مقالات

نحو مأسسة النشاط العائلي- أ. جواد سليم إبراهيم الأغا

 


لقد حبانا الله تعالى بنعم عظيمة وآلاء عميمة أعلاها نعمة الإسلام ثم نعمة الاصطفاء على أرض الرباط وغيرها من النعم التي نعجز عن عدها وإحصاءها. وقد ميزنا الوهاب نحن في آل الأغا أيضاً بنعمة يغبطنا عليها الأحباب ويحسدنا عليها غيرهم، ألا وهي أننا ننتسب لعائلة الأغا الكريمة التي حق لنا جميعا أن نفخر بها. وهذا بالمناسبة لا يتعارض البته مع انتمائنا الأول والأخير والأبدي لإسلامنا العظيم فنحن هنا لا نتحدث بلسان العصبية الجاهلية المنتنة بل نفخر بأجداد كرام حاكوا لنا حلل الإرث الطيب ورسموا لعائلتنا صورة مشرقة، الأمر الذي نلمسه جميعاً في تعاملاتنا مع الآخرين ونطرب به من خلال نبرات الإعجاب والإطراء التي يشدو بها الآخرون تجاه اسم العائلة في الداخل والخارج.
وقد جاء بعد السلف الكريم خلف كريم حفظ أمانة الاسم الكريم واستمر العطاء وبرز المبدعون في كل الميادين. فعائلتنا كانت ولا زالت صاحبة قصب السبق في الكثير من المجالات، فهي لم تترك باباً للخير إلا وطرقته .... ولا منفذا للإبداع إلا وفتحته .... ولم تدع مدخلا للتميز إلا وولجته ... كيف لا ومنا عشرات الحفاظ لكتاب الله المبين .... ومنا الدعاة والأئمة الربانيين.... ومنا الشهداء والمجاهدين.... ومنا الوزراء والقادة المخلصين.... ومنا الأكاديميين والعلماء المميزين.... ومنا الأطباء والمدراء والمربين.... ومنا ومنا ومنا.
إن الإرث العظيم الذي ترك لنا والواقع اليانع المعاش الآن يلقي على كواهلنا مسئولية عظيمة لا تتعلق فقط بكيفية المحافظة على ذلك بل وتتعداه عبر الانطلاق إلى رحاب أوسع من التميز والرقي والتماسك والتعاضد. إن الانطلاقة المرجوة للعائلة هي مسئولية الجميع فرداً فرداً، وهي مسئولية كبيرة تحتاج إلى تكامل الجهود ورص الصفوف والعمل الجماعي الذي أصبح سمة مميزة لهذا العصر المزدحم بالمتغيرات والمتخم بالمستجدات. فلا يخفى على الجميع أننا بتنا نعيش في عصر البطولات الجماعية والإنجازات المتراكمة، وأصبحت قيم العمل الجماعي والثقافة المؤسسية هي السمة الغالبة وهي كلمة السر لنجاح جميع المؤسسات والكيانات في كافة المجالات. فلا يوجد في هذا الكون "سوبرمان" أي شخص يفهم في كل شيء ويستطيع فعل أي شيء وبدونه لا يمكن عمل شيء. وقد تعلمنا في علم الإدارة أن استمرارية المؤسسات والكيانات المختلفة وثباتها وقدرتها على تحمل الهزات وعدم الاستقرار مرده إلى وجود منظومة عمل دقيقة وثقافة مؤسسية واعية تمكن المؤسسة من التعامل مع كافة المتغيرات باحتراف ومهنية ولا تبقي قرار المؤسسة مرهوناً بشخص بعينه. وأزعم أن من أهم الدروس المستفادة من الثورات العربية على صعيد الإدارة العامة أن غياب العمل المؤسسي والمنظومة المتكاملة هو الذي أدى إلى سرعة انهيار الأنظمة الحاكمة في تلك الدول وتعاقب سقوطها المدوي برغم ما تمتلكه هذه الأنظمة من قوى أمنية وترسانة أسلحة وجيوش من المتنفذين الأتباع وغير ذلك لكن النظام بمجمله كان قائما على شخص واحد أو أكثر والجميع يدور في فلك هذا الشخص وهنا مكمن الداء.
لا أريد الإطالة في الحديث النظري البحت، لذا فإن الهدف من هذا المقال هو كما يقال تعليق الجرس ولفت النظر لأهمية العمل الجماعي وضرورة إيجاد مؤسسة ناظمة للعمل في العائلة بغض النظر عن شكلها وطبيعتها الأمر الذي سيسهم وبفاعلية في تطوير العمل والارتقاء به والحفاظ على استمرارية وديمومة الإنجازات ليس فقط في خدمة العائلة بل وفي خدمة خانيونس وفلسطين بشكل عام. لقد تحدثت في موضوع تطوير العمل العائلي ومأسسته وتنظيمه مع العديد من الأخوة الكرام من أبناء العائلة وتبادلنا العديد من الأفكار حول هذا الموضوع، وفي هذا السياق فإنني أشكر الأخ والصديق العزيز أمجد نعيم يوسف الأغا الذي أثرى موضوعات هذا المقال فلطالما كان لقضايا الشأن العائلي النصيب الأوفر من جلسلتنا ولقاءاتنا المستمرة. وقد خلصت من خلال اللقاءات والنقاشات إلى أننا نستطيع النهوض والإبداع، فمقومات نجاحنا وفيرة وعوامل تميزنا كثيرة وفي المقابل فمعاول الفشل لا تكاد تذكر ويمكننا بالإخلاص والعزيمة والتعاون أن نتغلب عليها. وقد كان للمبادر الأول أستاذنا المرحوم بإذن الله د. إحسان خليل السهم الاول في هذا المجال، فقد كان مشروع النهوض بالعائلة همه الأسمى واستطاع أن يبدأ المشوار في تغيير الثقافة من خلال همته العالية وأفكاره النيرة ولا ننسى مبادراته في طرح العديد من الأفكار في هذا المضمار الأمر التي كان لها الأثر العظيم.
ولا أخفي سراً إن قلت أنني فوجئت بحجم الأعمال والنشاطات والمساهمات التي يقوم بها أفراد كرام من العائلة قربة إلى الله من خلال خدمة أهلهم ومساعدتهم والتخفيف عنهم وإدخال الفرحة إلى قلوبهم ورسم البسمة على شفاههم. ومما زاد من عجبي وإعجابي أن عدد محدود من أبناءنا المخلصين في الخارج والداخل هم من يتكفل بمعظم نشاطات العائلة الثقافية والاجتماعية وغيرها. وعندئد شعرت على صعيدي الشخصي بالتقصير وتساءلت لِم لا أركب معهم فأفوز فوزاً عظيما؟؟؟ لِم أضيع الأجر الوفير؟؟؟ لِم يفوتني قطار الأجر وقطار الصلة؟؟؟ وهذا هو بالتحديد المحرك الذي دفعني لطرق هذا الباب وتحرير هذا الخطاب الموجه لكل الأخوة والأحباب. كذلك فقد أحسست أن الكثير من أبناء العائلة في الداخل والخارج لديهم الرغبة في المساهمة والدعم لكنهم بحاجة لمنظومة عمل وكيان واضح المعالم للعمل والمساهمة من خلاله.


أفكار مبدئية


قبل أن أبدا بطرح بعض الأفكار ذات الصلة لا بد من تكرار الإشارة إلى أن ترسيخ مفاهيم العمل الجماعي ومأسسة العمل تهدف بالدرجة الأولى - كما ذكرت انفاً - إلى الحفاظ على المكانة المرموقة للعائلة وتعزيز هذه المكانة عبر توسيع قاعدة المشاركة واستمطار الأفكار الإبداعية والتحليق في افاق أوسع من التميز وتشكيل نموذجاً ناصعاً يحتذى به. كذلك فإن إدارة النشاطات بطريقة احترافية مميزة سيسهم في تشجيع الكرام الذين يحملون عبء الدعم المالي والمساندة على المزيد، كما وسيشجع اخرين على المشاركة والانضمام لتلك الثلة المباركة الذين يتمثلون الاية الكريمة ((وتعاونوا على البر والتقوى)).
يمكن بلورة الكثير من الأفكار والمشاريع التي قد تسهم في تطوير العمل وتقويته وفيما يلي بعض الأمثلة التي قد تشكل مدخلاً للعمل وتحفز الغيورين على أن يجودوا بدرر أفكار إبداعية أخرى:

• إنشاء صندوق زكاة عائلة الأغا
تقدر زكوات مال أبناء العائلة بعشرات الآلاف من الدنانير، وأنا أعرف العديد من أفراد العائلة الذين يحتارون في أين وكيف يوزعوا زكوات أموالهم وصدقاتهم على الرغم من أن العشرات من الأسر المستورة في العائلة هم بحاجة حقيقية للمساعدة. إننا تعلمنا من هديّ رسولنا الكريم أن دفع الزكاة للأقرباء فيه أجر الزكاة وأجر الصلة. هذا الأمر بحاجة لترتيب وإدارة جيدة من قبل مجلس إدارة من المتخصصين الشرعيين والمحاسبين وغيرهم، خاصة لتحديد الفئات المستفيدة من الصندوق وإعداد قواعد بيانات لهم وإجراء مسوح اجتماعية سرية لتقدير مدى حاجتهم للمساعدة ومتابعة الأمر. ويمكن كذلك في حال وجود فائض أن يتم وباسم العائلة تقديم الفائض للمؤسسات والجمعيات الأهلية الأخرى العاملة في محافظات غزة.

• تأسيس شركة مساهمة لأبناء العائلة
أري أن تأسيس شركة للعائلة بأموال مساهمين من أبناء العائلة يجب أن يكون الهدف المركزي لعائلتنا خلال الفترة المقبلة، حيث أننا بحق بحاجة لذلك لتحقيق جملة من الثمار أهمها تشغيل جزء من أموال أبناء العائلة، وتوفير عدد من الوظائف لعدد من المعطلين عن العمل، كذلك توفير جزء من الأرباح لضمان استمرارية التمويل المطلوب لنشاطات العائلة وغير ذلك من الثمار الإيجابية. ولضمان نجاح هذه الشركة يجب التعامل معها بمهنية وشفافية مبتعدين عن الخواطر والمجاملات وهذا الأمر يحتاج لترتيب دقيق ومجلس إدارة على درجة عالية من الكفاءة والمهنية والحزم مع ضرورة تقاضي القائمين على هذا الأمر جزء من الأرباح كحوافز لهم.

• مأسسة صندوق دعم الطالب الجامعي وإعداد لائحة داخلية له
صحيح أن هناك العشرات ممن يستفيدوا من المساعدات المقدمة للعديد من طلاب العائلة لتغطية رسوم جامعاتهم إلا أن هذا الأمر بحاجة إلى مأسسة وترتيب وإعداد لائحة للصندوق كي يصبح "صندوقا دواراً" (أي صندوق يقدم قروضاً حسنة بفترات سداد طويلة وشروط سداد ميسرة وذلك لضمان استمراريته). هذا الأمر يتطلب المزيد من التعمق والدراسة نظراً للأهمية الاستراتيجية لهذا الموضوع على صعيد بناء قاعدة بشرية متخصصة من أبناء العائلة.

• تشكيل هيئة إصلاح وتحكيم في العائلة
طفت على السطح في الآونة الأخيرة العديد من المشاكل والخلافات بين أفراد من العائلة - وهذا الأمر طبيعي في كل تجمع بشري – وبتتبع هذه المشاكل يتبين أن أغلبها يرجع إلى خلافات على الحقوق والأراضي وقد تتطور الخلافات لتصل إلى الشرطة أو المحاكم الأمر الذي قد يسيئ لصورتنا أمام الآخرين. ولأن إصلاح ذات البين من أعلى العبادات وأسماها فقد نبعت هذه الفكرة للعمل على حل الخلافات داخل أسوار العائلة من خلال هيئة إصلاح وتحكيم تضم عدد من المتخصصين الثقات الذين من الممكن أن يستعينوا إن لزم الأمر بآخرين من خارج العائلة. كذلك يمكن إجراء ترتيبات معينة مع الجهات الرسمية بحيث تقوم هذه الجهات بتوجيه أي متخاصمين من داخل العائلة لهذه الهيئة وإلزامهم بتنفيذ القرارات التحكيمية الصادرة عنها.

• تفعيل وتنظيم صندوق الاشتراكات الشهرية لأبناء العائلة القادرين على الدفع
هذا الصندوق سيسهم وبدرجة كبيرة في تغطية الجزء الأكبر من النشاطات الروتينية للعائلة مثل احتفالات تكريم المتفوقين والخريجين وغيرها. (وبحساب بسيط فإن المتوقع أن يتجاوز العدد القادر على الدفع والمساهمة 500 شخص وبافتراض أن الاشتراك الشهري المتفق عليه 2 دينار فإن المبلغ الذي سيتم تجميعه بنهاية العام 12 ألف دينار وهو مبلغ جيد لتغطية النشاطات العائلية المتنوعة).

• عدم إغفال النشاط النسوي في العائلة
لم تحظ النشاطات النسوية في العائلة خلال الفترة السابقة بالتركيز على الرغم من أهمية العنصر النسائي كونه يمثل نصف العائلة هذا بالإضافة إلى أنه يربي النصف الاخر. لذا يجب الاهتمام بهذا الجانب خاصة وأن العائلة بها العديد من العناصر النسائية الفاعلة مجتمعياً. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد حدثني أحد كوادر وزارة التربية والتعليم عن الدور البارز والبصمة العميقة التي تركتها د. هيفاء فهمي الأغا في الوزارة وعن الفراغ الكبير الذي تركته عند تقاعدها. لذا يتعين علينا الاستفادة من عطاء وهمة نماذجنا النسائية المشرقة التي تزخر بها العائلة.

• عقد ورش عمل وجلسات عصف ذهني
هناك الكثير من المجالات التي يمكن من خلالها الإبداع والتميز وهناك العديد من المبدعين داخل العائلة الذين سيبدعون اكثر وأكثر لو اتيح لهم المجال. لذا يمكن المبادرة بعقد عدد من حلقات النقاش وورش العمل التخصصية يشارك فيها كل من يريد وكل من لديه الدافعية الذاتية للعمل. بحيث يقسم النشاط العائلي لمحاور وتختص كل ورشة بمناقشة محور بعينه على أن تفضي هذه اللقاءات إلى تقديم تصورات مكتوبة وتشكيل لجان متخصصة لإعداد الخطط التنفيذية.

في النهاية أود التأكيد أن الأفكار السابقة ليست إلا جزء من كل، وقليل من كثير وهي وغيرها من الأفكار بحاجة إلى من يضعها موضع التنفيذ وفقاً لأولويات واضحة وجدول زمني محدد. ذلك أن الإمكانيات البشرية والمادية والإدارية في العائلة قد لا تكفي للقيام بكل النشاطات وتنفيذ الأفكار التي ستطرح. لذا يتوجب أن يتم تحديد الأولويات من خلال جلسات العصف الذهني وورش العمل المقترحة والعمل على تنفيذها من خلال إطار مؤسسي واضح المعالم يجب الاتفاق عليه. كما أتمنى من الجميع العمل على إثراء النقاش وتطوير الافكار السابقة من خلال تقديم أفكارهم المكتوبة التي ستكون أساساً للعمل المستقبلي بإذن الله. وقبل أن اختم أود أن أضع بين أيدي قرائي الأعزاء رؤيتي للمفاتيح الستة لنجاح أي عمل على صعيد العائلة:
• القناعة أن العمل العائلي جزء من العمل للدين إن صلحت النية وحسن القصد
• تعزيز ثقافة العطاء والبذل.
• الاقتناع واليقين أن الأقربين أولى بالمعروف وبالمساعدة وبالمساندة
• التعاون والمشاركة من قبل الجميع فالكل له دوره وله إمكانياته وقدراته
• تجاهل أي خلفيات سابقة أو رواسب قديمة وفتح صفحة جديدة مع الجميع
• تحييد الإنتماءات السياسية جانباً في العمل العائلي، وتعزيز ثقافة إحترام الغير

والله من وراء القصد


اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الدكتور جواد سليم إبراهيم سليم الأغا

اظهر المزيد