مقالات

قل سيروا في الأرض- الخروج المشرف- الجزء الأول-جواد سليم - ماليزيا

قل سيروا في الأرض ... الخروج المشرف
الجزء الأول 1/2
جواد سليم إبراهيم - ماليزيا


لقد شكلت مصر محور أحاديث وتحليلات الجميع خلال الأيام الماضية، وفي هذا السياق فإنني لنأبسط الحديث عن الثورة ومسبباتها ورأيي الشخصي والتداعيات المتوقعة لها على المنطقة ... وذلك لإدراكي الجلى أن هناك بعض الاختلافات في وجهات النظر حول ما حدث، ولأن نخلتنا الباسقة ليست مضماراً لاستعراض القدرات والمعلومات التاريخية والسياسية ولا للاختلاف، فقد وودت أن أنظر للاحداث من زاوية أخرى أزعم أن الجميع يجب أن يتفق حولها، زاوية حجبتنا عنها المتابعة اللحظية للأحداث وتحليلات الساسة وتقارير المراسلين، زاوية غيبتنا عنها الغفله المستحكمة بنا، إنها زاوية (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف ...)، زاوية التأمل واستحضار الدروس والعبر وربط ما يجري بسنن الله وبالقران.

إن كانت دراسة التاريخ بها الفائدة والموعظة فإن قراءة الواقع أبلغ موعظة وأكبر درس، فنحن اليوم نشهد تاريخاً يُكتب، وأنظمة تُغلب. شهدنا الملايين للشارع نزلت، وللعدالة والحرية طلبت، ولاستعادة مكانه وطنها صلت، ولحفظ وطنها من الله طلبت، بكيتُ الليلة تأثراً بدموع الفرح التي هطلت، وعلى حناجر الملايين التي بالتكبير هتفت، كذلك رأينا جهات متسلقة لموجة الثورة ركبت... شاهدنا غضب على دماء أريقت، وعلى دولة لرجال أعمال بيعت، وبين زحمة المشاهد لمحنا أكباش فداء تترا للمسالخ تُساق، وتسأل من ساقها ألم نكن معكم وكان بيننا وبينكم وفاق، قالوا نعم ولكنها المصالح يا رفاق، فحثوا الخطى فنحن مع الزمن في سباق، لكن يبدو أن الظلم بلغ حدا لا يطاق، والشعب من سباته تململ بل استفاق، وفشلت أكباش الفداء أن تصبح لرضى الشعب صِداق -(أي مهر) -، والكل ينتظر ويتابع... وفي بقع جغرافية قريبة أخرى أحسسنا بأخرين بدأوا يتحسسون كراسيهم ويجهزون لمنتقديهم ردا، ويقرءون اية وجعلنا من بين أيديهم سدا، وشعوب بدأت تعد الأيام والساعات عدا، أملاً في خلاص أبدي من أنظمة مدت لها من العذاب مدا. إن المتأمل لما يجري يمكنه قراءة الكثير الكثير الكثير ومن ذلك:

1. قضية الخروج المشرف: تم تداول مصطلح الخروج المشرف من الحكم ورأينا الإصرار على إنهاء الحكم بصورة لائقة وكيف تم تداول سيناريوهات الخروج وكيف تم التلاعب بالناس والخطابات والتفويض وووو. ووضع مصير مصر في كفه وخروج الحاكم بطريقة لائقة في كفة. وهنا أقول إن الخروج المشرف الحقيقي لا يمت بصلة لما يتم تداوله هذه الأيام، فالخروج والنهاية ليست مقصورة فقط على الزعماء ، فالكبير والصغير على الة حدباء محمول. لكن لا نعلم هل سيكون خروجنا مشرفاً أم لا؟؟ فالذي يقرر ذلك ليس البيت الأبيض ولا كواليس السياسة بل ستتحدد الالية بما قدم كل منا، بما استعد، بما زود به نفسه وأضاف لرصيد أعماله. هل سيتقدم خروجنا من الدنيا ثلة من الملائكة بيض الوجوه على مد البصر معهم الطيب كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب فيقولون فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا به إلى سماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوا عبدي إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فتعاد روحه فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول ربي الله فيقولان له ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله فيقولان له وما علمك فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي) (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلى في عبادي وادخلي جنتي)

هل سنخرج بهذه الكيفية المشرفة بحق أم تكون الكيفية الأخرى والعياذ بالله؟؟؟؟ وهي عكس ما سبق. كل ذلك مرهون بما قدمنا وما زودنا به أنفسنا للسفر الطويل وللعقبة الكؤود.
حتى على صعيد دنيانا الفانية فالخروج المشرف لشخص ما من مكان أو منصب لا يتم بالتحايل أو العناد بل يكون بالإخلاص وأداء الامانة وحفظ حقوق العباد، وهنا استحضر خروج مهاتير محمد من رئاسة وزراء ماليزيا وهو الذي صنع ماليزيا الحديثة ورسم لها خارطة الطريق لتتحول من فأر صغير لنمر يهاب ويحسب له ألف حساب. الجميع في ماليزيا بل في العالم يقر بعظمة هذا الرجل وببصمته المؤثرة لكن مهاتير قرر أن يتنحى جانباً ويعتزل العمل العام ويتفرغ للفكر والكتابة والعمل الخيري ويتيح المجال للتداول السلمي للسلطة. فانسحب انسحابا مشرفاـ وأصبح رمزا يحظى باحترام الجميع، ولا زالت صوره توضع في الشوارع والميادين ولا يزال في أعين الناس هو الرمز وهو مفتاح التقدم. في حين أن الاخرين الذين يبحثون في الوقت الضائع عن الخروج المشرف لم يحسبوا أنهم سيخرجون أحياء فهم يتداولون السلطة مع الموت فقط.

2. الكاف والنون: ما حدث في مصر يجب أن يرسخ عندنا اليقين أن كل ما يجري من أمور وأحداث تجري بقدر الله، وأن الأصابع التي توهم العالم أنها قادرة على كل شيء ليست إلا أسباباً لا تملك من أمرها شيء. وأن المخدوعين هم الذين يسارعون فيهم ويقولون نخشى أن تصيبنا دائرة، وأن الأنداد التي تعبد وتوهم الناس بقدرتها أضحت عاجزة متخبطة. وأن كل التخطيط والإعداد وسيناريوهات التوريث والتجهيز والأموال التي تصرف والزعماء الذين يُصنعون واراء الخبراء واستشارات مراكز الأبحاث تقف مشلولة أمام الكاف والنون (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون). فلنوقن بذلك أشد اليقين ولنجدد عهدنا مع الله – فقد يكون العالم الظالم المادي قد زعزع تلك القناعة - ولنطمئن لما يجري ونسلم نواصي قلوبنا لله، (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء، فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، ولو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف).


أراني مكتفيا بذلك في هذا الشطر من المقال وأكمل بإذن الله قريباً وأختم بقول الله تعالي ((فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض )). ((وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)).

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الدكتور جواد سليم إبراهيم سليم الأغا

اظهر المزيد