتور فايز من منصبه، تم تعيين الدكتور أنيس مكانه، حيث شهد البحث الفلسطيني عصره الذهبي الذي استمر عشر سنوات سمان (1966 - 1976).

وتزامناً مع كثافة نشاطه بصورة غير مسبوقة على المستوى الفلسطيني، ازدادت صلتي بإصداراته التي جذبتني، وتعلقت فكرياً بطروحاته وأبحاثه التي تركت بصماتها في تفكيري، ورحت أتتبع خطواته المتلاحقة على المستويين الفكري والشخصي.


بزوغ فجره

بزغ فجر حياته في مدينة طبرية الفلسطينية المحتلة منذ العام 1948م والتي تعتبر بحق إحدى أبهى مناطق فلسطين وأجملها. وكان والده عبدالله يوسف قسيساً هاجر إلى فلسطين قدم إليها من سورية التي يعتبرها أساس الحضارة ومهدها. يقول مباهياً «إن لكل إنسان في العالم وطنين يدين لهما بالولاء. مسقط رأسه وسورية»، ويعتز بأنه فلسطيني ولبناني وسوري.

أنهى دراسته الابتدائية في طبرية، والثانوية في مدرسة صهيون بالقدس، وبعد هجرته إلى لبنان التحق بمدرسة الفنون الإنجيلية في صيدا. ومن ثم التحق بالجامعة الأميركية ببيروت في العام 1953 (حيث كان إخوانه ملتحقين بها)، فنال شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية والتاريخ، ومن ثم جرى تعيينه بذات الجامعة أستاذاً لمادة التاريخ العربي في القسم الفرنسي.

وإبان تلك الفترة تولى مسؤولية الإشراف على الصفحة الثقافية في جريدة النهار اللبنانية، كما شغل منصب المستشار للمنظمة العالمية لحرية الثقافة، وخلال مسيرته شغل عام 1970 منصب العميد لمعهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة، ومستشاراً لجريدة القبس الكويتية، ومن ثم مستشاراً للأمين العام للجامعة العربية ورئيساً لوحدة مجلات الجامعة.

طموح الصائغ لم يتوقف عند هذا الحد، هناك مهمات جسام بانتظاره في محطات المستقبل، ثابر وجد واجتهد ونال شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية والتاريخ العربي في جامعة كمبردج البريطانية العريقة وعين فيها أستاذاً ومحاضراً لمقرر الدراسات الشرقية ومديراً لهيئة القاموس الإنكليزي - العربي الذي موّلته مؤسسة فرانكلين، لكن الصايغ استقال من هذا المنصب احتجاجاً على اعتراض المؤسسة على مضمون ندوة ألقاها في مقر النادي الثقافي العربي بيروت.

وبرغم تفوقه اللافت في كافة مراحل تعليمه وتعلمه الأكاديمي إلا أنه يعترف صراحة بأنه «يكره الدرس والتدريس، وإن معاهد التعليم أبشع الأماكن التي تردد عليها»!.

وعلى أثر توليه منصبه الجديد في مركز الأبحاث أنجز العديد من تطلعاته الفكرية والثقافية التي كانت نفسه تشرئب لتحقيقها، فمنذ العام 1971 - 1977 أصدر مجلة «شؤون فلسطينية»، و«المستقبل العربي» (1978 - 1979) و«قضايا عربية» (1979 - 1981) و«شؤون عربية» (1981 - 1982).

كما حقق إنجازات مهمة مكملة لسابقاتها مثل : إنشاء مكتبة قيمة وضخمة تضم نفائس الكتب والوثائق والمخطوطات، ابتدأت بشقة متواضعة وانتهت إلى ستة طوابق غير متواضعة، وأمست أكبر مكتبة متخصصة في الشؤون الفلسطينية بالبلاد العربية. اضافة إلى أرشيف كامل يخدم المهتمين بالصراع العربي - الإسرائيلي.

وهناك إنجاز بشري لافت ومهم يتمثل في استقطاب باحثين جدد بدأوا بثلاثة فأضحوا أكثر من أربعين باحثاً نذكر من بينهم: محمود درويش، إبراهيم العابد، بسام أبوشريف، نبيل شعث، صبري جريس، أسعد عبدالرحمن، خيرية قاسمية، صقر أبوفخر، الهيثم الأيوبي، عيسى الشعيبي، وغيرهم.. وقد علق أحد الكتّاب على ذلك بقوله: إن المركز يفرخ كتّاباً وباحثين كما تفرّخ الدجاجة صيصانها.

وقد أوفى الصايغ بما وعد به المرحوم أحمد الشقيري فأصدر الموسوعة الفلسطينية الضخمة المؤلفة من أحد عشر مجلداً.

وهو يعتبر ثالث ثلاثة من كبار المفكرين الذين أسسوا - وللمرة الأولى في التاريخ العربي - مراكز أبحاث انطلاقاً من العاصمة اللبنانية مع زميليه قسطنطين زريق والدكتور وليد الخالدي.

وتنطبق على الدكتور أنيس مقولة الأديب المصري وديع فلسطين في المؤرخ الفلسطيني الكبير المرحوم أكرم زعيتر «.. هذا رجل عروبي من هامة الرأس إلى اخمص القدم، آمن بقضية أمته، وهو لازال في ربق العمر، ونذر حياته كلها لخدمتها».(1)

ضمن قائمة اعتزازات الصائغ شهادة العدو الصهيوني في كفاءة مركز الأبحاث الذي كان يديره، فقد ورد في خاتمة التقرير السنوي للمنظمة الصهيونية العالمية في العام 1970، ما يلي: «إن على الفروع والناشطين الصهيونيين إن أرادوا أن ينجحوا في خدمة منظمتهم أن يفعلوا ما يفعله أنيس صايغ في مركز الأبحاث ببيروت».

لكن هذه الشهادة الحقة لم تكن خالصة لوجه الله تعالى، بل كانت تخفي بين سطورها حقداً دفيناً على المركز ومن ثم على الدكتور صايغ الذي لم يتزحزح البتة في كافة مناهجه وطروحاته عن «حق العودة» و«تحرير فلسطين» و«التغزل بطبرية»، وبقي وفياً لمبادئه، ومتفانياً في كشف سوءات الاحتلال الصهيوني الظالم لفلسطين دونما مسوغ منطقي كاشفاً في الوقت ذاته عورات ذلك الاحتلال البغيض أمام الرأي العام العالمي من خلال دراساته ومؤلفاته.

وقبيل الولوج في حوادث الانتقام من المركز نتساءل: ما سبب النجاح الباهر الذي حققه المركز في أداء رسالته؟

يعزو المدير التنفيذي سبب هذا النجاح إلى أربعة عوامل:

الأول: دور رئيس منظمة التحرير الفلسطينية أحمد الشقيري الذي ساند المركز منذ تأسيسه، ودور فايز صايغ الذي أسس المركز، وحدد أسس عمله، والتفاف المثقفين العرب حوله، ثم تعيين الباحث الكفؤ إبراهيم العابد نائباً للمدير العام.

وبسبب تواضعه وإنكاره لذاته لم يتعرض الدكتور صايغ لذكر دوره ضمن العوامل التي أدت إلى إنجاح المركز وهو دور رائد لا ينكره أحد، وبخاصة تفانيه في ريادته بعد تفرغه الكلي للعمل فيه وترسيخ دعائم بنائه، وهو كما يقول الأستاذ صقر أبوفخر: «من النفر العربي القليل جداً الذي طالما ظل شامخاً في مواقفه كمسنديانة وَعْريٍّة، ونقياً في مبادئه كينبوغ في الجليل، ورقراقاً وفياً كمياه طبرية... مدينته الحزينة».

وهو يجاهر ويعلن على الملأ أن وجود «إسرائيل» حالة غير طبيعية وغير أصلية وغير صحيحة، ويؤكد ذلك حرفياً في مذكراته «أنيس صايغ عن أنيس صايغ»: خمسون سنة، ومسعاي تحرير فلسطين أولاً، وأرض العرب كلها ثانياً لإلغاء الكيان المغتصب وعودة الشعب المقتلع، وتحرير الإنسان والأرض معاً، وفي الوقت ذاته أمارس الصنعة الثقافية لتصبح المعرفة بعد التحرير ركنا أساسياً في بنيان فلسطين الغد، فالثقافة تحرر، والتحرير يثقف وهدفهما معاً معنى حضاري»(2).

إن كل هذه المواقف الصريحة المعلنة على الملأ، المحفزة للهمم النضالية، والمقرونة بالفعل الثقافي المنطلق وغير المسبوق دفعت العدو الإسرائيلي للانتقام من الصايغ ومن عنوان نضالي البطولي: مركز الأبحاث وهما مرتبطان بمسمى واحد حتى أن أحد وزراء لبنان خاطبه ذات مرة في حفل تكريمه بقوله: «عزيزي أنيس مركز الأبحاث».


جرائم بالجملة

العدو الصهيوني المجرم الذي طالما ولغ في دماء الفلسطينيين قادة ومفكرين ومناضلين ومدنيين عاديين اقترف ثلاث جرائم في حق المركز: إنساناً ومكاناً، لكن أبرزها كانت الرسالة الملغومة التي ما إن فضّها الصايغ حتى اهتز المبنى بطوابقه السبعة، وخرج الربان جريحاً وظافراً بثلاثة أوسمة، فَقْده ثلاثة أصابع من يده وستين بالمئة من نظره، وثمانين بالمئة من سمعه. لكنه لم يفقد إيمانه بقضيته: «إن العدو الإسرائيلي صمم على قتلي وحاول ثلاث مرات ولم ينجح» ويقول في موقع آخر: «لقد كنا نؤمن بأن المعركة الثقافية مع العدو هي من صميم الحرب، وهي من أمضى الأسلحة لأنها هي التي ترشد الأسلحة الأخرى وتعزز قوتها»(3)، (المرجع السابق).

وأبلغت الرئيس ياسر عرفات «إنني جئت إلى المركز لأحارب إسرائيل، فإسرائيل هي العدو الأكبر لي ولأمتي العربية»، هذا وقد تزامنت محاولة اغتياله بعد عشرة أيام من اغتيال إسرائيل للكاتب والروائي الفذ غسان كنفائي في بيروت في سيارته الملغومة بمجرد إدارته للمحرك فاستشهد مع ابنة شقيقته الشابة لميس.

الكل يدرك أن السلاح الذي أشهره الصايغ وكنفائي في وجه العدو الأبدي للأمة العربية والإسلامية هو السلاح عينه الذي حمله شهداء الكلمة الشريفة المناضلة أمثال: وائل زعيتر وكمال ناصر وراشد حسين، وعبدالوهاب الكيالي، وماجد أبوشرار، وناجي العلي، و.... القائمة تطول.

وعمد الإسرائيليون إبان اجتياحهم لبيروت في العام 1982، لنهب أرشيف ومكتبة مركز الأبحاث، كما عمدوا عن طريق عملائهم إلى إطلاق عدة صواريخ على مبنى المركز في الرابع من فبراير/شباط عام 1983.

بعد عملية تبادل للأسرى بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل التي جرت في العام 1985 أعيدت معظم محتويات المركز بعد أن قام الإسرائيليون بتصويرها، وقد فرح المثقفون الفلسطينيون الذي كانوا يتشوقون لإعادة تأسيس مركز الأبحاث وإنقاذ ما تبقى من مكتبته. لكن - واحر قلباه.. ما إن وصلت تلك المحتويات إلى الجزائر لم تجد من يتسلمها فتلفت وتبددت في التيه مثلما تبددت أحلامنا الجميلة، وهذه النتيجة البائسة بالنسبة لنا هي انتصار فكري وتاريخي حققته إسرائيل لصالحها دونما وقوع قتلى أو جرحى في صفوفها، لقد كان مركز الأبحاث بمجمله يشكل خطورة عليها لامتلاكه معلومات مضادة للفكر الصهيوني والتي كشفت كافة عمليات التزوير الإسرائيلية للحقائق التاريخية الثابتة للصراع العربي الإسرائيلي، لذلك استحق المركز معاداة إسرائيل له وانتقامها منه.


عطاءات ممتدة

عالج الدكتور صايغ بقلمه الرشيق وفكره المستنير الكثير من القضايا الفلسطينية القومية الحساسة والعميقة بروح من المسؤولية والموضوعية، فصنف أكثر من عشرين كتاباً ما بين عامي 2006-1955، واحتلت مرتبة متقدمة في رفوف المكتبة العربية من أبرزها الكتاب الذي أشرنا إليه سابقاً الذي تحدث فيه عن سيرته الذاتية وجهوده العملية والعلمية المدججة بالتحدي والمتاعب في سبيل القضايا الوطنية والقومية وهذا ثبت بأهم العناوين التي حملت مؤلفاته:

لبنان الطائفي، الأسطول الحربي الأموي في البحر الأبيض المتوسط، جدار العار، سورية في الأدب المصري القديم، الفكرة العربية في مصر، تطور المفهوم القومي عند العرب، من فيصل الأول إلى جمال عبدالناصر، الهاشميون والثورة العربية الكبرى، الهاشميون وقضية فلسطين، فلسطين والقومية العربية، ميزان القوى العسكرية بين العرب وإسرائيل، بلدانية فلسطين المحتلة 1967-1948، المستعمرات الإسرائيلية منذ 67، الجهل بالقضية الفلسطينية، رجال الساسة الإسرائيليون، 13 أيلول الخطأ والصواب.

المثقف العربي همومه وعطاؤه، ملف الإرهاب الصهيوني، الوصايا العشر للحركة الصهيونية، نصف قرن من الأوهام، أنيس صايغ عن أنيس صايغ.

هذا إضافة لترجمته لأربعة كتب هي: فن الصحافة، قمح الشتاء، مقالات في القضية الفلسطينية، المؤسسات والنظم الأميركية، وقد شارك في تحريرالموسوعة العربية الميسرة، قاموس الكتاب المقدس، دراسات فلسطينية (بالألمانية)، يوميات هرتزل، من الفكر الصهيوني، فلسطينيات ج1 ج2، الفكرة الصهيونية، العمليات الفدائية خارج فلسطين المحتلة.


أنيس صايغ عن أنيس صايغ

اكتشف صايغ في الهزيع الأخير من حياته أنه يجهل نفسه، فقرر أن يسجل حياته «فأعَرِّفَ الناس بي لعلي أتعرف على نفسي» فكتب سيرة «أنيس صايغ عن أنيس صايغ» (534 صفحة بالحجم الكبير)، مازجاً العام والخاص، وبين التاريخ وجغرافيات المكان، بين الذاكرة الشخصية وذاكرة الوطن.

وقد مهد لذكرياته الغنية بهذه التساؤلات: لماذا يكتب إنسان مثلي؟ لقد سخرت الأقلام للكتابة عن العظماء والأبطال ومحققي المعجزات ونائلي الجوائز في السياسة والحكم والثقافة والعلم والفن والأدب والاقتصاد والرياضة والمسابقات وجمع الثروات، وأنا بالطبع لست واحداً من هؤلاء.

لم أقطع بحر المانش سباحة، ولم أهبط على سطح القمر، ولا تسلقت قمة أفرست، ولا فزت في ملاكمة أو مصارعة، لم أحصل على أوسكار أو «نوبل» أو «بولتزر» ولا أملك ثروة تغري الملايين، ولا صوتاً يطرب الملايين، ولم أسط على حكم أو مصرف!.

في النهاية «لم أجد أحداً يكتب عني فكتبت عن نفسي.

مواد غنية ودسمة ومشهية يشعر القارئ وهو يتنقل مع ابن القس عبدالله في محطات حياته في الثقافة والسياسة، وفلسطين، والدراسات والموسوعات ورئاسته لمركز الأبحاث وتجربته الرائدة، واستهداف الصهاينة لحياته، وفي كل جولاته لم ينس مدينته الأثيرة طبرية التي تغزل فيها في مواقع شتى من كتابه: « هل سبحت يوماً في بحيرة طبرية، واحتضنتك مياهها الدافئة في يوم بارد ومياهها الباردة في يوم حار؟»، «إذا كنت قد فعلت ذلك ستفهم كلامي ومشاعري وتعذرني».

وفي موقع آخر من الكتاب يواصل سرده الشيق معبراً عن رفضه المطلق لاتفاق «غزة - أريحا أولاً» الذي جرى عام 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية «إن هذا السلام ليس سلاماً بل هو استسلام وأراهن على مقاومة الشعب لأن الشعب وحده يستطيع أن يصمد، أن يعرف طريقه دون أن يضلله قادته»، مضيفاً «أن أنيس صايغ آمن بالشعب الفلسطيني وليس بالقادة الذين يقودون الشعب إلى الاستسلام».

مؤكداً أن ما حصل يوم «13 أيلول» لم يكن أول نكبة، ولن يكون آخر نكبة يتعرض لها الشعب الفلسطيني وسائر الشعوب العربية فهو على أي حال حاصل هزائم سابقة، وهو في الوقت نفسه يفتح الباب لانزلاقات أخطر»(4)

وفي إشارة ذكية وهادفة يشير مباشرة إلى أحقية المنتصرين فقط لنيل شرف التكريم إذا هم حرروا المدن والقرى التي ولدوا فيها: «إن أكاليل الغار من حق المنتصرين فقط، العائدين فعلاً إلى المنابت التي حرروها ليمارسوا فيها حرياتهم».

ويؤكد أن العدو الصهيوني غير جدير بالسلام أصلاً ومن المعيب مصافحته.

«إن من يدّعى السلام في وقت يجزّ فيه رقاب الأطفال من العيب أن نصافحه بل هو مضيعة للشرف والكرامة».

واعتبر اتفاق أوسلو نذير شؤم على النضال الوطني الفلسطيني ليس لأن التاريخ يتضمن الرقم (13) بل لأن الاتفاق في حد ذاته - كما يقول - يدق مسماراً اضافياً في الصندوق الذي تهيئه إسرائيل لدفن القضية الفلسطينية.

طرح واضح وجرئ لم يؤيده فيه يومئذ سوى الأطهار الذين حرق أصابعهم وأدمى قلوبهم وأكبادهم ذلك الاتفاق المشؤوم.

والمتتبع لمجريات الأمور يدرك مصداقية رؤيته الثاقبة بعيدة المدى، فالنكبات والانزلاقات تتلاحق علينا من كل صوب، وإسرائيل تمعن في تهويد القدس ودفن القضية الفلسطينية مطمئنة إلى سبات أهل الكهف على امتداد الساحات العربية والإسلامية والعالمية.


المقاومة هي الحل

ويرى الصايغ أن المقاومة هي الحل رغم صعوبة المعركة، ورغم التضحيات وهذا يعني أن علينا ألا نقيم بعد كل معركة حفلة لطم على الشهداء والضحايا. ومن اختار نهج المقاومة دفاعاً عن الأرض والشرف والكرامة عليه أن يكون مستعداً لدفع التضحيات فهذا هو الدرس الأول في التاريخ، وشدد على أن الصراع مع «إسرائيل» يجب أن يعود إلى المربع الأخلاقي، وألا يبقى حبيس النزاع السياسي فقط، لأن من شأن ذلك أن يختزله إلى نزاع على الحدود. (5)

رفض الصايغ بإباء إقامة احتفال تكريمي له، وعلل ذلك بعدم أحقية أحد بهذا التكريم ما دامت فلسطين واقعة في قبضة الجلاد الصهيوني: «ما من فلسطيني أو حتى عربي يستحق أن يُكَرّم وفلسطين مازالت ترزح تحت نير الاحتلال».(6)

في نهاية العام.. وتحديداً يوم ميلاد السيد المسيح عليه السلام بتاريخ 2009/12/25، ترجل الفارس العروبي في عمان وحلم تحرير فلسطين يخفق في قلبه، واحتضنت بيروت صاحب الجسد المسجّى، وكان يمّني النفس باحتضان غاليته طبريّا له، ولكنه لم يكن متفائلاً بأن حق العودة سيتحقق في الأيام الباقية من حياته، فغاب نجمه عن مسرح الحياة وفي قلبه لوعة على الحال البائس الذي آلت إليه الأمة العربية.


ـــــــ


أزاهير الوفاء

- الدكتور أنيس صايغ واحد من الذين أنجزوا بجدارة طريقة امتلاك فلسطين، وهو الآن يتابع المهمة ذاتها التي تستغرق العمر كله، وفي كل موقع يبقى أنيس صائغ امتداداً خلاقاً لمركز الأبحاث الذي هو بيته وعائلته، ولا تنفصل المؤسسة عن المؤسس.. ويعرف.. يعرف جيداً أن مهارة الزراع تتجلى في قدرة الغرسة على النمو والحياة خارج اليد التي غرست، وهو لم يشأ لها أن تكون ظلاً بل أصلاً..».


محمود درويش


- كان دور أنيس صايغ ثقافياً رائداً، لم يرد أن يكون قائداً.. بل هو مدير للثقافة الفلسطينية، وهو من القلة الذين أعطوا القضية الفلسطينية أكثر مما أخذوا منها، على عكس الكثيرين من غيره!

إن صايغ رحم «أبوعمار» وظلم القراء في كتابه «أنيس صايغ عن أنيس صايغ» لأنه حصر حديثه عنه في الخلاف الشخصي بينهما.. بينما عرفات هو صورة عن الزعماء العرب الذين إذا سمع أحدهم كلمة «ثقافة» وضع يده على جيبه أو جراب مسدسه!


شفيق الحوت

2006/6/23


- لقد كرس الدكتور أنيس صايغ حياته للدفاع عن القضية الفلسطينية والقضايا العربية، وتعرض في مسيرته النضالية للكثير من المصاعب ومحاولات الاعتداء، وقد ترك بصمات واضحة في تاريخ القضية وأثرى المكتبة العربية بالمؤلفات والأبحاث التي تناولت هذه القضية وتاريخ نضال الشعب الفلسطيني وذلك من خلال عمله على تأسيس واصدار كبريات مجلات الأبحاث العربية.


عمرو موسى


- كان أنيس صايغ بين الفلسطينيين عموماً، وفلسطينيي لبنان خصوصاً مرجعاً وأباً وسنداً بل سعى مع كوكبة من أترابه البررة كشفيق الحوت ورفعت النمر وأبو ماهر اليماني في تأسيس لقاء ثقافي فلسطيني في لبنان منذ أوائل التسعينيات ليسد فراغاً كبيراً في الواقع الفلسطيني في البلد الذي شهد توترات في علاقاته الفلسطينية، فأقام جسراً للتواصل مع رجال السياسة والفكر اللبنانيين والعرب.

معن بشور


- أنيس الصايغ هو النموذج للثقافة والمعرفة الناضجة التي لا تسخّر نفسها لتوجهات سياسية أو شخصية والتي تبقى ملتزمة تجاه هموم الوطن والإنسان دائماً وأبداً. فالصايغ مفكر قومي ليبرالي وديمقراطي علماني.. استبق تطور الفكر السياسي القومي الليبرالي وقد انشغل الصايغ بهموم شعبه ووطنه طيلة حياته، وما حياته إلا تلخيصاً لمسيرة مثقف عضوي فلسطيني عاش القضية الفلسطينية وعاشته.

د. أمل جمال

- لقد نجح أنيس الصايغ في صوغ المعادلة الثقافية الصعبة لفكرة فلسطين. في مركز الأبحاث ببيروت جمع البحث الأكاديمي إلى التوثيق العلمي وحرية التفكير إلى الالتزام. فاستطاع المركز أن يشكِّل خلية الدفاع عن المقاومة، ومكان نقدها في آن معاً، وأن يفتح احتمالات الإبداع الفلسطيني كلها، فكان لنا بيتاً ومدرسة وإطاراً نضالياً.ومع أنيس صايغ تعلمت أن فلسطين ليست قضية فحسب، بل نمط حياة وتستطيع أن تكون فدائياً في كل تصرفاتك، وأن أصابع يده المبتورة وعينيه شبه المطفأتين والصواريخ التي قصفت مركز الأبحاث هي أوسمة على صدر الثقافة لأنها تضعها في دائرة الفعل، وتجعل من مؤرخي فلسطين صانعين لتاريخها.

الياس خوري


- لقد شكَّل الدكتور أنيس الصايغ حالة جميلة في الثقافة الفلسطينية فقد أحب عمله واستبدّ به حبه لمركز الأبحاث، كان يسكن في منزل متواضع لا يبعد كثيراً عن المركز، وقد اعتاد الوصول إلى مكتبه قبلنا جميعاً سيراً على الأقدام دون سيارة أو حراسة، يصل في الساعة الثامنة إلا خمس دقائق، ويغادر في الساعة الثانية وخمس دقائق بعد أن نكون جميعاً قد غادرنا المركز ليلتحق بزوجته السيدة هيلدا، وهي زميلتنا في العمل، سيراً على الأقدام ودون حراسة.

سميع شبيب

- رحمه الله أولاً وأخيراً، لقد كان من الرعيل الأول الذين لم يبق منهم إلا القليل، فالاستاذ الدكتور كان من المؤسسين لمركز الدراسات الفلسطينية، وكان مُعَلِّماً لجيل اقتنع وآمن بأن العدو الصهيوني الإمبريالي لا يمكن الوصول معه لتسويات وكل ما يحاوله أن يستدرجنا إلي مستنقع الاستسلام.

بهجت أبو غربيَّة


- لقد رحل أنيس صايغ لكن كي يبقى درساً ونموذجاً للصمود والكبرياء الوطني والتمسك بالقيم والثوابت.. رحل لكنه ظل حتى اللحظة الأخيرة ممسكاً بجمر المبادئ وبيقين لا يتزعزع بعودة فلسطين كل فلسطين، وفي القلب منها مدينته طبريا.

نزيه أبونضال


_______


هوامش

(1) مدائن فلسطين دراسات ومشاهدات، نبيل خالد الأغا/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت/عمان/1993
(2) «أنيس صايغ عن أنيس صايغ» - دار رياض الريس للكتب والنشر بيروت 2006.
(3) المرجع السابق
(4)المرجع السابق
(5) حوار مع الصايغ أجراه الزميل نزيه أبونضال في عمان
(6) «أنيس صايغ عن أنيس صايغ» مرجع سابق ص506
(7) مواقع مختلفة على الشبكة العنكبوتية
 

أضف تعليقاً

التعليقات على الفيس بوك