مقالات

ناهض الريس.. مؤسسة فكر وجهاد وقانون- نبيل خالد الأغا- الدوحة



«نعم.. ناهض الريس يكتب بدمه، وإذن فهو يكتب بدمنا ونحن نقرأه ونصدقه».
                                                                                           الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي

 



«إن علاقتي التاريخية الوثيقة بالمفكر والمناضل الفلسطيني الحر ناهض منير الريس تؤهلني للشهادة أمام الله تعالى أنه عاش طاهر القلب واليد والقلم واللسان، ولم يهوِ في المستنقعات الآسنة كما الكثيرين من ذوي الأقنعة المزيفة، والقلوب المريضة، ويكفيه شرفاً وسمواً رفضه الأشم للواقع الفلسطيني الرسمي الاستسلامي المذلّ وبقائه وفيّاً لفلسطين وشهدائها ومعتقليها رافعاً لواء الثورة والتحرير حتى رمقه الأخير.
يا أبا منير: ندعو الله تبارك وتعالى أن يُبقي وجهك ناهضاً ومنيراً في الآخرة كما كان في الدنيا وزيادة».

كانت هذه السطور شهادتي في صديقي ومعلمي ذي الصفات والمواهب والمواقف النبيلة كتبتها فور علمي بنبأ وفاته في غزة في الثالث عشر من شهر ابريل عام 2010، وقد نشرت في موقع «الجزيرة نت» برقم «32» ضمن عشرات التعليقات التي أبنت فقيد فلسطين الغالي المرحوم ناهض منير الريس. ونفس التعليق نشر أيضاً في موقع «فلسطين أون لاين». والعلاقة التاريخية التي جمعتنا بدأت أصلاً بين ناهض وبين شقيقي الأكبر المرحوم أحمد خالد الآغا (1937-1989)، ومن ثم امتدت إلى باقي افراد الأسرة.. والعمومة.

ولست أدري بالتحديد متى بدأت العلاقة الأخوية الحميمة بينهما، وكيف بدأت!، والتي كانت تشهد تطوراً مطرداً، وقد جمعت بينهما قواسم مشتركة أسهمت في ذلك التطور من بينها تطابق عمريهما فهما من مواليد عام 1937 في قطاع غزة.

والعامل المشترك الأهم تطابق وجهات نظريهما تطابقاً كاملاً في الأمل المشترك الذي عَبَّر عنه (ناهض) في احدى مقالاته القديمة «العودة والوحدة كانتا في دمنا، كنّا نحب عبدالناصر، وكانت أفكار الوحدة العربية وتحرير فلسطين في الدم فقد تجاوبنا معها، ووجدنا فيها الصدى لما في نفوسنا، الأمر الذي دفعنا ثمنه فيما بعد» (1).
كان الصديقان ــ بل الأخوان ــ يتبادلان الزيارات التي تشمل الإقامة المؤقتة في بيتنا بخان يونس وبيت ناهض في غزة، بل ارتقت المحبة مرتقى سامقاً حينما أطلقت أسرتنا اسم «محمد ناهض» على أخي الصغير الذي ولد في عام 1954 تيمناً باسم ناهض الريس.


كنت أصغر من ناهض وأحمد بخمس سنوات، ويبدو أنني لامست وتراً حساساً في خاطر ناهض، فأخذ يشرح لي ويناقشني في الاتجاه الذي يسير فيه، وسمعت منه مرات عديدة نص الشعار القومي الوحدوي الذي كان سائداً في عقَدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، والذي ما برح يهدهد مشاعري برغم التلوث الذي أصابه: «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة». وذات مرة أحضر أخي أحمد إلى البيت دفتر «الانشاء» أو «التعبير» الخاص بـ «الطالب» ناهض منير الريس فقرأته بشغف، واستهواني أسلوبه السهل الممتع، وخطه الرقعي الجميل، وعنايته القصوى بنظافة وترتيب الدفتر الذي نقش على غلافه: مدرسة فلسطين الثانوية/غزة.
وكان ناهض حريصاً على أن يحضر معه عند الزيارة كتباً تاريخية، ووطنية يوصيني بقراءتها.
هذا وقد شاءت إرادة الله تعالى أن يلتحق الشقيق والصديق بجامعة القاهرة وتحديداً بكلية الحقوق، بل وأقاما سوياً طيلة سنوات الدراسة، لكن أحمد لم تستهوه كلية الحقوق كما استهوت ناهض، فعرف أن مكانه الطبيعي في قسم الصحافة بكلية الآداب فحول أوراقه في العام التالي.
وكما يفعل طلاب الجامعات المغتربون أيام الأمتحانات بين جدهم وهزلهم فعل الطالبان يقول ناهض مستذكراً تلك الأيام الزاهية: «كنا نجلس في الشهر الذي سبق الامتحانات عادة نطالع كتبنا ونتلهى بالحديث لأي سبب من الأسباب وفي أي موضوع من المواضيع، وفي تلك الأيام والليالي أتيح لنا أن نطلق ضحكاتنا وقهقهاتنا الصادرة من القلب، والتي لم تتكرر في مقتبل العمر» (2).
ودارت الأيام.. وتخرج أحمد وعمت الفرحة قلوب المحبين فقد كان عدد الخريجين الجامعيين في خان يونس محدوداً جداً في ذلك الزمن البعيد سواء على مستوى العائلة أو المدينة، وكان أحمد أول صحافي جامعي على المستويين معاً، وعمل في باكورة حياته معلماً في خان يونس لسنة واحدة، ثم عمل صحافياً في ادارة العلاقات العامة بغزة مرافقاً للوفود الرسمية الزائرة لقطاع غزة، يطلعهم على الأوضاع البائسة للاجئين الفلسطينيين ومحاضراً في تاريخ القضية الفلسطينية، وبذلك تضاعف رصيده من المعارف والأصدقاء داخل النطاق الفلسطيني وخارجه.
وعندما توفي الوالد خالد نعمان الآغا سنة 1961ــ رحمه الله ــ عن خمسة وأربعين عاماً ألقى ناهض الريس قصيدة في رثائه بمجلس العزاء. اختيرت منها ثلاثة أبيات نقشت فيما بعد على شاهد القبر، وهي:

 

               «خاِلدَ» الصِّدقِ والوفاء ســـلاما                        مثل ذكراك تَقْهَرُ الأياما

               أنْتَ لبَّيْتَ باعثَ الخَيْر والغَــوْثِ                       وأخْلَصْت للرفِّاقِ الزِّماما

               فإذا دَعاكَ إليـــهِ رَبُّ البـــــَرايا                          فإلى جنَّة الخلودِ مقامـاً


بعد هزيمة العرب الثانية عام 1967 «اتخذ أحمد دولة قطر وطناً ثانياً له، كما أن الدوحة وجه مشرق آخر من خان يونس برغم اختلاف الملامح والتقاطيع». عمل في البداية محرراً في اذاعة قطر الوليدة يومئذ، ومن ثم انتقل إلى وكالة الأنباء القطرية الوليدة الجديدة أيضاً، وأخيراً عمل في المكتب الصحافي في الديوان الأميري.
بعد حصوله على شهادة الحقوق عاد ناهض إلى غزة وعمل وكيلاً للنيابة. لكنه سرعان ما هجر الوظيفة والتحق بعدئذ بالثورة الفلسطينية «واتخذ من سوريا وطناً ثانياً له، كما أن دمشق وجه مشرق آخر من غزة رغم اختلاف الملامح والتقاطيع».
وكان ناهض يومئذ مقيماً في «قبو» احدى العمارات السكنية بشارع القباني حيث كانت سوريا تحتضن الثورة الفلسطينية وكوادر منظمة التحرير الفلسطينية التي انطلقت في عام 1964 على إثر أول وآخر مؤتمر قمة عربي يعقد في القدس، وتعيين الزعيم الفلسطيني الراحل أحمد أسعد الشقيري رئيساً لها.
كان أبو منير عند زياراته القليلة إلى الدوحة يحضر معه بواكير إصداراته النثرية والشعرية من بينها ديوان شعر بعنوان «عندما يزهر البرتقال» وهو أول ديوان له وصدر عام 1978 وأنشودة القسام، غناء إلى مدن فلسطين، ومن قبلها رواية الفتيان «حقيبة قائد اللواء»، و«زيتون الرامة». وقد استثمر أحمد صداقاته المتعددة في تسويق الكتب السابقة واللاحقة لدى مكتبة الثقافة في الدوحة ولدى وزارة الأعلام ودوائرها المختصة بأسعار تشجيعية لصالح الأخ ناهض الذي كان يعيش في ذلك الوقت في ظروف شديدة القسوة في الأردن وسوريا وبإرادته الحرة، وكان بمقدوره أن يشرب العسل المصفى واضعاً قدمه اليمنى على اليسرى أو العكس في أبهى المدن والمنتجعات.

رحيل أحمد خالد الأغا

بما أن الحياة لا تدوم لمخلوق، وبما أن لكل بداية نهاية، فقد نفذت ارادة الحي الذي لا يموت فباغتت أخي أحمد خالد الآغا نوبة قلبية شديدة الحدة في أثناء قيادته للسيارة في طريقه إلى عمله، فلبى نداء ربه بتاريخ 1989/10/14 عن اثنين وخمسين عاماً، وكان رحيله المفاجئ مصدر حزن عميق لكافة أحبابه ومن بينهم صنو الروح ناهض الريس الذي بكاه شعراً ونثراً. وتقديراً للراحلين الغاليين وللقراء الفضلاء سنورد بعض ما صاغه ناهض في حق صاحبه. وحسبنا أن نلفت الانتباه إلى التشابه الذي يصل حدّ التطابق في صفات الراحلَيْنِ الكريمين لو استبدلنا اسم «أحمد» باسم «ناهض» لكان الحال واحداً.
يقول «ناهض» مترجماً مشاعره الحزينة ساعة فراق «أحمد» الأبدي بعبارات بليغة وعميقة وصادقة: «حزن هادئ كطعنة تغلغلت ببطء في سويداء القلب، واتخذت مكانها هناك.. المكان حرج وحساس، والنصل ملتحم التحاماً لا يمكن التعزي عن موت أحمد خالد الآغا إلا بنزع الجزء الأفضل من القلب، وهو تلك المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله. لم يكن في أحمد الآغا جانب من الشر، لم تكن لديه قابلية للايذاء كانت فطرته فطرة طفل يترك ألعابه للآخرين، ويتمتع بأن ينظر إليهم في سرورهم ولكنه ــ خلافاً للأطفال ــ كان مشحوناً بحس أخلاقي مرهف وشعور متزمت بالمسؤولية».
المقال ليس طويلاً لكنه مشحون بأنبل العبارات وأصدقها، ولنتأمل معاً قوله في الختام حرفياً:«هل أقول إن أحمد الآغا كان (مؤسسة) كاملة للعناية بشؤون اصدقائه؟ يخيل إلي أن هذا التصوير هو الأقرب لتمثيل دوره ومسلكه في الحياة، إنسان عاش معظم أيامه ولياليه يفكر في الآخرين، ويعمل من أجلهم. وكم هصر قلبه في أحزانهم وكم أراق دموعه في مآسيهم، كم ضحك وابتهج في أفراحهم، صادقاً مخلصاً في كل حال باذلاً من نفسه ومن ماله ما يبذله الرجل الكريم لأهله وجماعته. أحمد خالد الآغا كان إنسانا بسيطاً أبعد ما يكون عن الادعاء، لم يطمح إلى ادوار بطولة في الحياة، ولم يتطلع للوقوف في الواجهات، ولكنه كان من أولئك الذين لا غنى عنهم لكل من عرفهم، وبغيابه نشعر بالفراغ الكبير وبالخسارة التي لا تعوض».
ألستم ترون معي أيها الفضلاء أن هذه المناقب عينها متوافرة لدى «أبي منير» كما هي في خليله «أبي خالد»؟!
وهذه زفرات حزن وألم صاغها ناهض شعراً في رثاء صاحبه الغالي ورفيق عمره وأفكاره وآماله متحسراً على أيام الصبا التي قضاها معه معزياً آل الآغا ومن ثم خان يونس وفلسطين بأسرها:

واحزنَ قلبي لِفَقْد الصاَّحب الغالي             رَفيقَ عُمْري وأفْكاري وآمالي

أنْـعِــي بنعــيكَ أيـَّـامَ الصِّبـاَ ولهــــا            أحْلى مكانٍ من التَّذكار في البال

أنْعِي الوَفــــاءَ وَقَلْبـــــاً كان يحــــــمِلُه       شَهْمٌ وديعٌ كريمُ العمِّ والخال

يا خان يوُنس قــومي للعــزاء فَقَــدْ            فَقَدْتِ خَيَر فتىً من خيرة الآل

ويا فلسطينُ صَبْراً روح أحْمَد لَم              تَبْرحْ تحومُ حَوْلَ مِشْرافِك العالي


إن كاتب هذه السطور يدين بالفضل لله أولاً ثم لشقيقي أحمد الذي أنقذني من براثن العيش الضنيك معلماً في ليبيا لمدة تسع سنوات إلى سكرتير تحرير مجلة «الدوحة» منذ عام 1977 وحتى هذا التاريخ مع فترة انقطاع بين التاريخين.
وخلال تلك الفترة جرت مراسلات عديدة بيني وبين الحبيب ناهض الذي ساهم في بعض مقالاته في الدوحة وكذلك في مجلة «أخبار الأسبوع» القطرية خلال فترة العقد الثمانيني من القرن الماضي.
لعل المجال متاح الآن لعرض أهم ما تضمنته رسائل ناهض المكتوبة بخط رقعي جميل على ورق ناعم شفيف، وتوقيع متميز كموقعه. وسأكتفي بسرد اهم ثلاث رسائل تلقيتها منه خلال الفترة الواقعة بين عامي 1981، 1986 وبينهما رسالة مؤرخة في عام 1985 وفيما يلي شرح مختصر لمضامينها.
الريس مفتخرا: زيادة نسبة العمليات «1.3%»
الرسالة الأولى: مؤرخة بتاريخ 1981/1/30، وتشتمل على عدة نقاط أهمها: الاشارة إلى أن «العدو اضطر أكثر من مرة إلى الخروج عن السياسة التي انتهجها لنفسه ــ سياسة التقميع الأعلامي على ابناء الانتفاضات الشعبية والعمليات الفدائية في القطاع بالذات، تلك السياسة التي أراد منها تهيئة الأجواء للحكم الذاتي، وإجهاض المبادرات الثورية في مهدها. واضطر تحت وطأة الضربات القوية التي كالها ابناؤنا الأبطال اليه والى عملائه للاعتراف بالقليل من تلك الضربات. وفي مطلع عام 1981 صرح ناطق عسكري عدو بأن نسبة العمليات العسكرية في قطاع غزة بالذات ازدادت عام 1980 بنسبة 1.3% عن العام الذي سبقه. إنه خط بياني صاعد بتوفيق الله وبعمل العاملين المخلصين، وقد كان من أبرزهم بطلنا الشهيد النقيب رفيق السالمي (له شقيق عندكم في قطر هو الأخ خضر السالمي) الذي قاد عدة مجموعات مقاتلة في الداخل، وسجل عدداً قياسياً من العمليات ثم استشهد كأروع ما يكون الاستشهاد يوم 25-12-1980ولم يمض على بلوغه سن الخامسة والعشرين إلا خمسة أيام، ويؤكد أبومنير على اصالة المعدن الفلسطيني بالقول: إن من القناعات التي تترسخ في وجداني يوماً بعد يوم قناعتي بالمعدن النادر لشعبنا المجاهد أنه شعب فدائي بمعنى الكلمة وهو يتجاوز بقدرته على العطاء لا حسابات الأعداء فحسب، وإنما ظنون قادته وأبنائه أنفسهم فهو بحاجة إلى الاخلاص والتفاني من قبل كل أولئك الذين تضعهم الأقدار في موقع المسؤولية منه.
واشتملت الرسالة أخباراً عن أعماله الفكرية التي سترى النور قريباً منها: ملحمة القسام، وقصائد أخرى، كتاب حقيبة اللواء، للأشبال. ومرفق بالرسالة نسخة من قصيدة «وفاء بين براثن السرطان» آملاً أن ننشرها له في مجلة الدوحة في شهر أبريل في الذكرى السنوية الثالثة لوفاتها رحمها الله.
وأخبرني أن له أعمالاً أخرى ما زالت في البدايات تتعلق بحياة واستشهاد البطل الملتزم ماهر جميل البورنو وآخر عن استشهاد البطل النقيب رفيق السالمي وكتاب عن بطولات وأعمال الفدائيين القدامى في قطاع غزة «رجال الشهيد مصطفى حافظ»، وختم رسالته قائلا: «إنني كنت جديراً بإنتاج أغزر وأفضل لو كان وقتي بيدي، ولكنني أكتب على هامش مسؤولياتي الأخرى التي تستأثر بجماع أعصابي وتركيز عقلي».
هذا ولم اكن على علم بماهية تلك المسؤوليات تحديداً ولكنني علمت بعد وقت طويل أنه كان أحد قادة القطاع الغربي في حركة فتح في بيروت الذي قاده الشهيد الراحل خليل الوزير «أبوجهاد»، وكان مسؤولاً عن العمليات الفدائية في قطاع غزة عام 1973.

هجوم صارخ على أنيس صايغ

 


رسالة خاصة بخط يد وتوقيع المرحوم ناهض الريس إلى صديقه نبيل خالد الأغا (سكرتير تحرير مجلة الدوحة، في قطر 1985)



الرسالة الثانية مؤرخة في 1985-6-8وتتضمن العناصر الآتية:
التهنئة بعيد الفطر وأمله أن أكون مستمراً في كتابي «مدائن فلسطين» معبراً عن ثقته بأن الكتاب «مؤلف هام لا سيما للأسباب التي تختفي وراء ملاحظتك العارضة عن الموسوعة الفلسطينية، والتي تتعلق بطبيعة وميول وارتباطات اولئك الذين كان لهم الأشراف الفعلي على الموسوعة، والتي هي ليست فوق الشبهات».
وبرر الريس شكوكه في أنيس الصايغ وأخيه قائلاً بكل وضوح وجرأة: «انني لا أحسن الظن ابداً بافكار أنيس الصايغ واخيه وأرى أنهما غريبان ودخيلان على قضيتنا وعلى حياتنا الفكرية، وقد كان من مظاهر الخيبة والفشل طوال المرحلة الماضية أن يكون رجل مثل أنيس الصايغ على رأس مركز الأبحاث الفلسطينية حيث اهمل غاية الأهمال تناول قضيتنا من جانبها العربي الأصيل، وكفى مركز الأبحاث في عهده وعهد اخيه تعاسةً أنه لم يصدر كتاباً واحداً عن عزالدين القسام أو عبدالقادر الحسيني أو يوسف أبودرة أو فرحان السعدي، ولم يصدر كتاباً واحداً على غرار كتاب الدباغ «بلادنا فلسطين» أو عن تاريخ فلسطين من حيث الجذور، أنهم قوم لديهم أسباب خاصة لكره «الجذور»، وكما قلت لك أنا أنظر إليهم على أنهم دسيسة على الفكر.
وبهذا كانت جهود أمثالك من الأبناء الحقيقيين لشعبهم وأمتهم، جهوداً مباركة لا يغني عنها ركام الكتب التي صدرت عن القضية الفلسطينية في السنوات العشر الأخيرة ولعل من الأمثلة الصارخة المعبرة عن فساد رؤية «نمط» المؤلفين الذين اتيح لهم أن يكتبوا وينشروا في تلك الحقبة أن أحدهم كتب عن عزالدين القسام في كتاب من موجة الكتب اياها «ويبدو أن عزالدين القسام كان جيفاري النزعة» (3) فأنظر بربك إلى «هرش الدماغ» هذا!».

الريس يشيد بالشاعر حسن طلب

الرسالة الثالثة مؤرخة في 8-4-1986. وتتضمن العناصر التالية بعد التحيات لي وللعائلة وللأخ أحمد وعائلته.
«وصلتني رسالتك الأخيرة المؤرخة 30-3-86 اليوم، وكالعادة أرى الأرض والنخيل والقلعة ومجالس الرجال تطل من خلال كلماتك ونبرتك، ويسرني أن أقرأ رسائلك وأن أجيب عليها فوراً». ـ لقد اشرت في رسالتك إلى كل من الشهيد زياد الحسيني والشهيد رفيق السالمي وهأنذا ابعث اليك على الفور مواد كنت قد كتبتها ونُشِرت من غير توقيع عن الشهيد ماهر والشهيد رفيق وأتبع ذلك بنبذة عن الشهيد زياد.
ـ «سرني كثيراً أن الشاعر حسن طلب صديق لك، أنني أحب شعره، وأرى أنه من أبرز «أصحاب الشخصية» في شعرهم فهو فنان نادر، وأن إحساسه الشعري باللغة ومفرداتها يثير طربي واعجابي، وأبلغه تحياتي مع املي أن تكون قراءته للأوزان الباسمة قد جلبت إليه شيئاً من التسلية».
ـ طلب مني متابعة النسخ التي شحنها إلى مكتبة الثقافة بقطر مع كتابيه «رجال الدولة الأحياء في الكيان الصهيوني» و«أوزان باسمة».
هذا وقد بعث إلي الأخ أبومنير رسالة تضمنت معلومات عن سيرة ومسيرة والده المرحوم منير الريس وقد استعنت بها لاحقاً في كتابة موضوع «المناضل منير الريس.. قلب متوهج بعشق فلسطين».

شهقة الميلاد

بعد أن طفنا في جانب كان مجهولاً لدى الأكثرية العظمى من القراء، حان الدخول إلى العالم الرحيب لناهض الريس: القائد العسكري، والثوري والسياسي، رجل الفكر والقانون، الأديب، المترجم، القاص، الشاعر، وزير العدل السابق في السلطة الوطنية الفلسطينية، وفوق كل هذه المزايا.. «الإنسان الصادق مع ضميره، وربه، والناس أجمعين».

 


ينتمي ناهض منير طاهر الريس إلى هذه الأسرة الغزية العريقة، وشغل والده المرحوم منير الريس عدة مناصب من بينها رئاسته لبلدية غزة.
تنتمي والدته إلى عائلة الشهابي «المقدسية» وقد انجب الوالدان ذكرين هما «ناهض» الذي أبصر أنوار الحياة في عام 1937 و«ماهر» الذي ولد في عام 1946 وشغل منصب رئيس هيئة إذاعة وتليفزيون فلسطين سابقاً.
نشأ وترعرع في بيت ارستقراطي مفعم بالوطنية وبالطهارة القومية، وكان لشخصية والده تأثير واضح في تشكيل شخصيته وتعزيز قيمه ومبادئه الوطنية، وقد اعترف ناهض بهذه الحقيقة التي سجلها في ترجمته الأولى لكتاب «حرب العصابات» للثائر الأممي «جيفارا» وكتب في صفحته الأولى «إلى أبي أول من علمني أن أكون حراً».
وبعد أن أنهى دراسته الثانوية في غزة عام 1956 توجه إلى مصر والتحق بكلية الحقوق بجامعة القاهرة وساهم حينها في تأسيس الاتحاد العام لطلاب فلسطين مع مجموعة من ابناء فلسطين من ابرزهم ياسر عرفات وخليل الوزير «أبوجهاد» وصلاح خلف «أبوإياد» وهايل عبدالحميد «أبوالهول»، وسواهم وهم الذين أسسوا وقادوا فيما بعد حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» التي انطلقت شرارتها الاولى عام 1965 ورفعت شعارها التاريخي «ثورة حتى النصر». و«النصر» المعني كان تحرير فلسطين بكامل حدودها «من النهر إلى البحر ومن رفح إلى صفد».
وبعد تخرجه عين وكيلاً للنائب العام في غزة غير أنه لم يمكث في عمله الجديد الا قليلاً حيث وجد أن الجهاد بالنفس هو اسمى مراتب الجهاد، فاستقال من منصبه والتحق بكلية ضباط الاحتياط بمصر، وبعد تخرجه عُيِّن ضابط احتياط بجيش التحرير الفلسطيني. وعندما نشبت حرب 1967 كان الضابط ناهض الريس قائد الفصيل المسؤول عن حماية موقع تل المنطار الاستراتيجي شرقي غزة وأصيب بجراح في معركه الدفاع عن الموقع. وبعد أن حققت إسرائيل نصرها الساحق على كافة الجبهات العربية وسقط قطاع غزة وصحراء سيناء في فك التنين الصهيوني بادر مع بعض رفاقه بتشكيل قوات التحرير الشعبية ومن بينهم فايز الترك ومصباح صقر وزياد الحسيني ووليد أبو شعبان وحسين الخطيب وعبدالقادر أبو الفحم وسواهم.
وارتضى ناهض لنفسه أن يكون في رتبة متواضعة بينما رتبته الاجتماعية اعلى من ذلك، واعتبر الموضوع توجهاً صادقاً نحو المنظمة التي تعد قوات التحرير الشعبية درعاً فدائياً لها.
وكان هذا الشاب المشتعل حماساً وحمية يفرق وزملاءه بين السياسة بمعناها الدبلوماسي وبين معناها الكفاحي، وكرسوا أنفسهم ككفاح مسلح، واتخذوا من الفدائي الثوري مثلهم الأعلى وهم على ثقة مطلقة أن السبيل الوحيد لتحرير فلسطين لن يتحقق إلا بالكفاح المسلح حتى صار السلاح ثقافة اقتنعنا بها كشباب ثوري يناضل لتحرير بلده». «صحيفة فلسطين» (4).
لقد آمن الريس مع زملائه المناضلين أن لا ولادة بغير مخاض، ولا مخاض بغير ألم، وأن الصخور تسد الطريق أمام الضعفاء والمتخاذلين بينما يتكئ عليها المؤمنون الصابرون الأقوياء ليصلوا إلى قمة الفوز والفلاح.
وأثبتت قوات التحرير الشعبية حضورها الفاعل في مقاومة قوات الاحتلال وقام أبطالها بعدة عمليات نوعية اقضت مضاجع الهولاكيين الجدد.
وعندما ضيق العدو خناقه عليهم صدرت اليهم الأوامر العسكرية العليا بالتوجه إلى شرقي الأردن حسب ظروف كل عنصر فيهم، وكان ناهض الريس في رفح فغادرها على ظهر بعير رفقة احد الأدلاء قاطعاً صحراء سيناء. وفور وصوله سالماً التحق بقوات التحرير الشعبية في مدينة جرش ومن ثم توجَّه إلى منطقة الاغوار، يقول رفيقه المناضل اللواء مصباح صقر: ترك الريس العيش اليسير والفراش الوثير ورضي أن يقيم في الاغوار وهي منطقة رطبة وحارة وذلك حباً في مواصلة مسيرة الجهاد لكنه لم يشارك في احداث ايلول الأسود. (5)
وفي أثناء وجوده في الأردن جدد اتصاله بالشهيد ابو جهاد الذي أصبح في ذلك الوقت نائبا لقائد القوات العاصفة. شغل منصب المدعي العام لقوات الثورة الفلسطينية. وبعد عام 1972 انتقل مع القوات العسكرية الفلسطينية إلى سوريا والتحق بمكتب الأرض المحتلة لحركة فتح، وساهم في تأسيس القضاء العسكري، وترأس العديد من محاكمها، وعين بعد ذلك في لجنة غزة في بيروت وهي المسؤولة عن العمليات الفدائية ضد المحتلين، ثم ترأس قطاع الجليل، وبعد الانشقاق الذي حدث في صفوف حركة فتح سافر القسم الأكبر من ابناء الحركة إلى تونس حيث تبعهم الرئيس الراحل ياسر عرفات، لكن الريس بقي في دمشق وأتيحت له الفرصة للكتابة بعد العام 1982 بشكل خاص.

عودٌ غير أحمد إلى غزة

بناء على اتفاقية «أوسلو» الشهيرة عاد ناهض الريس إلى غزة عام 1994 بعد أن مكث في المنافي نحو سبعة وثلاثين عاماً، وعين قاضياّ بالمحكمة العليا ومسجلاً أعلى، لكنه أصيب بخيبة أمل بعد فترة وجيزة من اقامته فيها ومخالطته لشخصيات غير منضبطة في سلوكها وغير نزيهة في معاملاتها وأحس أنه أدخل إلى قفص، وأن باب القفص ما يلبث أن يوصد عليه ربما لأنه قام بتهريب ضميره ضمن حقائب العودة غير المظفرة في حين أن البعض تعمد أن يترك ضميره في منافي الشتات، هذا اذا كان لديه ضمير، وقد انشد قصيدة بهذا المعنى قال فيها:

أعــــودُ إلى داري وما العَـــوْدُ أحْمَد                  ولكنَّ حُبَّ الدَّار أبْقى وَأخْلَدُ

أعـــودُ وقد هَـــرَّبْتُ بيـــنَ حَقائبــي                   ضَميري فلم يَظْفَرْ بهِ المُتَرَصِّدُ

ولمْ يَنْتصِبْ لي قوْسُ نصر ولا زها                   جَبيني بإكليلٍ من الغار يُعْقدُ

وقلتُ: إذا ألقــــى بيَ البحرُ ها هنا                     فلا ضَرَّ ما قد صِدْتُ أوْ أَتصَيَّدُ

وأختِمُ عُمْراً لمْ يَشِبْهُ على المدى                       فُتُورُ هَوَىً أوْ نَكْصَةَ وتَرَدُّدُ

سِوى أَنَّني أَدْخِلْتُ فيما إخالُني                          إلى قفصٍ سَرْعانَ ما سَوْفَ يوصَدُ

وقهْقهَ صوتٌ للخديعةِ مُنْكَرٌ                            وطالَعَني غَيْمٌ على الأُفق أرْبَدُ

ومَنْ أنا في هذي الدِّيار أطارقٌ                        غريبٌ أم الطرَّاقُ مَنْ بتُّ أشهدُ؟

أم المُتَنَبِّي عادَ بعدَ تَغَرُّبٍ                               إلى حَيْثُ لم يُسْعِفْ لِسانٌ ولا يَدُ

أم الدارُ غَيْرُ الدار؟ أمْ مَسَّ جَبْهَتي                     دُوارٌ؟ أم الدنيا تَقومُ وتَقْعُدُ؟

وما بالُ حُرَّاسِ المَقامِ تَحَوَّلوا                           ضِباعاً ولَحْمُ الأرضِ نَهْبٌ مُبَرَّد؟

كَوابيسُ في عِزِّ النهار وأنْجُمٌ                            تَهاوى وصورٌ بالقيامةِ يُوعِدُ


وقد لامس الريس هذا الواقع المؤلم الذي عَبَّر عنه بحرقة في أبيات القصيدة من خلال احتكاكه المباشر «بحراس المقام الذين تحولوا إلى ضباع ينهبون لحم الأرض»، ورأى بأم عينيه ذلك الواقع، وبذل جهوداً جبارة لتصليح المسار الخاطئ من خلال انتخابه نائباً في المجلس التشريعي، وشغله لمنصب النائب الأول لرئيس المجلس وترؤسه للجنة صياغة القانون الأساسي.

الريس وزيراً للعدل

عندما تشكلت حكومة فلسطينية في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات تم إسناد حقيبة العدل في وزارة السيد أحمد قريع، للوزير ناهض الريس، وتعيينه رئيساً لمجلس القضاء الأعلى في السلطة الفلسطينية.
وبرغم قصر المدة التي قضاها في مهمته التي لم تزد عن سنة واحدة إلا أنه أنجز خلالها مهمات عديدة من بينها عمل الهيكل التنظيمي للوزارة في مدة قياسية وقام بتعيين اثني عشر خريجاً من أوائل كلية الحقوق في الوزارة «لأنهم الأجدر لرفع لواء العدل»، كما أوجد نظاماً للمحكِّمين، وفتح باب موضوع تبعية النيابة العامة لوزارة العدل، وكان أمامه برنامج للإصلاح الإداري والمالي، إلا أنه قوبل بعوائق كثيرة حالت دون تنفيذ البرنامج، إضافة إلى استيائه وتذمُّره من حالات الفساد ، واختلف اختلافاً كلياً مع رفاقه الذين نقضوا عهدهم مع ثوابت القضية، وظل وفياً وقابضاً على جمر المبادئ التي تسكنه، وكان يؤكد مراراً أنه ينتمي إلى «فتح الثورة» وليس إلى «فتح السلطة».
وقدم استقالته بكل شموخ قائلاً: فليذهب المنصب إلى الجحيم إذا كانت الدنية مهره، ان الأسماك الميتة هي وحدها التي تسبح مع التيار!
جدير بالذكر أن الدكتور حيدر عبدالشافي وهو أحد شخصيات فلسطين البارزة اتخذ قراراً مشابهاً بانخراطه في الانتخابات التشريعية المنبثقة من اتفاق أوسلو ظانا أن باستطاعته تصحيح المسار من خلال البوابة التشريعية، لكن الوقائع غير المنضبطة على الأرض كانت أقوى منه فانسلّ بهدوء.
وخلال وجوده في كافة مناصبه التي تولاها في غزة لم يتوان الريس عن توجيه انتقاداته لأولئك الذين يرتكبون أخطاء في حق الوطن أو المواطن، وحسبنا الإشارة اختصاراً إلى أنه بعد وقوع الانقسام الموجع صيف عام 2007 تحول ناهض الريس من تأييد «فتح» إلى تأييد «حماس» وعند سؤاله عن السبب أجاب: «أنه المبدأ فأنا منذ طفولتي أبحث عن طريقة أؤدي واجبي فيها تجاه وطني وقضيتي، لم أتغير قط فكل موقف شجعته، وكل تصرف فعلته كان هدفي عقيدتي في الدفاع عن وطني».
وأكد مرات عديدة أن الفلسطينيين جسم واحد: «إذا كنا مؤمنين ومخلصين، وقضية فلسطين هي قضية الحق الضائع، وقضية اللاجئين هي قضية كل مسلم وعربي صادق. وأن أي فلسطيني شريف وصادق مع نفسه لا يمكن إلا أن تكون القضية ذات أهمية كبرى في فكره وتصوراته وحياته كلها».
لقد اتضحت من خلال المعلومات القليلة السابقة الرؤية المنهجية لمسيرة المناضل صاحب الموقف السياسي الملتزم، ومن خلال تحليله للحصار الصهيوني على قطاع غزة سنرى بكل وضوح التزامه المنهجي الإسلامي الذي يشكل الجناح الثاني لمسيرته الحياتية.
لقد أوضح الريس رأيه الذي انفرد به في الحصار واعتبره «من النبوءات التي أنبأنا بها رسولنا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - حينما بشَّرَنا بالرباط، وها هو الرباط في أقسى أشكاله يضيق علينا الخناق وها نحن نجد أنفسنا أيضاً في الحديث الشريف الذي يتحدث فيه - صلى الله عليه وسلم - قبل خمسة عشر قرنا عن الطائفة من الأمة التي تظل على الحق ظاهرة لعدوها قاهرة لا يضرها من خالفها ولا ما مسّها من لأواء، ويعزيني كثيراً إحساسي بأن الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - كان يشير إلينا بالغيب في ذلك».

أنشطة فكرية وأدبية

تميزت رحلته الفكرية والكفاحية بزخمها الوطني الجلي. وقدّم للمكتبة العربية كتبا عديدة في الأدب والسياسة وقصص الأطفال ودواوين الشعر والمسلسلات الإذاعية والتليفزيونية، إضافة إلى مئات المقالات مختلفة المواضيع. وكان آخر ما كتبه الريس عبر صحيفة «فلسطين اليومية الغزية» سلسلة مكونة من اثنين وعشرين مقالا حول الحرب العدوانية علي قطاع غزة بعنوان: «غزة في بطن الحوت» وكانت روايته الأولى «البيارة الضائعة» آخر إصداراته التي سبقت وفاته، وقبل الوفاة أنجز ثلاثة كتب هي: «الفرق بين الديمقراطية والشورى»، «مذكرات ضابط فلسطيني»، و«صفحات مطوية من تاريخ غزة».
وهذا عرض بأسماء أهم مؤلفاته التي ابتدأ في إصدارها منذ عام 1963:«عندما يزهر البرتقال» (شعر)، «أنشودة القسام وقصائد أخرى»، «غناء إلى مدن فلسطين»، «كلمة في الكيان الفلسطيني»، «ماذا نأخذ بالمفاوضات 1983»، «رجال الدولة الأحياء في الكيان الصهيوني»، «ترجمة كتاب غيفارا حرب العصابات»، «أوزان باسمة»، «فان جوخ» (ترجمة عن الإنجليزية)، «نظرات في هموم الوطن»، «ألف عدو خارج البيت» (2000م) فلسطين في الزمن الحاسم»«، «ممالك النارانج»، إضافة إلى أكثر من عشرة أقاصيص للأطفال والناشئين.

في غير زمان الفخر أقول

تُعد هذه القصيدة الماتعة الممتعة أبدع ما صاغته قريحة الشاعر ناهض الريس ابتداء من عنوانها غير التقليدي، مروراً بعرضه لقصة عشقه وتهيامه بوطنه وشعبه، وأضحىزاده الصبر والثبات وطموح إلى الجهاد لا يعدله طموح، وحلم في خلاص شعبه من محنته، فهو شعب مضح ومحطم للقيود والأغلال رغم ضراوة هذا العدو وجبروته.
القصيدة في مجملها ترجمة أمينة لشخصية الشاعر الحر الذي علمه أبوه كيف يكون حراً، وكيف يكون سباقاً لفداء وطنه بروحه.. أعز ما يملك.

 

الشَعرُ شابَ ولكن ما وَهَـى جـَلَـدي           ولا قَنِعتُ بأَمسي عـن جهـادِ غَـدي

ولا تَـلــوَّنَ وِجــدانــي، ولا بَــــــدَرَت        منـي الدنيَّةُ فــي ديـنـي ومُعتَـقَـدي

خرجـتُ ذاتَ صبـاحٍ أبتغـي حُلُـمـاً           وكان حُلْمي خلاصَ الشعبِ والبلـدِ

فبعـتُ لله نفْـسـي، واشتـريـتُ بـهـا            أجـرَ المجاهـدِ لـم أُنـقِـصْ ولــم أزِدِ

أَعِفُّ عن سَقَطِ الدنيـا عَفـافَ غِنـىً            كَنْزي فؤادي ومُلكي خاطري ويدي

وما سلكتُ الهُدى خوفـاً ولا طمـعـاً           لكـن يلـيـقُ بمثـلـي مَسـلَـكُ الـرَشَـدِ

أُحـبُ شعبـيَ حـبـاً قــد ذُهـلـتُ بــه           عن لحظةِ الصفوِ بين الأهلِ والولدِ

شعـبٌ تقـلّـبَ فــي النـيـران مَعـدِنُـه           فـإن شَحَـذْتَ فقـل يــا كـفِّيَ اتّـقِـدِ

تصيّدَتهُ الضـواري وهـو صائدُهـا            وحادتِ الـدربُ عنـه، وهـو لـم يَحِـدِ

وحيـن شـدَّ الـى الجَـوزاءِ خُطـوَتَـه            بَنَـوا عليـهِ سـجـونَ القـهـرِ والنـكـدِ

كم حَطّمَ السجنَ من أركانِه وهَوى             ضَربـاً علـى رأسِ جَلّاديـهِ بـالـزَّرَدِ

رأيــتُــهُ يَـفـتــدي بــالــروحِ أمــتَــــهُ          فهانَ ما هو فوقَ الروحِ فـي خَلَـدي

وهبتُـهُ زَهـرةَ العمـرِ الجميـلِ، ومـن           يَعشقْ، يكنْ في عَطاه غيرَ مُقتصِدِ

لكننـي أستحـي مـن جُهـدِ مَعسِـرةٍ              إمّـا تطـاوَل بـي عُـمـري إلــى أمَــدِ

وأستحي لو ببذلِ الـروحِ يَسبقَنـي،              وبالوفـاءِ لـه، فـي النـاسِ مِـن أَحَــدِ


كانت الكتابة متعة له ومتعة لقرائه الكثر ويعتبرها تعبيراً عن الحب والرغبة في الاتصال بالآخرين الذين يعنيهم الهم المشترك، وألزم نفسه ببيان ما يعتقد أنه الحق والصواب، وكان يقول لمحبيه وتلاميذه من أبناء فلسطين المجاهدين المحتسبين «لا توحشكم طريق الحق لقلة السالكين فيه»، وهي من عباراته الشهيرة التي كان كثير الترديد لها، تشجيعاً لهم، وتثبيتا لعقيدتهم.
واهتم في كتاباته بالفتيان والشباب، ورأى أن المستقبل المشرق سيتم على أيديهم بعون الله تعالى. وألزم نفسه بتحيتهم بعدما اقتنع أن المستقبل الوضاء سيكون وضَّاءً على أيدي هذا الجيل من المرابطين إن شاء الله تعالى. كما كان شديد الإحساس بطموحات الشباب لتبني قضية حماسية، وتساءل بدهشة: هل هناك قضية أنبل وأرقى من قضية الشعب الفلسطيني في العالم كله؟ فنحن لم يعد لدينا ما نخسره، ونأمل أن يكون لدى الشباب الشجاعة الكافية التي يغيرون فيها موازين القوى لصالح الأهداف الوطنية النبيلة حسب تعبيره.

«ناهض» بين براثن السرطان

سبقت الإشارة إلى أن الحبيب ناهض طلب مني في رسالته الأولى نشر قصيدة له في مجلة «الدوحة» بمناسبة الذكرى الثالثة لوفاة شقيقته «وفاء» عام 1987، واختار لها عنواناً لافتاً «وفاء بين براثن السرطان» وتشاء إرادة الحق تبارك وتعالى أن يقع «ناهض بين براثن السرطان»، وهو المرض الخبيث الذي استمر ينهش في جسده العليل مدة ثلاث سنوات.
وخلال تلك الفترة عانى الصوفي العابد المحتسب الكثير الكثير من توابع مرضه، لكنه ظل ثابت الجنان، عميق الإيمان بقضاء الله وقدره، لا يفتأ يكرر «الحمد لله.. الحمد لله..»، ويؤكد ابنه المخلص الدكتور أغر أن والده كان يتحلى بروح معنوية عالية، وإيمان كبير بقدرة الله الشافي على الرغم من إدراكه بمدى خطورة مرضه، لم يكن من الرجال الذين يستسلمون بسهولة إذ قضى حياته مناضلاً حاملاً روحه على كفّه، فلم يكن مرضه ليثنيه عن عزيمة المقاتل، أو يضعف من روح المؤمن»(8).
وتقول ابنته الداعية الدكتورة «أروى» التي داومت على مرافقة والدها والسهر على علاجه طول فترة مرضه «كان والدي يداوم على الصلاة حتى وهو يتألم بسبب مرض سرطان البنكرياس فكان عندما أعطيه الدواء المُسَكِّن ينام في الليل، ويستيقظ في الفجر فأحضر له الماء ليتوضأ، فأراه قد أتم صلاته في أغلب المرات رغم هذا المرض الأليم».
وأخيراً.. دقت ساعة الرحيل، ولبى الحبيب نداء حبيبه، وفاضت الروح الطاهرة إلى ربها راضية مرضية، ولحق ناهض بأقرب المقربين إليه.. أمه.. وأبيه، وأخته الشابة «وفاء»، ومن قبلها اخته الشابة «سناء» ذات السبعة والعشرين ربيعاً.. المذيعة السابقة في التليفزيون السوري.. والكثير الكثير من ذوي القربى والنسب والخلان و.....
وكان يوم الثلاثاء 14-4-2010 يوماً مشهوداً من أيام غزة الباكية، فقد شيعت جماهيرها ابن فلسطين البار الذي نذر حياته لوطنه وأمته ودينه، وتقدم المسيرة الجنائزية رئيس الوزراء إسماعيل هنية وشخصيات اعتبارية وشعبية وفصائلية.. وحشد ضخم من المواطنين وخلال مراسم التشييع عَدَّدَ وزير العدل محمد فرج الغول مناقب سلفه وزير العدل الأسبق الذي دثر جثمانه بالعلم الفلسطيني قائلا «إن الفقيد ناهض منير الريس كان فلسطينيا يجهر بالحق، ولا يخشى لومة لائم قاضياً ومستشاراً ووزيراً ونائباً وشاعراً وكاتباً ظل ثابتاً على مبادئه ودينه وقضيته إلى آخر لحظة من حياته» (9).
كما أشاد د.أحمد بحر النائب الأول لرئيس المجلس التشريعي بمسيرة الريس قائلاً «لقد أرسى المناضل الوطني الشريف ناهض الريس قواعد العدل في فلسطين، وإن الشعب الفلسطيني قد خسر بوفاته أحد الرجال الأبطال المخلصين في مسيرة الدفاع عن حقوقه وثوابته الوطنية».
كما نَعَتْه كل من حركَتَيْ «حماس»، و«الجهاد الإسلامي»، والسلطة الفلسطينية ووزارة الثقافة في غزة.
وتلا محمد أغر الريس وصية والده الخالية تماماً من أية أمور شخصية أوعائلية - كما جرت العادة - ، بل هي موجهة بصورة مباشرة إلى شعبه العربي الفلسطيني، موصياً بالمزيد من الصبر الملتحم بالإيمان، إضافة إلى عدم الرضوخ للأمر الواقع، محذراً من تولي زمام القضية الفلسطينية أولئك الذين استوطنت نفوسهم العليلة - رذائل الأنانية والإنتهازية، إضافة إلى فئات المكابرين المعاندين ويركز المربي.. في نهاية وصيته على تربية الإنسان الفلسطيني.

وصية ناهض منير الريس

«هذه وصية المخلص لدينه ووطنه، ناهض منير بن محمد الريس، أخطها وكُلِّي أمل أن تكون موضع تأمل ونظر وعمل أحبائي الذين تتجه نحوهم عواطفي، بينما أكتب هذه الوصية إنني أوصي شعبنا العربي الفلسطيني بالمزيد من الصبر والايمان، وان لا تغلب عليه نزعة الإذعان للأمر الواقع بحكم العناء وطول المقاساة خلال قرن من الزمان، أن لنا حقوقاً لا أوضح منها ولا أقوى ولا أقدس، وقد قطعت يا شعبنا العظيم الأصيل شوطاً طويلاً في التمسك بها، وهذا ما يليق بالمؤمنين المجربين الذين جعلوا من أعمارهم ميادين رسالة والتزام وأحترام للذات.
وأن دعوتي هذه إلى الصبر والإيمان والالتزام والاحتساب يجب أن تكون مقرونة بالحكمة والمرونة وحسن التقدير، وحذار أن يتولى أمورنا أولئك الذين أضعف مواقفهم ما انطوت عليه نفوسهم من أنانية وانتهازية، كما أنني أحذر من صنف آخر من الرجال الذين يفقدون الحكمة، ويركبون رؤوسهم انطلاقاً من ضيق الأفق والحرفية والمعاندة على غير طائل.
فقضيتنا تلك البسيطة الواضحة كل الوضوح أصلا ــ باتت لها تعقيداتها بسبب القرنين التاسع عشر والعشرين، اللذين تمكن خلالهما اعداؤنا من تسجيل إنجازات متفوقة على الأرض، والتغلب على هذا الواقع يحتاج إلى مراكمة إنجازات على المستوى الوطني والقومي والإسلامي على مراحل تكون تربية الإنسان جزءاً لا يتجزأ من إنجازاتها، لقد وضعت مجموعة أفكاري حول هذه الأمور في كتبي السياسية والشعرية والتربوية وسلسلة مقالاتي التي أقدمها لك يا شعبنا راجياً أن أكون قد قمت بجهاد الفكر والقلم بعد أن جاهدت بالروح والدم، ولم أبخل على قضيتنا بها جميعاً.
إن وجود الإنسان على قيد الحياة قد يثير ضده الخصوم والمنافسين، ولكن بغيابي عن عالم الأحياء آمل أن تكون أفكاري موضع التفهُّم العميق».
هذا وتشدنا شداً آخر كلماته قبيل أن يفارق الحياة:
«أنا مقبل على الله وأنا في غاية السعادة، لأنني سوف أرى من كنت أصلي له في الدنيا، وأدعو الشباب إلى أن يحبوا القرآن ومن خلال حبهم للقرآن فرض عليهم أن يحبوا فلسطين، أحلم أن يعود أهل فلسطين إلى ديارهم، ويعيشوا على أرضهم وينتهي الشتات من حياتهم، حياة كالطيور يهاجرون ثم يعودون، كباقي شعوب العالم يسافرون ثم يعودون إلى بلادهم وهذا ما أتمناه.. الحمد لله آمين».
ودفن جثمانه الطاهر في بيارته الواسعة الواقعة على الحدود الشرقية لمدينة غزة، ونقش على ضريحه بيت الشعر الرابع من قصيدته الرائعة «في غير زمان الفخر أقول»:
فَبعْتُ لله نَفْسي واشْتريت بها أجرَ المجاهد لم أنقص ولم أزِدِ

يا أبا منير الحبيب:

بالدعاء الذي بدأت.. أكرره بالذي أنهيت: أدعو الله تبارك وتعالى أن يبقي وجهك ناهضاً ومنيراً في الآخرة كما كان في الدنيا وزيادة. «إنا لله وإنا إليه راجعون».

ملاحظة: نشر هذا الموضوع في جريدة الوطن القطرية على حلقتين كاملتين متتاليتين بصفحتين كاملتين يومي 2 و 3 /5 /2012 ، ونظراً لطول الموضوع اضطررنا لاختصاره حتى لا يشق الأمر على قراء موقع النخلة، وإذا رغب أحد القراء الفضلاء الحصول عليه كاملا يرجى الاتصال بالكاتب على إيميله الخاص([email protected]) ليقوم بإرسال الموضوع إلى طالبه، والله المستعان.

الهوامش

1- مجلة أخبار الأسبوع /قطر/ 1989/10/26 .
2- المرجع السابق.
3- صحيفة فلسطين 2009/12/14 .
4- وكالة الصحافة الفلسطينية «صفا» 2010/4/15.
5- مجلة العودة /أبريل / نيسان 2008.
6- ناهض الريس: مذكرات مفكر ومقاتل/ فلسطين 2009.
7- على والدي السلام. د. أغر ناهض الريس 2011/4/11 فلسطين أون لاين.
8- مجلة الرسالة نت «غزة» 2010/4/14.
9- وكالة «صفا»، مرجع سابق

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. نبيل خالد نعمات خالد الأغا

اظهر المزيد