مقالات

هل ستشرب من الكأس أم لا ؟ ... من أجمل ما قرأت- أ. عماد سليم

 

يُحكى أن مرض طاعون الجنون نزل في نهر يسري في مدينة ما، فصار الناس كلما شرب أحد منهم من النهر يصاب بالجنون، وكان المجانين يجتمعون ويتحدثون بلغة لا يفهمها العقلاء.
أراد ملك المدينة أن يواجه الطاعون ويحارب الجنون، حتى إذا ما أتى صباح يوم استيقظ الملك وإذ بالملكة قد جنت، وصارت تجتمع مع ثلة من المجانين تشتكي من جنون الملك!!
نادى الملك الوزير، وقال له : يا وزير الملكة جنت أين كان الحرس ؟
الوزير : قد جن الحرس يا مولاي .
الملك : إذاً اطلب الطبيب فوراً .
الوزير : قد جن الطبيب يا مولاي.
الملك : ما هذا المصاب، من بقي في هذه المدينة لم يجن ؟
رد الوزير : للأسف يا مولاي لم يبقى سوى أنت وأنا .
الملك : يا الله أأحكم مدينة من المجانين!!
الوزير : عذراً يا مولاي ، فإن المجانين يقولون أنهم هم العقلاء ولا يوجد في هذه المدينة مجنون سوى أنت وأنا!
الملك : ما هذا الهراء ! هم من شرب من النهر وبالتالي هم من أصابهم الجنون!
الوزير : الحقيقة يا مولاي أنهم يقولون إنهم شربوا من النهر لكي يتجنبوا الجنون، لذا فإننا مجنونان لأننا لم نشرب .

ما نحن يامولاي إلا حبتا رمل الآن، هم الأغلبية، هم من يملكون الحق والعدل والفضيلة، هم الآن من يضعون الحد الفاصل بين العقل والجنون.
هنا قال الملك : يا وزير أغدق عليّ بكأس من نهر الجنون، إن الجنون أن تظل عاقلاً في دنيا المجانين .


بالتأكيد الخيار صعب عندما تنفرد بقناعة تختلف عن كل قناعات الآخرين، عندما يكون سقف طموحك مرتفع عن الواقع المحيط
هل ستسلم للآخرين، وتخضع للواقع، وتشرب الكأس ؟

هل قال لك أحدهم : معقولة فلان وفلان وفلان كلهم على خطأ وأنت وحدك الصح !

عندما تدخل مجال العمل بكل طموح وطاقة وانجاز وتجد زميلك الذي يأتي متأخراً وانجازه دون إنجازاتك وو...  يتقدم ويترقى بالرغم من كل سلبياته وأنت في محلك. هل سيتوقف طموحك، وتقلل انجازك، وتشرب من الكأس؟ 


أحيانا يجري الله الحق على لسان شخص غير متوقع منه ذلك، والحياة مليئة بالأمثلة ومنها:

- مرت طفله صغيره مع أمها على شاحنه محشورة في نفق، ورجال الإطفاء والشرطة حولها يحاولون عاجزين إخراجها من النفق.

 قالت الطفلة لأمها: أنا اعرف كيف تخرج الشاحنة من النفق.
استنكرت الأم وردت معقولة كل الاطفائيين والشرطة غير قادرين وأنت قادرة !
ولم تعط أي اهتمام ولم تكلف نفسها بسماع فكرة طفلتها، ولكن تقدمت الطفلة لضابط المطافئ وقالت : سيدي افرغوا بعض الهواء من عجلات الشاحنة وستمُر !
وفعلاً مرت الشاحنة وحلت المشكلة وعندما استدعى عمدة المدينة البنت لتكريمها كانت الأم بجانبها وقت التكريم والتصوير !
وأحياناً لا يكتشف الناس الحق إلا بعد مرور سنوات طويلة على صاحب الرأي المنفرد.
- جاليليو الذي اثبت أن الأرض كروية لم يصدقه أحد وسجن حتى مات، وبعد ذلك بسنوات طوال اكتشف العالم أن الأرض كروية بالفعل     وأن جاليلو كان العاقل الوحيد في هذا العالم في ذلك الوقت، وأعاد الفاتيكان في 2 نوفمبر 1992 لجاليليو كرامته وتم الإعلان رسمياً عن  براءته، وتقرر عمل تمثال له في الكنيسة بعد 350 سنة من موته
ولكن هل بالضرورة الانفراد بالرأي أو العناد هو التصرف الأسلم باستمرار؟
- زليخه مثلاً تحدت أهلها وكل من حولها لتتزوج مشعل لتكتشف بعد سنوات أن مشعل أسوء زوج من الرجال .
كم تمنت زليخه أنها شربت من الكأس عندما عرض عليها حتى ارتوت .
إذن ما هوالحل في هذه الجدلية ... هل نشرب من الكأس أو لا نشرب ؟
دعونا نُحلل الموضوع ونُشخص المشكلة بطريقة علمية مجردة بعيدة عن التعصب

 هل رأي فردي أم رأي جماعي
منطقياً الرأي الجماعي يعطينا الرأي الأكثر شعبية وليس بالضرورة الأكثر صحة
قد تقول إذن لا اشرب الكأس ...     لحظه !
في نفس الوقت نسبة الخطأ في الرأي الجماعي أقل بكثير من نسبة الخطأ في الرأي الفردي
اذن تقول نشرب الكأس ...          تمهل قليلاً !
من يضمن انه في هذه اللحظة وفي هذه القضية بالذات كانت نسبة الصواب في صالحك.
اعرف أن الأمر محير…
شخصياً عُرض علي الكأس مرات عديدة أحياناً اشربه وارفض شربه أحياناً كثيرة .
الامر كله يعتمد أولاً على ايماني بالقضية، ثانياً ثقتي بنفسي، ثالثاً ثقتي بالاخرين من حولي هذا بالنسبة إلى خبرتي المتواضعة.

 والآن السؤال موجه لك أنت يا من تقرأ .

إذا عُرض عليك الكأس.. هل تُفضل أن تشرب أم لا ؟

 

أتمنى المشاركة من قراء موقع النخلة وخاصة المثقفين و المهتمين بهذه المواضيع، وأن يعطونا رأيهم بشكل منطقي وسليم

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الأستاذ عماد سليم إبراهيم سليم الأغا

اظهر المزيد