مقالات

( رحمانيّات ربانية ) ( 28 ) مُرَاجَعَةٌ- أ. المنتصر بالله حلمي أحمد الأغا

 

بسم الله الرحمن الرحيم

( رحمانيّات ربانية )

( 28 )

مُرَاجَعَةٌ

 

الحمد لله والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، ونسأله تعالى أن يتم علينا نعمة الهدى والتوبة ومعرفة الخيرات وإتباعها ، أنه هو السميع العليم المجيب .

في هذه الأيام العصيبة وما يدور حولنا وفي شرقنا وغربنا على الطين العربي ورماله الصفراء تختلط المشاعر عندما نرى اختلاط الدماء والأشلاء ملتصقةً على حجارة وطين واسمنت ما كان بيتاً ، وقطعٌ من اللحم الآدمي تفحّمت على حديد ما كان سيارة ، وقطعٌ أخرى متناثرة على أرصفة الطرقات ، وضرب الأٌقوياء لمن يعتبرونهم ضعفاء ويتآمرون عليهم يريد أكلهم وهضمهم بلا أدنى إحساس بالذنب ، بل زهواً بنصرٍ يقهرنا . وتنهال علينا جميعاً الصفعات واحداً واحداً ومن الماء إلى الماء ومن أقصى الرمال الحمراء إلى أدنى الرمال الصفراء ، بل بعضنا يساعد غيرنا ويتآمر على صفعنا وقتلنا بالعصا والمال والكلمة ، وبعضٌ آخر يتفرج ولا يفعل شيئاً ويتحسّب ويتحسس رأسه - حتى ولو لم يبق فيه إلاَ شعيرات قليلة - ويتمتم بكلمات لا نفهمها ، ولا ندري أيتحسّب علينا أم على هوانه على نفسه وضعفه ، ويمرر علينا وإلينا من تحت المقاعد التي يجلس عليها المصائب خوفاً على ضياع مقعده ، وهو قد لا يدري أنه على القائمة آتيهِ غداً ما يُفعل بغيره اليوم ، أمّا التزلف من بعض الضعفاء لبعض الأقوياء فهو على أشده لعلّ وعسى يرضوا علينا ، وقد نسواْ رضوان الله وقوته العظمى الوحيدة ؟!! .

من هنا وبالرغم من كل أحاسيس الإحباط والقهر ، يتنعّم المؤمن بأنوار وأفضال الإيمان التي تذّوقها فذاق لذّة وطعم الرضا الإيماني ورضاء النفس وأن الله لا يخذل المؤمنين ، بل يبتليهم ويمتحنهم ليمكنّهم ، فتبقى روح المؤمن المتذوّق متعطشة لنصر من الله يعكسه رضاً وطمأنينةً في قلبه ، ولنا أسوة طّيبة برسول الله صلّى الله عليه وسلّم . من أجل هذا يراجع المؤمن نفسه في كل وقت على كل صغيرة وكبيرة من قول أو فعل لأنه يدرك أن كل شيء مكتوب عليه سيجده أمامه مصداقاً لقوله تعالى في سورة الكهف آية (49):‘‘ وَوُضِعَ الكِتَابُ فَترى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِيِنَ مِمَّا فِيهِ وَيقُولُونَ يَا وَيْلَتَنا مَالِ هّذا الكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وِلا كَبِيرَةً إلاَّ أحصَاهَا وَوَجَدُوأ مَا عَمِلُواْ حَاضِرَاً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدَاً ’’ ، وقد علّمَنَا سيّدنا عبد الله بن عباس أن الصغيرة هي الابتسامة والكبيرة هي الضحكة . ومن راجع نفسـه وإن صدقت نيّته فيعينه الله تعالى على ذلك ، وهذا إن شاء الله هو المؤمن . وسلوك المؤمن أمانة في عنقه سيحاسب عليها فلا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له ، فليراجع نفسه من نقض وخان عهداً ومن خان أمانة ولم يحافظ عليها ، ومن كذّب ودلّس وغدر واغتصب حقاً ليس له ، ومن نافق وخدع وغدر وغشّ وسرق واختال على الناس ، ومن كذب وشهد زوراً ومنع حقّاً من حقوق الله تعالى ، ومن عقّ أبويه ، ومن افترى على جاره واعتدى عليه ومن زل لسانه في الناس بغير حق ، وشمت عند مصيبة غيره ، ومن اغتصب أرضاً بل شبراً من ارض - وحتى لا يطوقه الله بسبع أراضين يوم القيامة - ، فليراجع نفسه . والمؤمن صادقٌ مع الله تعالى ومع النفس والناس ، وهو خيرٌ في نيّته وسريرته كما هي علانيته مبادراً إلى الخيرات ، وهذا كله من الرحمات الربانيّة التي يرحمنا بها الله تعالى ، نسأله تعالى أن يمن علينا بكل هذا ، اللهمَّ آمين .

والمسلم وإن صلّى وصام وزّكى وحجَّ بيت الله الحرام عليه دائماً أن يحاسب نفسه ، ويراجع إيمانه ويُصلح ما لم يَصْلُح منه ، ويحاول ما استطاع أن يكون مؤمناً حقاً ابتداءً من نيّته وسريرته إلى مظهره وفعله وسلوكه ، حتى يلقى الله تعالى بنوايا حسنةً وعمل صالح ، ولا يحسبن أحدُ أن الموت بعيد عنه بل هو قريبٌ قريب ، والحساب هناك عسيرٌ عسير .

أما من غلب شرّه على خيره فليجهز نفسه للنار مصداقاً لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:‘‘ من بلغ الأربعين ولم يغلب خيره على شرّه فليجهز نفسه للنار’’ . والموت محطتنا الأخيرة سننزل بها جميعنا لا محالة ، وعند الموت وبعده تنكشف الحقيقة التي تجاهلناها أو تناسيناها في الدنيا ، ويرى الكافر والمنافق والعاصي بأم عينه ما وعد الله تعالى فيندم على سوء عمله في الدنيا فيطلب الرجعة للدنيا لعلّه يعمل صالحاً - كما يدّعي - ولكن لا عودة !! ، فقد أتتهم آيات الله تعالى في الدنيا ولم يؤمنوا ، مصداقاً لقوله تعالى في سورة المؤمنون:‘‘ حَتَّى إذَا جَاء أحَدَهُمْ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلّي أعْمَلْ صَالِحَاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إنّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)’’ .

من أجل هذا يجمّل ويُحسِّن المؤمن متاعه الذي سيحمله معه إلى محطته الأخيره . وهنا نورد ما رُوِيّ عن الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى ، وقد تنفع المراجعة لمن ألقى السمع وهو شهيد . أخبر ميمون بن مهران عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فقال: ( شيّع رحمه الله جنازة من أهله مرّة ثم أقبل على أصحابه ووعظهم فذكر الدنيا فذمّها وتنعّمهم فيها وما صاروا إليه بعدها من القبور ، فكان من كلامه أنه قال:‘‘ إذا مررت بهم فنادهم إذا كنت منادياً وادعهم إن كنت داعياً ومرَّ بعسكرهم وانظر إلى تقارب منازلهم سلْ غنيّهم ما بقي من غناه ؟ وسلْ فقيرهم ما بقي من فقره ؟ وأسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون وعن الأعين التي كانوا للملذات بها ينظرون وسلهم عن الجلود الرقيقة والوجوه الحسنة والأجساد الناعمة ، وما صنع الديدان تحت الأكفان وعُفِرت الوجوه ومُحٍيت المحاسن وكُسِرَت الفقارة وبانت الأعضاء ومُزِّقت الأشلاء وأين حُجَّابهم وقبابهم ؟ وأين خدمهم وعبيدهم وجمعهم وكنوزهم وكأنهم ما وطئوا فراشاً ولا وضعوا هنا متكأً ولا غرسوا شجراً ولا أنزلوهم من اللحد قراراً ، أليسوا في منزل الخلوات ؟ أليس الليل والنهار عليهم سواء ؟ أليسوا في مدلهمّةٍ ظلماء قد حِيلَ بينهم وبين العمل وفارقوا الأحبة وكم من ناعم وناعمةٍ أضحوا ووجوههم بالية وأجسادهم من أعناقهم بائنةٌ وأوصالهم ممزقة وقد سالت الحُدُقُ على الوجنات وامتلأت الأفواه دماً وصديداً ودبّت دواب الأرض في أجسادهم ففرقت أعضائهم ثم لم يلبثوا إلاّ يسيراً حتى عادت العظام رميماً فقد فارقوا الحدائق وصاروا بعد السعة إلى المضائق ، قد تزوجت نساؤهم وترددت في الطرقات أبناؤهم ، وتوزعت القرابات على ديارهم وقراهم ، فمنهم والله الموسَّع له في قبره الغض الناظر فيه المتنعّم بلذاته ، يا ساكن القبر غداً ما الذي غرّك من الدنيا أين دارك الفيحاء ونهرك المطرّد ؟ وأين ثمارك اليَنِعَةُ وأينَ رقاق ثيابك ؟ وأين طيبك وبخورك ؟ وأين كسوتك لصيفك وشتائك ؟ أما رأيته قد زَلَّ به الأمر فما يدفع عن نفسه دَخَلاَ وهو يرشح عَرَقَاً ويتلمّظ عطشاً ، يتقلب في سكرات الموت وغمراته ، جاءه الأمر من السماء وجاء غالب القدر والقضاء ، هيهات يا مغمض الوالد والأخ والولد وغاسله ، يا مكفّن الميّت ، يا مدخله في القبر وراجعاً عنه ، ليت شِعرِي بأي خدّيك بدأ البلى ، يا مجاور الهلكات صرت في محلة الموت ، ليت شعري ما الذي يلقاني به مَلَك الموت عند خروجي من الدنيا وما يأتيني به من رسالة ربي ) .

وبعد مقالته هذه انصرف الخليفة عمر بن العزيز وعاش بعدها جمعة واحدة . لذلك فالمؤمنون يحذرون مكر الله تعالى ، وهم عبّاد شاكرون على كل حال ، ويعملون بعمل الآخرة كأنهم ميّتون في ساعتهم ، فالمرء لا يدري من أين يأتيه الاختبار من الله تعالى ، والحساب بعد الموت إمّا يسيراً لمن أعطى واتَّقى أو عسيراً لمن بَخِل واستغنى ، فإمَّا عذاب إلى يوم القيامة حيث العذاب الأكبر في نار جهنّم والعياذ بالله ، وإمَّا نور وروضٌ من رياض الجنّة ورَوْحٌ وريحان وجنّات نعيم عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين .‘‘ ربَّنَا لاَ تُزْغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهَّابُ(8)’’( آل عمران).

أسأل الله تعالى في هذه الأيام والليالي الفضيلة والكريمة أن يرحمنا برحمته وأن يتولانا بكرمه وعطفه وجوده ومغفرته وهو ارحم الراحمين ، وأن يرحم أموات وشهداء المسلمين ووالديَّ وأن يرفع درجاتهم في أعلى عليين في الفردوس الأعلى مع النبيين والصدّيقين وحَسُنَ أولئك رفيقاً ، وأن يرحم ويغفر لمن كان سبباً في هذه الرحمانيّات الربّانية ، اللهمَّ آمين ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين .

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. المنتصر بالله حلمي أحمد الأغا

اظهر المزيد