مقالات

رحمانيّات ربانية ( 23 ) مدخل إلى الخطاب القرآني- بقلم المنتصر بالله حلمي

بسم الله الرحمن الرحيم
( رحمانيّات ربانية )
( 23 )
مدخل إلى الخطاب القرآني

 

 الحمد لله رب العالمين العليم الفتاح ، القهّار فوق عباده والخبير واللطيف بهم ، والهادي إلى سواء السبيل ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم في الأولين والآخرين ، ونحمده على جميع نِعَمِهِ وآلاءه ، الظاهرة والباطنة .

من يقرأ القرآن الكريم يلاحظ أن الخطاب القرآني في القرآن الكريم يخاطب الناس أجمعين ويشمل المسلمون وغيرهم في حالات ، ويخاطب المؤمنين في حالات أخرى ، فقال تعالى في كثير من الآيات يخاطب الناس جميعهم :‘‘ يا أيّها الناس.. ’’ ، وخصَّ المؤمنين بقوله جلَّ شأنه :‘‘ يَا أيُّهَا الّذين آمنَواْ ..’’ ، وعلينا أن نلاحظ أن الله تعالى لم ينزّل في كتابه الكريم قول : ( يا أيها الذين أسلموا ) . يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : إذا سمعت الله يقول :( ‘‘ يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمنُوا ..’’ ، فارْعِهَا سَمعَكَ ، فإنّها خيرٌ تُؤمَر به أو شرٌّ تُنهَى عنه ، ومن أهم ذلك وأعظمه ما بعثه الله به من الأمر بعبادته وحده لا شريك له ، والنهي عن عبادة ما سواه كما أرسل به جميع رُسُلُهُ قبله صلّى الله عليه وسلّم ) ، وهذا توجيه هام وأساس من صحابي كريم جليل للمسلمين عامةً والمؤمنين خاصةً . وكلنا يعلم أن الإسلام دعوةٌ لكل الناس ولكل البشر ، فبعث به رسوله الكريم المختار سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، مصداقاً لقول الله تعالى في سورة الأعراف ( آية 158):‘‘ قُلْ يَا أيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ جَمِيعَاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ لآ إلَهَ إلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللهِ وَرِسُولِهِ النَّبيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ’’ . وقال تعالى في سورة سبأ (آية 28):‘‘ وَمَا أرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَةً لِلنَّاسِ بَشِيرَاً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ’’. والمرء يصير مسلماً بثلاثة أشياء : نصٌ ، ودلالةٌ ، وتبعيةٌ ، فالنـصٌ : وهو القول الصريح الدال على اعتناق الشخص عقيدة الإسلام ، بأن يتلفظ من دخل الإسلام بالشهادة بأن يقول:( أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمّداً رسول الله ) وأن يتبرأ من الكفر والشرك .

والدلالة بأن يأتي بما يدل على اعتناقه الإسلام من أركان تندرج تحت الإسلام كالصلاة مثلاً إلى قبلة المسلمين نحو الكعبة الشريفة . والتبعية : وهو الحكم على الصغير قبل البلوغ بالإسلام تبعاً لوالديه المسلمَيْن . أما المسلم فيصير مؤمناً بدلالات كثيرة سبق بأن أتينا على كثير منها . ولا نجد من الله تعالى في الخطاب القرآني إلى المؤمنين إلاّ الرفق والرحمة والنصيحة والدلالة على طريق الخير وإصلاح أنفسهم وسلوك الطريق الصحيح ، وتذكيرهم بنعم الله عليهم ظاهرةً وباطنه . فالله تعالى يشفق على المؤمنين من العاقبة إن لم يتبّعوا ما جاء فيما بعد النداء من خيرٍ:( يا أيّها الذين آمنوا ..) . أمَّا في الخطاب القرآني الموّجه للناس ـ فكما ظننته ـ يختلف ، فنراه وكأنه تحذير لهم من عاقبة الأمور إذا لم يُعْمِلوا عقولهم ، ويؤمنوا بما أنزل الله تعالى على سيّدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم . ومن أمثلةً من الخطاب القرآني الموجّه للمؤمنين ، ولنُعْمِلْ عقولنا في تلك الآيات القرآنية والتوجيهات فيها : _ قول الله تعال في سورة البقرة ( آية 153): ‘‘ يَأيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالّصَلاةِ إنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ ’’. - قوله تعالى في سورة آل عمران(آية 118): ‘‘ يَأيُّهَا الَّذِينَ ءِآمَنُواْ لا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَألُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَت البَغْضَآءُ مِنْ أفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّـا لَكُمْ الأَيآتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ’’ . - قوله تعالى في سورة المائدة (آية 11):‘‘ يَأيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إذْ هَمَّ قَوْمٌ أن يَبْسُطُواْ إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَعَلَى اللهِ فَليَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ ’’. - قوله تعالى في سورة التحريم: ‘‘ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءِآمَنُواْ قُواْ أنفُسِكُمْ وَأهْلِيكُمْ نَارَاً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللهَ مَآ أمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(6) . - قوله تعالى في سورة التحريم : ‘‘ يَأيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُواْ تُوبُواْ إلَى اللهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَـى رَبُّكُمْ أن يُكَّفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلِكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أيْدِيِهِمْ وَبِأيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ(8) ’’ . ولنعلم أن فعل ( عسى ) في القرآن الكريم ليس للتمني بل هو للتوكيد ، فمن تاب من المؤمنين توبةً نصوحاً ، فإن الله تعالى سيغفر له ذنوبه ويبدلها له حسنات .

ومن أعْمَل عقله وقلبه يلاحظ الفرق في أسلوب المخاطبة من الله تعالى إلى المؤمنين من جهة والكفّار من جهة أخرى ، وهذا ـ كما أعتقد ـ يؤكد ما قلناه في حنوّ وعطف الله تعالى على المؤمنين دون سواهم ، يذَكِّرهم بِنِعَمِهِ عليهم ظاهرةً وباطنه ، فالله تعالى يرحمهم ويشـفق عليهم من سوء العاقبة إن لم يتبعوا ما جاء فيما بعد النداء ‘‘ يا أيّها الذين آمنوا..’’ . وتلك الرحمة والنصح لا نجدها في الخطاب الموّجه للناس كافةً . ولننظر في قول الله تعالى من سورة الحديد الآية (16):‘‘ ألَمْ يَأنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أنْ تَخْشَعْ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهَ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ’’ ، وأولئك الّذِين آمنوا ، ولم تخشع قلوبهم لذكر الله تعالى تمام الخشوع ، لأنهم يظنّون بالله تعالى الظنّ الحسن في مغفرته ، ولكن حُسن الظن يجب أن يرافقه حُسن العمل الذي يعكس حُس الظنّ . وهنا في تلك الآية الكريمة وكأن الله يعاتب الّذين آمنوا بِرِقّةٍ ويسألهم:( ألم يحن الوقت للتوبة والخشوع لما أمرتكم به ونزل من الحق على رسوله الكريم صلّى الله عليه وسلّم؟ ) .

وفي هذا يقول الحسن بن علي رضي الله عنهما: ‘‘ إن قوماً ألْهَتْهُمْ أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا بغير توبة ، يقول أحدهم:( لأني أُحسن الظن بربي ) وكَذَب ، فلو أحسن الظن لأحسن العمل ’’ . ويقول الإمام النووي :( إن حُسن الظن بالله أن يظن العبد أن الله تعالى يرحمه ، ويرجو ذلك بتدبّر الآيات والأحاديث الواردة في كرم الله تعالى ، وعفوه وما وعد الله تعالى به أهل التوحيد وما سيصيبهم من رحمته يوم القيامة ) .

 وفي الحديث عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم على حمارٍ فقال:‘‘ يا معاذ ، هل تدري ما حق الله على عباده ، وما حق العباد على الله ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ، ولا يشركوا به شيئاً ، وحق العباد على الله ألاّ يُعذِّب من لا يشرك به شيئاً ، فقلت : يا رسول الله ، أفلا أبشِّر الناس ؟ قال : لا تبشرّهم فَيَتِّكِلُوا ’’ ، ولكن ثأثّماً فقد أبلغ معاذ رضي الله عنه بالحديث قبل وفاته . ويختلف الخطاب القرآني للناس كافة في جوهره عن الخطاب القرآني للمؤمنين ، فقضية التوحيد وكلمة التوحيد ( لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ) هي قضية القضايا والقضية الأساسـية للناس ، فالله تعالى جلَّ شأنه ما خلق الناس إلاّ ليعبدوه وتحقيق عبوديتهم له وألوهيّته لهم جلَّ شأنه ، مصداقاً لقوله تعالى في سورة الذاريات (آية 56 ): ‘‘ وَمَا خَلَقْتُ َالجِنَّ والإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ ’’ . ولو نظرنا في الخطاب القرآني للناس كلفة لوجدنا أن مسألة التوحيد وعبادة الله الواحد الأحد هي القضية الأساسية في إرشادهم إلى إتبّاع دين الإسلام خاتم الأديان ودين الحق الذي بشّرت به الأديان كافة من قبله . وتحذير لمن حاد عن طريق التوحيد ، فمن لم يؤمن بوحدانية الله تعالى ، وبالرسالة التي أُنزِلَت على سيّدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم فهو يسوق نفسه لجهنم ، ويوم القيامة لا يقبل منه توبةٌ ولا اعتذاراً مصداقاً لقوله تعالى في سورة التحريم (آية 7):‘‘ يَأيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ اليَوْمَ إنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ’’ .

ومن أمثلة الخطاب القرآني للناس كافةً على سبيل المثال لا الحصر: - قول الله تعالى في سورة البقرة (آية 21): ‘‘ يَأيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ’’ . - وقوله تعالى في سورة النساء (آية 1):‘‘ يَـأيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنهُمَا رِجَالاًَ كَثِيرَاً وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبَاً ’’ . - قول الله تعالى في سورة النساء (آية170): ‘‘ يَأيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْرَاً لَكُمْ وَإنْ تَكْفُرُواْ فَإنَّ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمَاً حَكِيمَاً ’’ . - وقوله تعالى في سورة يونس (آية 108): ‘‘ قُلْ يَأيُّهَا النَّاسُ قّدْ جَاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن اهْتَدَى فَإنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أنَاْ عَليْكُمْ بِوِكِيلٍ ’’ . - وقوله تعالى في سورة الحج (آية 1) : ‘‘ يَأيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إنَّ زَلزَلَةًَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ ’’ . - وقوله تعالى في سورة فاطر (آية 5) : ‘‘ يَأيُّهَا النَّاسُ إنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَـا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ ’’ . - وقال تعالى في سورة النساء (آية 174):‘‘ يَّأيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأنْزَلْنَا إلَيْكُمْ نُورَاً مُّبِينَاً ’’ .

فلننظر بقلوبنا وعقولنا ونضع أنفسنا مع زمرة المؤمنين لننال السعادة في الآخرة . ونسأل الله تعالى تلك النعمة في الدنيا ، والنعيم في الآخرة ، وأسأله تعالى أن يرحم كل شهدائنا وأموات المسلمين وأن يفرج عنّا وأهلنا ، اللهمَّ آمين ، وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وآخر دعو ربّ العالمين .

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. المنتصر بالله حلمي أحمد الأغا

اظهر المزيد