مقالات

أسمار- الثوراتُ العربية!، لِمَنْ تَكُونُ عاقِبَةُ الدارِ؟- بقلم أ. خالد فتحي الأغا أبو الوليد

بسم الله الرحمن الرحيم
أسمار- الثوراتُ العربية!، لِمَنْ تَكُونُ عاقِبَةُ الدارِ؟..
(لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ)


الحمدُ لله, وبعد:
فقد كانت هذه المقالةُ توأمَ الأحداثِ التي وُلِدَتْ في تُونسَ الزيتونَةِ والقيروانِ؛ ثم لم يلبثْ صداها أن تردّدَ في أرجاء العالم الإسلامي من مصرَ (صلاح الدين وعين جالوت)...إلى مغرب (الزلاّقةِ والمرابطين)...إلى يَمنِ (الحكمَةِ والإيمان)...إلـــــى (عُقْرِ دار المؤمِنين الشام)...وإلى ما شاء الله تعالى، وقدْ وصلت المقالة إلى كثيرين من أهل العلم والفضل بعد أن نشرت في بعض المواقع على الشبكة ولاقت بحمد الله قبولا واستحسانا، ثم رأَيتُ بعدَ لأْيٍ أن أعيد النظرَ فيها ثانيةً وأخصَّ موقعَ العائلة الكريمةِ بنشرها – والأقربون أولى بالمعروف - سائلا الله تعالى أولاً أن يجعلَها سببا للاجتماع على البر والتقوى، وراجياً مَن اطّلَعَ عليها من بعْدُ وقَرَاها (بفتح القاف: من القراءةأن يُحْسِنَ إليها ويُعَجّلَ قِرَاها (بكسر القاف: من القِرى، وهو ما يقدم للضيف)، وأن يمدّ إلى كاتبها يد العونِ والنصح، فإنما المرءُ – بعد الله تعالى – بإخوانه، والله ولي التوفيقِ.

قراءةُ التاريخ:
وبعدُ أيها المُسامرُ الناصحُ والجليسُ الصالحُ: فاعلمْ أنّ لقراءَةِ التارِيخِ وَجْهَينِ:
وجْهاً نَشْهَدُ مِن خِلاَلِهِ ما مَضَى فَنَسْتَلْهِمُ مِنهُ الآياتِ والعِبرِ....
وثانِياً نستَشْرِفُ مِن خِلالِهِ المُسْتَقْبَلَ لنتَعَرّفَ علَى خُطّةِ الطرِيقِ، ولَئِنْ قالَ بَعْضُ فلاسِفَةِ المؤَرّخِينَ: إنّ حِكْمَةَ المؤَرخِ تأتِي متأخّرَةً عادةً! فإنّ في الإطلاقِ التِي تُوحِي بهِ العِبارَةُ نظَراً، بلْ إننا لا نجاوِزُ الحقيقَةَ حينَ نقولُ: فِي وُسْعِ المُؤَرّخِ (المُسلمِ) أنْ يسْبِقَ بِحِكْمَتِهِ حوادِثَ التارِيخ بِشَرْطَينِ:
-عُمْقِ النظَرِ ودِقّةِ الفَهْمِ لما أودَعَهُ اللهُ تعالَى من السننِ الكونِيةِ القدرَيةِ والدينِيةِ الشرعِيةِ فِي كتابِهِ المسطورِ وفِي كونِهِ المعمورِ.
-ومَعْرِفَةِ المَفاتِيحِ الكُبْرَى والعللِ المحركَةِ لما يُعاصِرُهُ من النوازِلِ والحوادِثِ.
والذي يُمَيزُنا عن غيرِنا من الأممِ أننا حينَ نَقْرأ التارِيخَ ماضِيهُ وحاضِرَهُ ومُستَقْبلَهُ؛ نستنِدُ فِي قراءَتنا لهُ إلىَ ما أودعهُ اللهُ تعالى في كتابِهِ من السننِ الكونيةِ الثابِتَةِ التي مضى عليها من قبلنا من الأممِ ولا مُبَدّلَ لها!؛ والسننِ التِي سلكها الأنبياءُ والصالحونَ قبلنا في دينهم ودنياهم؛ وأَمْرِ نبِيِّنا صلى الله عليه وسلم بلزومِها؛ وتحذيرهِ إيانا من الخروج عنها؛ فإنها سننٌ تتجاوزُ حدُودَ الزمانِ والمكان؛  إذ الشرعُ جاءَ بِتَمامِ التوافُقِ بَينَ السنتَينِ الكونيةِ والشرعِيةِ، وحيثُ ظنّ الناظرُ التعارُضَ بَينَهُما فَذلكَ لخَلَلٍ طارِئٍ خارجٍ عما جاءَ بِهِ الشرْعُ، وتلك قاعدَةٌ من أهمّ قواعِدِ قراءَتِنا للتاريخِ، وإنما يتفاوَتُ الناسُ فِي ارتِفاعِ البنْيانِ بِحَسبِ إحكامِ القاعِدَةِ وما أوتوا من العِلم والفهمِ، وفوقَ كلّ ذي علمٍ عليم.
وفي التنزيل قوله تعالى:{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}؛ فَفِي هذهِ الآيةِ دَلالَةٌ عَلَى أهميِّة عِلْمِ التَّارِيخِ؛ واستِقْراءِ سُنَنِ اللهِ تعالَى في الأممِ والدولِ، لأنّ فِيهِ فائدَةَ السيرِ فِي الأَرْضِ، وَهِي مَعْرِفَةُ أَخْبارِ الأَوِائِلِ، وأَسْبابُ صَلاح الأُمَمِ وَفَسادِها، كما قالَ ابنُ عَرَفَةَ: السيرُ فِي الأَرضِ حِسّيٌّ؛ وَمَعْنَوِيٌّ، والمعنويُّ هو: النظَرُ فَي كُتُبِ التَّارِيخِ؛ بِحَيْثُ يَحْصُلُ للنَّاظِرِ العِلْمُ بِأَحْوالِ الأُمَمِ، ومَا يَقْرُبُ مِنَ العِلْمِ، وَقَدْ يَحْصُلُ بِهِ مِنَ العِلْمِ مَا لا يَحْصُـلُ بالسيْرِ فِي الأَرْضِ لِعَجْزِ الإنْسَانِ وَقُصُورِهِ. انتهى.

وإنَّما أمرَ اللهُ تعالى بالسَّيْرِ فِي الأَرْضِ دُونَ مُطالَعَةِ الكُتُبِ لاشتراكِ جميعِ الناسِ في السيرِ دونَ المطالعَةِ، ولأنّ المطالَعَةَ يختَصُّ بِها بعْضُ الناس، وأيضاً فليسَ كلُّ من يطالعُ التاريخَ يَقْدِرُ على استخْلاصِ العِبرِ وسُنَنِ اللهِ في المجتمعاتِ والدولِ مِنهُ، ولأنَّ فِي الْمُخَاطَبِينَ مَنْ كَانُوا أمِّيين، ولأنَّ الْمُشاهَدَةَ تُفِيدُ مَنْ لَمْ يَقْرَأْ عِلْماً؛ أو لأنّها أعمَقُ أثراً في النفوسِ، ثُمّ إنّها َتُقَوِّي عِلْمَ مَنْ قرأَ التَّاريخَ أو قُصَّ عَلَيْهِ.

من البشائر:
دعني - بعدَ هذه المقدّمةِ - أقص عليكَ القصةَ من البدايَةِ، لعَلّ الشوْقَ يَجُودُ - يُمطرُ – هواكَ فتحملُكَ لواعِجُهُ على السؤالِ عما سُقْتُها لأجْلِهِ، على أنّ مُكابَدَةَ الشوقِ قليلٌ فِي جَنْبِ مَن تَودّ!.
حدثني بعضُ أهل بَيتِي قال: في أوائلِ سنَةِ (1423) رأيتُ فِيما يَرى النائمُ أنّني أقفُ موقِفا أرى مِنهُ العالَمَ كلّهُ بينَ يديّ؛ ثُم قُرِّبَ إلي في المنامِ فأصبحْتُ أرى (مصرَ) وأنظرُ إلى شوارِعِها وأسْواقِها؛ والناسُ فيها يغْدونَ ويروحونَ؛ وأرى فيهمْ نساءً تبرّجْن تَبَرُّجَ الجاهلِيةِ وقد اختلطْنَ بالرجالِ!، فَبينَا أنا أرقُبُ ذلكَ إذ رأيتُ أرضَ مِصْرَ كلّها كأنّما حُمِلتْ قِطْعَةً واحِدةً وقُلِبَتْ حتّى جعلَ اللهُ عالِيَها سافِلَها بِحولِهِ تعالَى وقوتهِ!، ولم أكدْ أفيقُ مِما أرَى حَتى قُرِّبَتْ إليّ بِلادُ (الجزائرِ)، ورأَيتُ على شواطئِها نساءً عارِياتٍ!، فما لبِثَتْ أنْ وقعَ بِها ما وقعَ في أُخْتِها مصرَ!، ثُمّ وقعَ مِثْلُ ذلكَ في بلادِ المغرِبِ العربِيِّ كلِّها واحدَةً على إثْرِ واحَدَةٍ، ما مِن بَلْدَةٍ مِنْها إلا وقَدْ جُعِلَ عالِيْها سافَلَها على غرارِ ما سبق، وهكذا في جمِيعِ أمصارِ المُسلِمينَ، ثُمَّ في الهِنْدِ وبلادِ القوقازِ ومِنْها الشيشانُ، أرَاهُنَّ كما رأيتُ مِصرَ والجزائِرَ قبلَهُنَّ!، ثُمَّ إنّنِي رأَيْتُ جَميعَ هذِهِ الأمْصارِ وقَدِ انْتَشرَ فِيها أُناسٌ كَهَيئَةِ المجاهِدِينَ بَينَ غادٍ ورائحٍ، ثُمَّ رأيْتُهُمْ وقَدْ بَنَوْا بِناءً كَبيراً على أرضِ السودانِ، واتخذُوا مِنهُ مركَزاً لإدارَةِ شُئونِ هذِهِ البلادِ، ورأيت على جُدرانِ المركَزِ لوحاتٍ كبيرَةً للتحَكُّمُ؛ وفوقَ اللوحَةِ نافِذَةٌ عريضةٌ؛ ورأيتُ هيئةً ابتسامَةٍ مُشْرِقةٍ تدخلُ عليهمِ من النافِذةِ!. 
  

هذهِ الرُّؤيا مِن عجائِبِ صُنْعِ اللهِ تعالَى لأهْلِ الإسلامِ، واللهُ يَعْلمُ أنّنِي حُدِّثْتُ بِها في سنَواتِ الهجْرَةِ الماضِيَةِ غيرَ مَرَّةٍ ومرتَينِ, وثلاثٍ، وأكثرَ، لكنْ لمْ يكُنْ لَها من الوَقْعِ فِي نفسي ما لَها اليومَ!، فإنّ وقُوعَ بعْضِ أجزاءِ الرؤيا مؤذنٌ بوقوعِ ما بَقِي مِنها إن شاء الله، ولَعَمْرُ اللهِ إنّ لبَيْنَها وبَينَ رُؤْيا أُريتُها من قَبلُ عن التمكينِ للمسلمينَ على أرضِ أفغانِستانَ المسلِمَةِ لَنسباً وأيُّ نَسَبٍ!؛ ولتَعْلَمُنَّ نبأَهُ بَعْدَ حِينٍ
وغَنِيٌّ عن الذكْرِ أننا لا نُعوّلُ على الرؤيا وحدَها، ولا قَصَصْناها لِنَعْتَذِرَ بِما فِيها مِن البُشْرَى عَنْ تَضْيِيعِ الحَزْمِ، بلْ إنّ حُسنَ الجَنّةِ وهِي ريحانةٌ تهتَزّ، ونورٌ يَتَلأْلأُ، ونَهْرٌ مُطّرِد، وزَوْجَةٌ لا تَموتُ، في خلودٍ ونعِيمٍ في مقامِ أبدٍ، مِن أعْظَمِ ما يَحْمِلُ على التشميرِ لَها وبذلِ النفائسِ في طلَبِها، وهكذا الشأنُ في جنةِ الدنيا التي جُعِلَ تَعْبِيدُ العِبادِ لرَبِّ العِبادِ أساساً لِبُنْيانِها.

ما علينا وما لنا:
إنّ الذي يَهُمّنا في المقامِ الأولِ – بعدَ مرضاةِ اللهِ تعالَى – أن نَعْرِفَ أينَ نَحْنُ مِما يَجِبُ علَيْنا فِعْلُهُ، فالأحْداثُ الكُبْرَى التِي يَشْهَدُها العالَمُ الإسلامِيُّ اليومَ إنّما هِي فَجْرٌ جدِيدٌ سيكْشِفُ لكُلٍّ مِنا عنْ مكانِهِ الذي صارَ إلَيهِ في دَياجِيرِ ظلامِ العُقودِ الماضِيةِ!، ومِن ثَمَّ فما دامَ الأمرُ يَتَعلَّقُ بِمصالِحِ الأمّةِ فلا مَجالَ للمُحاباةِ أبداً، والصدْقُ مع النفسِ شرطُ سَعْيها في طلَبِ الكمالِ.

ومَهْما تكُنْ عِلَلُ هذهِ الحَوادِثِ وأسْبابُها فإن الوقوفَ علَيها لَيسَ من مقاصِدِ هذه الرسالَةِ، على أننا بِحَمْدِ اللهِ تعالَى  وتوفيقه وحدَه قَدْ أشَرْنا في عِدّةِ مواطِنَ مِن قَبْلُ إلى تَوَقُّعِ حصولِ ذلكَ كُلِّهِ، استِقْراءً لِسُننِ اللهِ تعالَى في الأُمم والدولِ، وإنما المقْصودُ الأولُ هُنا سدُّ الثغراتِ وإعادَةُ تسويَةِ الصفوفِ، ومن ثَمّ توحِيدُ الجهدِ والغايَةِ، فإننا بِحَمدِ اللهِ تعالَى لا يُخالِجُنا شيءٌ من الشكّ أبداً في أنّ الوارِثَ المقْبِلَ في القريبِ العاجلِ لزمامِ الأمورِ في العالَمِ الإسلامِيّ هو الإسلامُ، وهذا الذي يَقولُهُ المطلِعونَ من الباحِثينَ المنْصِفِينَ في الغربِ أيضاً!، ولَئنْ كُنا ننفَرِدُ عَنْهُم بإيماننا بِوَعْدِ اللهِ لِهذهِ الأمّةِ؛ فإنّهُم قَدْ وافَقُونا في استِجْلاءِ كثيرٍ من النوامِيسِ  فِي إقامَةِ الدوَلِ وزوالِها.

وقولِي: إن الوارِثَ المُقْبلَ هو الإسلامُ، أردْتُ بهِ التفرِيقَ بينَ دعوةِ الإسلامِ الذي هو دينُ الأمةِ كافّةً؛ وبينَ الأحزابِ والفرَقِ التي سلكتْ في الدعوةِ إليهِ مسالكَ شتّى، فالأولُ هوَ الوارِثُ دونَ هذهِ الثانِيَةِ، إلاّ مِن جِهَةِ كونِها بَعْضَ أمةِ المسلمينَ؛ لَهم ما لها وعليهم ما عليها، وهِي الحقِيقَةُ التِي لا بدّ من الوقوفِ عنْدَها دُونَ مُجامَلَةٍ ولا مُدارَاة، ولا بُدَّ من الوقوفِ على أسبابِها، حتّى وإنْ ثَقُلَ ذلكَ على بعضِ الغيورِينَ الذينَ يستَعْجلُونَ القِطافَ، وصادِقُ الأمانِيّ لِمَنْ لزِمَ الطرِيقَ خَيرٌ من كَثِيرِهَا لِمَنْ تنَكّبَهُ.
وليكنْ الكلامُ في هذه الرسالةِ مُوزّعاً على فصولٍ جمعاً لأطرافِ الحديثِ وتيسيراً على القارئِ، وبالله العونُ والسداد:

عمادُ التلاحُمِ بينَ الدعوةِ والأمة:
الأول:
قدْ قلتُ من قبلُ في غيرِ هذا الموضعِ: ما مِنْ دَعوةٍ لا تستمْسكُ بحبلِ الأمةِ المسلِمَةِ وتكونُ الأمةُ من ثمةَ مَحْضِنا لها إلاّ وانقطَعْتْ بِها السبُلُ، وانْفصمتْ عُراها فَوُئِدَتْ فِي مَهدِها!، وأزيدُ عليهِ هنا فأقول: إنّ الأمةَ المسلِمَةَ بما أودَعَ اللهُ تعالى فيها من الخَيرِ الذي لا ينْقَطِعُ هي النهْرُ المادُّ للدّعْوَةِ إلى اللهِ، وإنّما تتَفاوَتُ الدعَواتُ قوةً وضَعْفاً بحسْبِ قوّةِ التلاحُمِ بَينَها وبَينَ جُمْهُورِ المسلِمينَ، ولا يخفَى أنّ المرادَ هو التلاحُمُ الذي يراعِي أمَرَينِ لا بُدّ مِنْهُما:
-المحافَظَةَ على أصولِ الإسلامِ وقواعِدِهِ.
-  والتيسيرَ على الناسِ المُستَمَدَّ من قواعِدِ رفعِ الحرجِ في الشرعِ، ومُواكَبَةَ ما يطرأُ على حياةِ الناسِ والأممِ من ذلكَ.

الأصولُ العَمَلِيّةُ للدعوة:
الثانِي:
وما يمرّ به العالَمُ الإسلامِيُّ اليومَ بُرهانٌ جلِيٌّ على أنّ الأمم الإسلاميةَ لا تزالُ قريبَةً من روحِ الإسلامِ، تكْمُنُ في أعماقِها عواملُ الثباتِ والنصرِ.
والظلمُ والاستِبْدادُ اللذانِ ابتُلِي بِهِما العالَمُ الإسلامِيُّ في عُقُودِهِ الأَخَيرَةِ وإن استَوَتِ الأممُ في رفضِهِ وردّهِ؛ إلاّ أنهُ لا يخْفَى أنّ الإسلامَ بينَهُ وبينَ العزّةِ والكرامَةِ نسبٌ وأيّ نَسَبٍ، بل الإسلامُ يُحَرّمُ الذلّةَ والخضوعَ لغيرِ اللهِ سُبحانهُ، ويَجْعَلُ من الرضا بالدّنِيّةِ والمَهانَةِ جُرْماً وذَنْباً يُؤاخذُ المرءُ بهِ ويحاسَبُ عليهِ!، سواءٌ كانَ ظلما سياسيا أو اجتِماعيا أو اقتصاديّا أو ثقافيّاً أو عِلْمِيّاً أو جانِباً آخَرَ من جوانِبِ الحياةِ، وهذا مَلحظٌ مُهِمٌّ لا بُدّ أنْ تتَناوَلَهُ كلُّ دعوةٍ إصلاحِيّةٍ بالمعالَجَةِ تَناوُلاً عَملَيّا لا نَظَرِيّاً فحسْبُ، والذي يُقابلُ الظلمَ في كلّ ذلكَ هوَ العَدْلُ، ولا يكونُ علاجُ شيءٍ من ذلكَ عملِيا إلا بأمور:

- أن يُوافِقَ الشرْعَ، وهو من المُسلّماتِ، وإنما ذكَرْناهُ تنبيها.
- أن يُلَبّيَ الحاجاتِ الفطْرِيّةَ والمطالِبَ الضرُورِيّةً للحياةِ البشرِيةِ.
- أنْ يكونَ كُلّياً، ومعناه: أن يتناوَلَ بالمُعالَجَةِ أصولَ المشكلاتِ الحياتِيّةِ وجذورَها.

واعلَمْ أن الأوّلَ يُغْنِي هنا عن الأخِيرَينِ معَ الفَهْمِ القوِيمِ لمَقاصِدِ الشرْعِ وحِكَمِهِ وأسرارِهِ، لكنّ تفاوت مراتِب الناسِ في العِلْمِ والفهمِ هو الذي يُحوجُ إلى مِثلِ هذا التفصيل، فإن الشرْعَ لمْ يأْتِ إلاّ برعايةِ الثانِي والثالثِ عَلَى أحْسنِ الوُجُوه، وإنّما يقعُ الخلَلُ لأسبابِ:

- منها: قلةُ العلمِ بآثارِ الرسالةِ...
- ومِنْها: إغفالُ الأصولِ المرعِيّةِ في السياسَةِ الشرْعِيةِ...
- ومِنها: ما يطرأُ على السياساتِ من التغيرِ والتبدّلِ معَ قصورِ آلَةِ الاجتِهادِ فيما يتعلقُ منها بمصالحِ المسلمين.

الإمامةُ والمطالِبُ الضرورية:
جمَعَنِي قَبلَ نحْوِ عامٍ مجْلِسٌ مَعَ أحدِ المُثقّفِينَ؛ وقدْ قضَى أكثَرَ من أرْبَعِينَ عاماً من عُمِرِهِ في بلادِ الغَرْبِ، وجرى حديثٌ طويلٌ عن المقارَنَةِ التي لا ينفكُّ الناس يعقدونَها بينَ الحياةِ في الغربِ، والسياساتِ الجائرَةِ في العالمِ الإسلامِي!، ثُمّ سألَني عن الإمامَةِ والسياسَةِ في الشريعَةِ الإسلامِيةِ؟، وعن فَهْمِ الناسِ لَها؟، وعنْ تَبايُنِ أنْظارِهِم في توصِيفِ الواقِعِ المُعاصِرِ بِتَحْكِيمِ أصولِها وقواعِدِها؟، وهلْ يُعْقَلُ أن لا يَجِدَ عُلماءُ المسلمينَ في أصُولِها المُحْكَمَةِ حَلاًّ نَفُوقُ بِهِ تلكَ الأُمَمَ أو يَجْعَلُنا أنداداً لَها على أقلّ تقدِيرِ؟.
قُلْتُ:
على رِسْلِكَ!، إنّ بَيْنَنا وبَينَ تلكَ الأُمَمِ اتّفاقاً وافْتِراقاً، فإنّنا وإنِ افْتَرَقْنا في الدينِ فَمّنّ الله علَينا بالإسلامِ الذي لا يَقْبَلُ من أحدٍ ديناً سواهُ؛ وضلُّوا هُمْ عنهُ!، إلاّ أننا وتلكَ الأُمَمَ بَشَرٌ نَشْتركُ في مطالِبِ الحياةِ الضروريّةِ التي لا بُدّ مِنها لكُلّ مُجْتَمعٍ إنسانِيّ، ولا يَكُونُ ذلكَ إلاّ بالاجْتِماعِ وتَحْقِيقِ العَدْلِ الذي يراهُ أكابِرُهُمْ، فَتَجْرِي سِياساتُهُمْ على وَفْقِ قواعِدَ مُتّفِقٍ علَيها تتَحَقّقُ بِها المَقاصِدُ الكلِيّةُ من اجْتِماعِهِم، وذلكَ يَتِمُّ تَحْتَ أعْيُنِ تلكِ الأُمَمِ ومُحاسَبَتِها، بِحَيثُ لا يَخْتَلُّ المقصودُ الأوّلُ الذي تَتَحّقّقُ بِهِ مقاصِدُ الأمةِ الكُلّيّةِ، ولا يَخْرُجُ القائِمُ علَى أَمْرِ الأمّةِ عن مُقْتَضَى العدْلِ الذي الذي اتفقُوا عليه.

وهذا الذي يَصْنَعُونَهُ من رِعايَةِ مَقاصِدِ الوِلايَةِ لَيس أمراً خاصّا بِهِم، بل الحَقُّ أن الذي جاءَ بِذلكَ هُو شريعَةُ الإسلامِ، وانتقالُ ذلكَ إلَيهِمْ بتأثيرِ المخالَطَةِ والمجاوَرَةِ وتبادُلِ الثقافاتِ بعدَ الفتحِ الإسلامِي للأندَلُسِ وما تلاهُ من القرونِ ظاهِرٌ يعتَرِفُ به المُنْصِفونَ من مُؤَرّخِيهِم قَبْلَ غَيرِهِم؛ وَلذا تَجِدُ من القواعِدِ المُحَرّرَةِ المقَرّرَةِ في الشرْعِ نَحْوَ قولِهِم: الأمورُ بِمَقاصِدِها: ومعناه: أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَى أَمْرٍ يَكُونُ عَلَى مُقْتَضَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ الأَمْرِ، فالأحْكامُ التِي تتَرَتّبُ على الولايَةِ تكونُ على مُقْتَضى ما هُوَ المقصودُ من الولايَةِ، ونَحْوَ قَولِهم: التصرُّفُ على الرّعِيّةِ مَنُوطٌ بالمَصْلحَةِ، أَيْ: أَنَّ تَصَرُّفَ الرَّاعِي فِي أُمُورِ الرَّعِيَّةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى الْمَصْلَحَةِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لاَ يَكُونُ صَحِيحًا، والمرادُ بالرّعِيّةِ: عمومُ الناسِ الذينَ هم تَحْتَ ولايَةِ الوالِي، ويشملُ ذلكَ السلطانَ الأعظمَ فمن دُونَهُ؛ من الوُلاةِ والوُزَراءِ والعمالِ والقضاةِ ومُتَولِي الحِسبَةِ والأوقافِ إلى وليّ النكاحِ ووَصِيّ اليتِيمِ، فكلُّ هؤلاءِ لا بُدّ أن تكون تَصَرُّفاتُهُمْ منوطَةً بالمصلَحَةِ وإلاّ فَهِيَ غَيرُ صَحِيحَةٍ ولا جائِزَةٍ، ولا يَحِلُّ لأحَدٍ إنفاذُها ولا الإعانَةُ على ذلكَ لأنهُ ظلمٌ حرّمهُ اللهُ تعالَى، وتَعاوُن على الإثمِ والعُدْوانِ ولا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في معْصيَةِ الخالِقِ.

وتَجِدُ أيْضاً فِيما تقَرّرَ من الأحكامِ تَفْوِيضَ أهلِ الحلّ والعقْدِ في تنْصِيبِ الإمامِ، فَهُمْ ينوبُونَ عن الأمةِ في ذلكَ، وهُو تنصِيبٌ منوطٌ بالمصلحةِ أيضاً، كما أنّ عَقْدَ الإمامَةِ عقْدُ تَفْويضٍ وتَوكيلٍ؛ ينوبُ فيه الإمام أوْ مَنْ يُنِيبُهُ الإمامُ مِمنْ تقَعُ بِهِ الكفايَةُ في أمورِ الولايةِ عن الأمةِ في حراسَةِ الدينِ وسياسَةِ الدنيا؛ وجامعُ ذلكَ استيفاءُ الحقوقِ مِمّنْ وجَبَتْ علَيهِ وأداؤُها إلى مُسْتَحّقّها، ولَيسَ هُو عَقْدَ تَمْلِيكٍ ولا هِبَةٍ ولا بَيْعٍ فيَصْنَعَ بِالأمّةِ وبِمصالِحِها ما أرادَ!.
وأما طاعَةُ المتغلّبِ –ولَو كان امرأةً - وهُوَ من فَقَدَ شروطَ الإمامَةِ وإن رضيَهُ القومُ، فقَدْ أوجَبها الشارِعُ تَحْصِيلاً لأعظَمِ المصلَحَتَينِ، ودفعاً لأكْبرِ المفْسدَتَينِ بارتِكابِ أدْناهُما، ولذا وجَبَتْ طاعَتُهُ عادِلاً كانَ أو جائِراً ما لمْ يُخالِفِ الشرْعَ، والشرْطُ مع هذا كلّهِ أن يَقومَ بِمصالحِ المسلمينَ، فإن عجَزَ عن القيامِ بِها فلهُ خلغُ نفسهِ، ولو لم يكنْ العجزُ ظاهراً بل استشعرَهُ من نفسِهِ فالصحيحُ أن له ذلكَ أيضا، وَفِي الْمَوَاقِفِ وَشَرْحِهِ : إنَّ للأمةِ خَلْعَ الإِمَامِ وَعَزْلَهُ بِسَبَبٍ يُوجِبُهُ، مِثْلُ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ اخْتِلالَ أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَانْتِكَاسَ أُمُورِ الدِّينِ؛ كَمَا كَـانَ لَهُمْ نَصْبُهُ وَإِقَامَتُهُ لانْتِظَامِهَا وَإِعْلائِهَا، وَإِنْ أَدَّى خَلْعُهُ إلَى فِتْنَةٍ اُحْتُمِلَ أَدْنَى الْمَضَرَّتَيْنِ.

وقدْ بَنَوْا على مراعاةِ مَقاصِدِ الإمامِةِ جُملَةً من الأحكام، فَمِنْها على وَجْهِ المثال لا الحصرِ:
- أن المتغلبَ لا تَثْبُتُ له الإمامةُ إلاّ إنْ دخلَ عُمُومُ الناسِ تَحْتَ طاعتِهِ؛ وإلاّ فَالخَارِجُ عَلَيهِ لا يكونُ باغياً، ومثلوا له بالحسين بن علي رضي الله عنه مع يزيد.
- أن الإمام إذا كلف الناسَ بمالٍ ظلماً فامتنعوا منْ إعطائهِ وقاتلهمْ فقاتَلُوه لا يكونونَ بغاةً بذلكَ.
- ومِنْها: أنه لا يَجوزُ لهُ قِتالُ الخارِجِينَ علَيهِ إن لَمْ يَكُنْ عَدْلاً؛ لاحتمالِ أن خروجَهُم علَيهِ لعَدَمِ عدلِهِ؛ وإن كان لا يجوزُ لهم الخروجُ عليه أيضا، كذا في حاشية الصاوي على الشرح الصغير.
- ومنها: جواز قبولِ العدْلِ الولايَةَ من المتغلّبِ؛ ولم يعُدّوها جرْحةً لخوفِ تعطيل الأحكام. مِنَحُ الجليل.
- ومِنها أن المتغلبَ على إقليم لو نصب فاسقا أو جاهلاً للحكمِ بينَ الناس، فإن تعذرَ مَن هو أهلٌ نفذتْ أحكامهُ للضرورة. ذكره الهيتمي في الفتاوى عن النووي عن جماعة من العلماء.
- ومْنها: ما ذكره الهيتمي أيضا وهو عقب الكلام السابق فقال: فإذا خَلَتْ بَلَدٌ أو قُطْرٌ عن نُفُوذِ أَوَامِرِ السُّلْطَانِ فيها، لِبُعْدِهَا وَانْقِطَاعِ أَخْبَارِهَا عنه؛ وَعَدَمِ انْقِيَادِ أَهْلِهَا لأَوَامِرِهِ لو بَلَغَتْهُمْ؛ فلم يُرْسِلْ لهم قَاضِيًا؛ وَجَبَ على كُبَرَاءِ أَهْلِهَا أَنْ يُوَلُّوا من يَقُومُ بِأَحْكَامِهِمْ، وَلا يَجُوزُ لهم أَنْ يَتْرُكُوا الناس فَوْضَى، لأَنَّ ذلك يُؤَدِّي إلَى ضَرَرٍ عَظِيمٍ.
- ومنها: أن العدْلَ إذا قُلّدَ ثم جارَ وفسَقَ لا ينعزِلُ؛ ولكن يستحِقُّ العزْلَ إنْ لَمْ يستلزِمْ فتْنَةً. رد المحتار. وذكر النووي في المجموع ثلاثة أوجهٍ حكاها الجوينِي.
- ومنها: إِذَا تَعَذَّرَتْ الْعَدَالَةُ فِي الأَئِمَّةِ وَالْحُكَّامِ قَدَّمْنَا أَقَلَّهُمْ فِسْقًا. مغني المحتاج عن الشيخِ عِزّ الدينِ.
فأنتَ ترى أن هذه الأحكامَ إنما أريدَ بِها مراعاةُ الضروراتِ والمقاصِدِ الكليّةِ من الإمامةِ، وأوضحُ من هذا في الدلالة على المرادِ ما ذكرهُ ابنُ غُنَيْمٍ في شرحِ رسالَةِ ابنِ أبي زيدٍ القيروانِي عن القُرْطُبِي: إذا نُصِّبَ الإمامُ عدلاً ثم فَسَقَ بعدَ إبرامِ العقْدِ، فقالَ الجُمْهُورُ: وتنفسخُ إمامتُه وينخَلِعُ بالفِسقِ الظاهرِ المعلُوم؛ لأنه إذا ثبتَ أنّ الإمـامَ إنما يُقامُ لإقامَةِ الحدودِ واستيفاءِ الحقُوقِ وحفظِ أموالِ الأيتامِ والمجانينِ والنظَر فِي أُمُورهِمْ وغيرِ ذلك، وما فيهِ منَ الفِسْقِ يُقْعِدُهُ عنْ القيامِ بِهذِهِ الأُمُورِ، فلَوْ جَوّزْنا أنْ يكونُ فاسقًا أدّى إلَى إبطالِ ما أُقِيم لأَجْلِهِ. ثم قال الشارح: وَيَنْبَغِي أَنْ يكُونَ مَحَلُّ الخلافِ ما لَمْ يَشْتَدَّ الضرَرُ بِبَقائِه؛ وإلاّ اتُّفِقَ عَلَى عَزْلِهِ. انتهى.

ويكَمّلُهُ ما حققهُ الجُوَيْنِيُّ في غياثِ الأُمَمِ بقولِهِ: فأمّا إذا تَوَاصَلَ مِنْهُ العِصْيانُ؛ وفَشا مِنه العُدْوانُ؛ وظهرَ الفسادُ؛ وزالَ السّدادُ؛ وتعطّـلتِ الحقوقُ والحـدُودُ؛ وارْتَفَـعَتِ الصّيَانَةُ؛ وَوَضَحَتِ الخِيانَةُ؛ واسْتَجْرأَ الظلَمَةُ؛ وَلَم يَجدِ المظلومُ مُنْتَصَفاً مِمّنْ ظلَمَهُ؛ وتدَاعى الخـللُ والخطـلُ إلَى عظائمِ الأمور؛ وتَعَطُّلِ الثغُورِ، فلا بدَّ من استدراكِ هذا الأمْرِ المتفاقِم... وذلكَ أنّ الإمامةَ إنّما تَعْنِي لِنَقِيضِ هذِهِ الحالَةِ، فإذَا أَفْضَى الأَمْرُ إلَى خِلافِ مَا تَقْتَضِيهِ الزّعَامَةُ وَالإِيالَةُ، فيجبُ استدراكُهُ لا مَحالَةَ...إلَى آخرِ ما قالَ، وهذا المبْحَثُ أحدُ المقاصِدِ التِي بَنَى كتابَهُ عليها، وقد قالَ في الكلامِ على هذا المقصد: فإنْ لَمْ نَجدْ كافياً وَرِعاً مُتّقِياً، ووَجدْنا ذَا كِفَايَةٍ يَمِيلُ إلَى الْمُجُونِ وفُنُونِ الفِسْقِ، فإنْ كانَ فِي انْهِماكهِ وانتهاكِه الحرُماتِ واجْترائِهِ علَى المنْكَراتِ بِحَيْثُ لا يُؤمَنُ غائلتُهُ وعادِيتُه؛ فلاَ سِبيلَ إلَى نَصْـبِهِ؛ فإنـهُ لَـوْ اسْتَظْهَرَ بالعِنادِ وَتَقَوّى بِالاسْتِعْدادِ؛ لزادَ ضَيْرُهُ علَى خَيْرِهِ؛ وَلَصَارَتِ الأُهُبُ والعُدَدُ العَتِيدَةُ للدّفَاعِ عَنْ بَيْضَةِ الإسلامِ ذرائعَ للفَسادِ؛ وَوَصائِلَ إلَى الحَيْدِ مِـنْ مَسـالِكِ الرّشادِ!، وهذَا نَقِيضُ الغَرَضِ المقْصُـودِ بِنَصْـبِ الأَئِمّةِ..... إلى أن قال: ولَوْ فُرِضَ فاسِقٌ يَشْرَبُ الخَمْرَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الموبِقَاتِ؛ وَكُنّا نَراهُ حريصاً - مَعَ مَا يُخامِـرُهُ مِنَ الـزلاّتِ وَضُرُوبِ المخَالَفاتِ - علَى الذّبِّ عَنْ حَوْزَةِ الإسْلامِ؛ مُشَمِّراً فِي الدّينِ لانْتِصـابِ أَسْبابِ الصّلاَحِ العامّ؛ العائِدِ إلَى الإسلامِ، وكانَ ذا كِفَايَةٍ؛ ولَمْ نَجِـدْ غَيْرَهُ؛ فالظاهِرُ عِندِي نَصْبُهُ؛ معَ القيامِ بِتَقْويمِ أَوَدِهِ علَى أَقْصَى الإمْكَانِ. انتهى.

فَكلُّ هذا الذي حكيتُهُ لكَ - وغيرُهُ كثيرٌ - هُوَ الذي يُفْضِي إلى تَحْقِيقِ المقاصِدِ الجامِعَةِ والمصالحِ المرعِيّةِ للأُمَّةِ المسلمةِ، وهُوَ الذي يُطابِقُ المطالِبَ الضروريّة ويلَبّي الحاجاتِ الفطرِيّةَ التي تتفِقُ فيها الأُمَمُ اتفاقَها في السننِ الكونِيَةِ القدَرِيّةِ، وهو الذي يُناسِبُ تَمامَ المناسَبَةِ سُرْعَةَ التطَوُّرِ في أسالِيبِ الحياةِ والتي تُفْضِي إلى سُرْعَةِ التغَيُّرِ في وُجُوهِ السياساتِ والمصالِحِ المُعْتَبَرَةِ في حياةِ الأمةِ.

من عِلَل الإخفاق:
فانْظُرْ – لِتَعْلَمَ أينُ مَوْطِنُ الخَلَلِ في خِطابِ الدّعْوَةِ – كَيْفَ يُخْتَزَلُ هذا كُلُّهُ لِيُصْبِحَ في مسألَةٍ واحِدَةٍ فَحَسْبُ!؛ هِي: السمْعُ والطاعَةُ للإمامِ!، دُونَ التعْويلِ على شَيءٍ آخَرَ مما قضَى الشرْعُ باعِتِبارِهِ من الأصولِ التي لاَ تستقيمُ الحياةُ إلا بِها، ولا التعْوِيلِ على شَيءٍ منَ الحاجاتِ الفطْرِيةِ والضروراتِ الاجتماعِيةِ التي راعَاها الشرْعُ؛ والتي لا قِيامَ للدولِ ولا بقاءَ لها إلا بِها!.

وهذا هو الذي يجعلُ مثلَ هذه الدعَواتِ لا قِيمَةَ لها في حياةِ الأمةِ، حَتّى وإن تَبَدّتْ في الظاهِرِ في ثيابِ العِلْمِ والنسكِ والوَرَعِ!، ولذا لما وقعَ في العالَمِ الإسلامِي ما ترَى لَمْ يأْبَهِ الناسُ بتلكَ الدعواتِ ولم يُلْقوا لَها بالاً، لأنّها لَمْ يكُنْ لَها أثَرٌ في حياةِ الأُمّةِ أصلاً.
وإنّما غابَ أثَرُها عن الأمّةِ لأنها فشِلَتْ في مُعالَجَةِ المشْكِلاتِ الحياتِيّةِ والضروراتِ الاجتماعِيّةِ التي أصبَحَتْ عُرْضَةً لكُلّ ناهِبٍ في العالمِ الإسلامِي!،
فوقعَ لهَا شَبِيهُ ما وَقعَ للأُمَمِ الغَرْبِيّةِ في القرونِ الوُسْطَى، حينَ خَرَجَتْ تلكَ الأمَمُ عن طاعَةِ الكنيسَةِ ورهبان الكنيسةِ لأنّهم فشلوا فِي إيجادِ الحلُولِ الواقِعِيّةِ للمطالِبِ الحياتيةِ والاجتِماعِيةِ الضرورِيّةِ، فأفْضَى ذلكَ إلى الفصْلِ بَينَ الدينِ والدولَةِ في تلكَ الأممِ!، ولذا قيلَ فِي مِثلِ هذا: إنّ كُلّ شَيءٍ يَسيرُ ولا يَبقَى جامِداً لا يتَغَيرُ؛ إلاّ العُلماء!، وهذهِ المقولَةُ وإن استَندَتْ إلى بَعضِ الوقائعِ إلا أنّها قدِ انتَبَذتْ من الفهمِ الصحيحِ لرسالَةِ الإسلامِ مكاناً قصيّا.

وحينَ وقعَ في العالمِ الإسلاميّ ما وقعَ؛ قرأتُ؛ كما سَمِعْتُ كثيرِينَ يُعَلّقونَ على ذلكَ بأنّها (ثورَةُ الخُبْزِ والجِياعِ!)، فقُلْتُ تعلِيقاً على قولِ بعْضِهِم: سُبْحانَ اللهِ!، إنكمْ لا تَزالُونَ تُقِرُّونَ بأقوَالِكُمْ هذهِ – من حَيثُ تَعْلُمونَ أو لا تَعْلَمُونَ – مَبْدأَ الفصْلِ بَينَ الإسلامِ والحياةِ!، أو الإسلامِ والدولَةِ!، إذْ جَعَلْتُمْ دَعْوَةَ الإسلامِ قَرِينَةَ الفَقْرِ والحِرْمانِ والبطالَةِ والفراغِ والكسادِ والجَهْلِ والمَرَضِ، كما جَعَلْتُموها قرينَةَ الضعْفِ والذلّةِ والمهانَةِ!، وكلّ هذا مِما يُفْضِي إليْهِ انتِشارُ الفَقرِ في الأمةِ حَتْماً، ولَيسَ انتشارُ الفَقْرِ والحاجَةِ في الأمُةِ إلا فَرْعَ الظلْمِ، والظلْمُ في العالَمِ الإسلامِي ولِيدُ إقْصاءِ شريعَةِ الإسلامِ وإحلالِ الشرائعِ الوضْعِيّةِ والسياساتِ الجائرَةِ مَحلّ العدْلِ الذي أمرَ اللهُ تعالَى بِهِ عِبادَهُ.

والأَمرُ
بالإنفاقِ في سبيلِ اللهِ الذي جاءَتْ بِهِ شرِيعَةُ الإسلامِ؛ حتى قيل إن مقاصدَ القرآنِ أربعَةٌ هذا واحِدٌ مِنْها!، وفَتْحُ الشارِعِ أصْلَيِ الموارِدِ الحلالِ للمالِ وهما التجارَةُ التي أباحَها الله تعالى تيسيراً على الناس؛ والغنيمَةُ التي هِي قوّةٌ للأمةِ وإخضاعٌ للخارِجينَ عن سلطانِ الشرْع، ثُمَّ ما حرّمهُ اللهُ تعالَى من الربا وأكلِ الأموالِ بالباطِلِ، كُلُّ ذلكَ لضمانِ أحَدِ رُكْنَي القُوّةِ اللذَينِ بِهِما بناءُ الأُممِ وقوةُ الدولِ: المالِ والعلمِ.

ومِن وراءِ ذلكَ أنّ حقيقَةَ الحالِ في العالَمِ الإسلامِيّ قَدْ جاوَزَتْ ما ذكرَهُ الجُوينِيُّ وغيرُهُ من تفويتِ مقاصِدِ الإمامَةِ بِتَولِيَةِ مَن لا تُؤْمَنُ غائلَتُهُ وعادِيَتُهُ على مصالِحِ المسلمينَ بِمراحِلَ لا يَحِلُّ غَضُّ الطرْفِ عَنْها بِحالٍ، لِخُروجِها عن الشرْعِ جُمْلَةً من جِهَةٍ، ولإفْضائِها إلَى تَعْطِيلِ المصالِحِ الكليّةِ التِي لا قوامَ لحياةِ الناسِ دُونَها، فقد اجتمعَ في السكوتِ عن ذلكَ وتركِ إنكارِهِ وتغييرِهِ أمران: مخالَفةُ الشرعِ، وتعطيلُ ضروراتِ الحياةِ!، فكيفَ يُرْجَى معَ هذا لدَعْوَةٍ من الدعَواتِ أنْ يكونَ لها في الأمةِ أثرٌ، أو أنْ تنْهَضَ بِها نُهوضاً يُخَلّصها من الأغلالِ التِي تُرْهِقُها بَينَ حينٍ وحينٍ؟!.

أخذُ العلماءِ على أيدِي العابِثينَ:

وَمن أوجَبِ الواجِباتِ على عُلماءِ المسلمينَ وأهلِ الحلّ والعقْدِ مِنهُمْ الأخْذُ علَى يَدِ من أرادَ أنْ يَعْبَثَ بِمصالِحِ الأُمّةِ كائِناً مَن كانَ، خاصّةً ما يَقَعُ من ذلكَ من الحُكامِ والولاةِ، لأنّ ضَرَرَ العُدْوانِ من هَؤلاءِ ليسَ كالضرَرِ الحاصِلِ مِن آحادِ الرعِيّةِ، ثُمّ الإنكارُ علَى السلطانِ والمتولّي على مراتِبَ فِي الشرْعِ بِحَسْبِ مَرْتَبَةِ المُنكَرِ أيضاً، فلا يُقْتَصَرُ بِهِ علَى النصْحِ سِرّاً كما دَأَبَ بَعْضُهُمْ على القولِ بهِ فِي كلّ حينٍ؛ حَتى يصيرَ ذلكَ ذريعَةً لانتشارِ أعظمِ المُنكرَاتِ!، ولا يُقْتَصَرُ بِهِ أيضاً على المُنابَذَةِ بالسيفِ حَتى يُرْهَقَ المُسلِمُونَ بتكالِيفَ وأحمالٍ هيَ من قبيلِ الآصارِ والأغلالِ التِي وضَعَها اللهُ تعالَى عنْهم.

بلِ الإسرارُ بالنصْحِ والمنابَذَةُ بالسيفِ كِلاهُما من الشْرعِ، وبَينَهُما مراتبُ مُتفاوِتَةٌ ومنازِلُ مُتبايِنَةٌ، ومن زَعَمَ أن المنابَذةَ بالسيفِ خارِجَةٌ عن الشرْعِ فَهُوَ كمن زَعَمَ أن الإسرارَ بالنُّصْحِ خارِجٌ عن الشرْعِ!، وكلاهُما قائلٌ على الله تعالى بغيرِ علْمٍ إذْ أبْطلَ مِن الشرْعِ ما جاءَ بهِ، نَعَمْ لكُلِّ مَرْتَبةٍ من هذه المراتِبِ أحكامٌ تَخْتَصُّ بِها، يضطلعُ بِها الراسخُونَ في العِلمِ، الجامعُونَ بَينَ معرِفَةِ أسرارِ الشريعَةِ ودَقائِقِها، ومعْرِفَةِ حقيقَةِ الأحوالِ التي تمرُّ بِها الأمةُ والعلَلِ التي أصابِتْها.ولئِنْ غفَلَ الأوّلُونَ عن أنّ تَرْكَ الأخْذِ على أيْدِي الظَلَمَةِ يُفْضِي إلى فُشُوِّ الظلْمِ وتعطِيلِ مصالِحِ الأُمّةِ جَمِيعِها، كما وقعَ في نفْسِ الأمرِ فأفْضَى إلى إقصاءِ شريعَةِ الإسلامِ، وتحكيمِ السياساتِ الجائِرَةِ بل والكافِرَةِ، ومواطَأةِ أعداءِ الأمةِ والشريعَةِ، وتمكينِهِم من البلادِ والعبادِ!، وغيرِ ذلكَ مِما انتَهى ببلادِ الإسلامِ إلى الحالِ الذي نراهُ!، فقَدْ غفَلَ الأخيرُونَ كذلكَ عن أنّ دفعَ ذلكَ إنّما هُوَ من قَبيلِ دَفْعِ الصائلِ، يُتَحَرّى فِيهِ الأسْهَلُ حِياطَةً لأهلِ الإسلامِ، ورِعايَةً لِمَصالِحِ الأنامِ، كما قُلنا في غيرِ هذا الموضعِ:

إِنْ وَقَعَ مِن الحاكِمِ كُفْرٌ بَواحٌ لا خَفاءَ فِيه؛ وقامَ عَلَيهِ بُرْهانٌ مِن الشَّرْعِ، كانَ هَذا بِمَنْزِلَةِ الصائِلِ الذِي يَتَعَيَّنُ عَلَى المُسْلِمِينَ دَفْعُهُ، فَإنْ أمْكَنَ أَهْلَ الحَلِّ والعَقْدِ مِن العُلَماءِ ورُؤُوسِ الناسِ خَلْعُهُ وَالقِيامُ بِأمْرِ الشَّرْعِ وإنْفاذُ أَحْكامِهِ مِن غَيْرِ قِتَالٍ وإراقَةِ دَمٍ وجَبَتِ المُبادَرَةُ إلَيهِ، ومِن أعونِ الأمورِ على ذلكَ أن يكونَ لأهلِ العلْمِ في العالَمِ الإسلامِيّ رابِطَةٌ مُستَقِلّةٌ تَجْعَلُ لَهُم حصانَةً حافِظَةً وكلِمَةً نافذةً؛ فَهِي بِمَنزِلَةِ سلُطةِ عُلْيا تُشرِفُ على المصالِحِ الكُبْرَى للعالَمِ الإسلامِي، وتتولّى مُراقَبَةَ المسؤُولِينَ عن تَنفِيذِها، فإنْ ظَهَرَ مِن بَعْضِهِم عجزٌ أو قصورٌ أخذَتْ على يَدِهِ، وقضتْ في ذلكَ بِما تقْتَضِيهِ الأمانَةُ؛ ومصلَحَةُ الأمةِ والديانَةِ

وإنْ لَمْ يُمْكِنْ ذلكَ إِلاَّ بِأَنْ يَنْصِبُوا لِحَرْبِهِ وجَبَ بِشَرْطَيْنِ:

- القُدْرَةِ عَلَى ذلكَ، وتَقْدِيرُها مُفَوَّضٌ إلَى أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ؛ مِن أكابِرِ العُلَماءِ وذَوي الخِبْرَةِ والِشَّأنِ مِن عُدُولِ المُسْلِمين، ومَعَ العَجْزِ فَلا تَكْلِيفَ، والواجِبُ حِينَئِذٍ الصَّبْرُ؛ والعمَلُ على تَقلِيلِ الشّرِّ ما أمكَنَ، والسَّعِيُ فِي تَحْصِيلِ أسْبابِ القُدْرَةِ التي يَتحَقّقُ بِها إقامةُ العَدْلِ؛ والمَيْسُورُ لا يَسْقُطُ بالمَعْسُور.

والثانِي: أَنْ لا يُفْضِيَ القِيامُ بِذلكَ إلَى مَفْسَدَةٍ أعْظَمَ، فَإنَّ الكُفْرَ لَيْسَ عَلَى مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، ولا عَداؤُهُ للإسلامِ والمُسْلِمِينَ علَى مَنْزِلَةٍ واحِدَةٍ، وَرُبَّما كانُوا أَقْدَرَ علَى تَحْصِيلِ المَصْلَحَةِ فِي زَمانٍ دُونَ آخَرَ، ولأَنَّ تَحْصِيلَ المَصْلَحَةِ مِن وَجْهٍ يُفْضِي إلَى تَفْوِيتِها باطِلٌ؛ فَيُمْنَعُ، ومَتَى تَرَجَّحَ حُصُولُ المَصْلَحَةِ بالقِتالِ تَعَيَّنَ ذلكَ، فإنَّ البادِيَةَ والحَاضِرَةَ لَو اقْتَتَلُوا حَتَّى يَذْهَبُوا عَن آخِرِهِمْ كانَ أهْونَ مِن أنْ يَنصِبُوا فِي الأرْضِ الخُكْمَ بِخِلافِ شَرِيعَةِ الله.

لقراءة باقي المقال أضغط هنا 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الأستاذ خالد فتحي خالد حسين قاسم الأغا

اظهر المزيد