في ذمة الله

والدي المستشار الأمير ... في رحلة الوداع الأخير- طاهر يونس

والدي المستشار الأمير ... في رحلة الوداع الأخير


غادرت الوطن أيها الغالي وتركت خلفك سنوات عمر، قضيتها بالحب والتواضع ، غادرت خان يونس - مسقط رأسك -  وأودعت فيها  ذكرياتك و أجمل أيام حياتك .. ودعتها و رفيقة دربك ، اتجهتم إلى رفح المصرية ، حين كانت لحظة لقائي بكم استقبلتكم ولم اصدق عينيَ ، فقد عهدتك والدي الرجل القوي الذي لا يستسلم ، رأيتك وانت مرهق، رأيتك وانت لا تستطيع الوقوف علي قدميك، استرحنا قليلا هناك ، لربما كنت أود مزيدا من الوقت لاستيعاب حالتك ووضعك الجديد .. باشرنا المشوار، وصلنا للقاهرة وبدأت رحلة الوداع. ولم نكن نعلم بأنها بداية النهاية ..
وهناك عرضناك على أمهر الأطباء ،، علهم يجدوا دواءً لعلتك ،، عسى ربي يجعل شفاءك على أيديهم ..
نصحوك بعملية فتبسمت – ما أروعها تلك الابتسامة التي كانت ترتسم على شفتيك ، كنت أسعد وينزاح همي برؤيتها -  ضحكت أيها الغالي وكأن حدسك كان ينبئك بما سيجري ، بدأت العلاج وعلى شفتيك ابتسامة دائمة  ،، لم نطل المكوث في القاهرة..
تركنا القاهرة ، و ما علمنا ماذا يخبئ لنا  القدر في جعبته ..
قدمت هنا لدار زايد وانتقلت لمرحلة أخرى ، كنا ملتاعين لما أصابك لكننّا راضون  فلقد اقتنعنا جميعا بما كتب الله علينا  ، ولكنك أيها الحاني كنت تستشعر قدر الله المحتوم والذي نجهله أو على الأقل نتجاهله ...
 كان قرارنا لإجراء العملية  صعبا ، لكن اتخذناه سويا ،،

 

 حان موعد العملية  و دخلت لغرفة  العمليات  وكلنا امل ،، لحظات انتظار تطول
ودعواتٌ إلى السماء تتسابق ،، كنت ألمح الحيرة والخوف في عيني أمي
كنت ألمح حبا صادقا للرجل الذي أحبها ..
جلست أواسيها و أنا الذي كنت حقيقة أحتاج لمن يواسيني ..
وبعد مرور الساعات التي مرت كأنها دهر..
 خرجت وانت تصارع الآلام، رأيناك في مشهد لم يكن سهلا علينا
فقد أبكيت قلوبنا قبل عيوننا ... بل أدميت قلوبنا وعيوننا...
انتقلت لمرحلة أخرى ،، فنما الأمل في قلوبنا ، لكنك الوحيد الذي كنت تعلم ما الذي يجري ..
تحسّن بك الحال ، فرحة غامرة قد اجتاحت فؤادك المتعب .. كنت تحلم  بالرجوع للوطن ، كالملك يحلم بالرجوع إلى عرشه

 .. قررنا العودة ولكن
" أنا أشاء و أنت تشاء والله يفعل ما يشاء " لم يكتب الله لنا العودة ، فقد اشتدت حالتك و ألمت بك  معضلة لم تكن بالحسبان ، بدأنا مشكلة جديدة من الألم فبعد أن كنا قد عبرنا مئات الخطوات ،، عدنا لنقطة البداية في لحظات ،، بدأنا نبحث عن الدواء الذي سيخفف علتك ، نستشير طبيبا هنا ونذهب لمشفى هناك ولكن المشكلة كانت اكبر مما توقعنا بكثير!. كانت قديمة وبدأت جديدا،،
 بُلِّغنا بأنك تحتاج لعملية أخرى ولكن جسدك النحيل كان قد براه السقم ، فلم يكن ليحتمل ، بدأنا علاجا آخراً ولكنك بدأت تشعر بالمجهول ، بدأت تعيش عالمين ..
كلما توجهنا للعلاج كنت تضحك ، قلتها بكل ثقة : " أريد الموت ولكن بعد رؤية بناتي " كان جُلّ ما تتمناه هو رؤية أخواتي  ولكننا لم نشعر للحظة ما  القصد ، لم نفهم ما بداخلك .. ما كنت متخيلا بأنك قد اقتربت من القدر المحتوم ، كنا نضحك لما تقول وليتنا فهمناك ..
 دخلنا بعد ذلك في معضلة مرضية جديدة فصعقنا جميعا من سوء الوضع الصحي ، لقد تعبت يا والدي وبدأ الوهن يظهر عليك ، لم تكن أية إجابة علمية مقنعة لك ولنا ، كنا نجهل ما يجري ..
كانت أختي (أم أحمد) حرم السيد محمد جاسر الأغا في أمريكا تتلهف شوقا لرؤيتكم ، استطعنا والحمد لله إحضارها
كان مجيؤها ميسرا والحمد لله ، في ظروف كان يصعب على الفلسطيني القدوم إلى الإمارات ،، و هذا كرمٌ من الله و منة ، فتلك كانت رغبتك قبل الرحيل ،،
تبادلتما العناق والأشواق ،، عوّضتم حرمان سنواتٍ
 
خلال تلك الفترة ورغم المرض لطالما حرصت علي العيش بيني واسرتي وبين اخي رامي واسرته، عشت معنا وأحفادك ،،عشقت اللعب معهم ، و عشقوا اللعب معك ، لطالما أسعدتني تلك المحبة التي كانت تجمعك بحفيدك الصغير محمد ،، ولطالما سررت بتلك المداعبات اليومية التي كانت تحدث بينكم ،
حيث شجاركم على التلفاز ،،  فأنت ترغب في مشاهدة الجزيرة وهو يرغب مشاهدة أفلام الكرتون ، ولكي يتسنى لك مشاهدة الجزيرة كان عليك اعطائه الشوكولاتة ، حينها فقط يسمح لك بمشاهدة الجزيرة ..
كم كنت تسعد برؤية أحفادك من حولك ،، وكم كنت بالغ السعادة بحفيدك الأخير       
 " يونس الثالث " حيث أبت نفسك المغادرة قبل مشاهدته ..

 

وواصلنا رحلة العلاج و يا لها من رحلة طويلة شاقة ولكن الامور كانت تتأزم والوهن يزيد،،
رأيت الكثيرين ممن سبقوك ولكننا ما فهمنا بأنك في طريقك إليهم حيث بدأت برؤيتهم.
فجأة يلهمنا الله بأن نبدأ فترة علاج اخرى والعودة للقاهرة التي أحببتها ، لعل ربي يكتب لك الشفاء هناك ، كنت أنا خائفا من العودة ولكن قررنا، لم اعرف ولم افهم لم أخذت الهوية الفلسطينية مع العلم بأننا لم نكن ننوي العودة للوطن علي الاقل في الزمن القريب.
كنت انا و أمي ... مرتبكين  من ركوب الطائرة بسبب مرضك ، ولكن كنّا متعجبان   لسهولة ويسر هذا السفر ، وصلنا القاهرة بعد تحليقٍ دام ثلاث ساعاتٍ ،، كانت رحلة سهلة جدا ولم أكن لأصدق سهولتها ، فهذا قد كان كله كرم  من الله لك كي تعود لبلدك الحبيب ،، بدأنا العلاج ولكنك كنت تضحك علينا مشيرا بيدك - بمعني لا فائدة مما تفعلون - ، تحققت أمنيتك و تهلل وجهك فرحا برؤية بناتك ،   
ولكن القدر كان سريعا و كأن الله قد اشتاق لرؤياك ،  دخلت المستشفى ولا زلت تسخر منا ، سعدت بلقائهن وقاومت العلاج تمسكا بالمجهول والذي كنت تعرفه ولكن لم تكن لتقوله ،، لطالما أوصيتني بأخواتي ، أوصيتني بالاهتمام بهم ، تلك كانت آخر وصاياك  ، كنت أضحك حين أسمع تلك الكلمات ، حيث كنت أقول لك أنك قادرعلى ذلك ، ولكن حتى هذه اللحظة لم أكن لأعلم بأنه قد كان  يومك قبل الأخير ..
 كنت آخر من قبّـل يدك قبل مماتك ورحيلك عنا، غادرت غرفتك في المستشفى ولكن شيء ما قد أعادني إليك ، فعدت لأراك بلا حراك ..
 كانت دقائق قليلة ولكن الحدث كان أكبر مما توقعنا ، حاولت ايقاظك ، التحدث معك ، ولكنك كنت تلفظ انفاسك الاخيرة، حاولنا استيعاب ما حدث لكنها كانت الصاعقة ،
فقدناك بلحظات ولكنها مرت كسنوات ، يا لها من لحظات صعبة قاسية
لم أكن أتخيل بأنا سنفقدك بهذه السهولة ، أو أنك سترحل عنا مبكرا ..
 لم نكن لنستوعب الحدث ولكنك كنت تشعر ، كنت تعلم أن الرحيل قد اقترب .. أكرمك الله برؤية أحبابك ، فشكرنا الله على اتخاذنا خطوة العودة إلى القاهرة ،،
مَن منّا كان يعلم أنّ القاهرة هي محط إقلاعك لسفرك البعيد ؟!
وها أنتَ تموت حيثُ درست
وصدق الله في قوله : " وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ "

 أكرمنا الله بالعودة إلى وطنك ، إلى البلد الذي لم تعشق سواه ، لتدفن  بأرضك ، مع احبائك الذين سبقوك ، كانت عودتك للوطن أيضاً سهله ميسرة ، فاستقبل جثمانك كل من احبك..
كنت أتساءل أنا واخي ما الذي يحصل؟! كل شيء يمشي وكأنه قد خُطّط له منذ شهور ،، ولكن هذا هو كرم الله ومحبته لعبده .

عدنا إلى البيت معك ، و لكنك في هذه المرة لم تعد على قدميك ،، عدت محمولا على الأكتاف يا والدي ،،
 عدت طاهرا إلى بيتك ، تماما كما غادرته ..  الكفن الأبيض يلف جسدك ، وعيون محبيك في انتظار وتحسر .. الكل جاء ليودعك ، الكل جاء لينظر إليك نظرةً أخيرة
وما أقساها من نظرة ..!!
أصوات البكاء تتخالط بالشجيب ، و دعوات تتصاعد من قلوب محبيك ..
توجّهنا لبيت الله للصلاة وكانت هذه الصلاة الثانية عليك بعد الصلاة في القاهرة ،  اكرمنا الله وأَمَّ المصلين أخوك الشيخ يوسف الذي احببت بجموع المصلين المودعين ،
كم كان قلبي متألما لفراقك ، ولكن رؤيتي لهذه الأعداد الهائلة من محبيك ، كانت تواسيني وتريحني .  فلقد ذهلنا أنا و أخي لهذا الحشد الذي رأيناه ، فالكل جاء لوداعك ، والكل قد خيّم عليه الأسى و الحزن ..
توجهنا بعدها إلى المقبرة ،  لمثواك الأخير ،، حيث الفراقُ الأبديّ ..
المنظرُ كان مؤثرا ، كان مؤلما ، حيث كان أبو طاهر معك في قبرك مودعا لك.

أدهشتنا جموع المواسين في الأيام الثلاثة ، فقد شعرت للحظات بأني من أحد عظماء هذا البلد ، لا نعلم من أين أتى هذا العدد !!
فكل من أحبك شاطرنا ،، والبعض كان لايفارقنا ..
وما أدهشنا و أسّرّ قلوبنا هو رؤيتنا لأبسط الناس وقد جاءت لتأدية واجب العزاء على مدى الأيام الثلاث ، ولكنا علمنا مدى حبك للناس ومدى حب الناس لك ...نسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناتك وفي ميزان حسناتهم....

تلك كانت رحلتك الأخيرة ،، الرحلة التي قضيتها بين أبنائك ، تارة في بيتي وتارة عند أخي الأصغر رامي ..
كنت أنا و أخي نتسابق لخدمتك ، تعذبنا لعذابك ، و توجعنا مع كل آه كنت تنطقها ، كانت السعادة تغمر صدورنا ونحن نفعل ما بوسعنا لأجلك ..
ولكن الذي كنا لا نعلمه انها كانت رحلة الوداع...

لم أنسَ ولن أنسى أمي ، رفيقة دربك التي سهرت الليالي علي خدمتك ، كانت دائما بجانبك ، اما خلال حياتك او خلال فترة الوداع ، لقد سخرت نفسها خدمة لك ، لم تنم الليالي ، وكانت دائماً تتسابق علي خدمتك ، فقد صدق الذي قال : " وراء كل رجل عظيم امرأة " ، أدامها الله و أمدها ربي بالصحة والعافية ..
نعاهدك يا والدي ان نكون عند حسن ظنك وان نبقى علي تواصل مع أهلك وأحبتك ، وسنبقى على قدر استطاعتنا بين أهلك و أحبتك
كما كنت دائما بين أهلك و أحبائك .. وستبقى ذكرياتك عامرةً في قلوبنا ، وستظلّ وصاياك عقداً يزيّنَ درب كلّ من رآكَ وعرفك .. وستبقى حيّاً بحبّك لنا وحبّنا لك .. وكم من الأحياء أموات .. وكم من الأموات يبقون أحياء .. !
بوافر الشكر والثناء...وعظيم الإمتنان والتقدير... بل وسنبقى مدينين بالفضل و الثناء ...لكل من شاركنا وواسانا...بل لكل من شاطرنا في مصابنا...سواء في التشييع أو الحضور إلى بيوت العزاء أو البث في وسائل الإعلام أو الإتصال هاتفيا أو على الإنترنت... شعرنا بل ولمسنا عمق الروابط الأخوية مع الأهل والأقارب والجيران والأصدقاء...وكان لصدق مشاعرهم بالغ الأثر في التخفيف عنا... نسأل الله أن يثيب الجميع عنا خير الجزاء...وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتهم...
ارقد بسلام  يا والدي ...وأسأل الله أن ينير قبرك ويؤنس وحدتك وأن يسكنك فسيح جنانه...وأن يجمعنا بك في الفردوس الأعلى....آمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــين.

 


 بقلم  طاهر يونس طاهر الأغا

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الأستاذ طاهر يونس طاهر يوسف حمدان الأغا

اظهر المزيد