النخلة  |  عائلة الأغا



الرئيسة / مقالات / الثقافة العربية والنهضة بقلم- أ. منار يوسف الأغا

الثقافة العربية والنهضة بقلم- أ. منار يوسف الأغا

 الثقافة العربية والنهضة

توجد ثقافات عدة في الدول العربية يتباين طابعها بحسب طبيعة الدولة ومكوناتها وتاريخها وطبيعة الجغرافيا ’ وتكاد هذه الظاهرة أن تكون سمة لكل دولة عربية ’ حيث لم تفلح أي دولة في خلق ثقافة مشتركة أو عامة تستوعب الثقافات التقليدية فيها وتكون أنموذجا يحتذى به من قبل الآخرين ’ يعبد الأرضية التي يمكن الاستناد إليها في خلق ثقافة نهضوية .

فبالرغم من المقومات الموجودة التي يمكن أن تدفع نحو أشكال وحدوية ثقافية ’ كون شعوب الدول العربية يتحدثون لغة واحدة ولهم تاريخ مشترك تقريبا وأغلبيتهم يدينون بدين واحد ’ مع أقليات دينية أخرى ’ إلا أن كل ذلك لم يستثمر في خلق ثقافة تذيب الفوارق الثقافية الموجودة . ويمكن تحديد أبرز أوجه تلك الثقافات فيما يلي :- بعد أنحسار الحركات القومية العربية تم تعزيز الدولة القطرية وبرزت الثقافة القطرية بشكل قوي محدثة شرخا بين أبناء الشعب العربي ’ بحيث أصبح كل قطر له ثقافة وشخصيته المميزة . وقد دفع في ذلك طبيعة الانظمة الحاكمة التي حرصت على ترسيخ القطرية ’ وخلق ثقافة تتسم بالخضوع والتسلط وتكوين شخصية ثقافية للقطر ترتكز على طبيعة النظام القائم ومن يحكمه ’ وتوظيف الأوجه الإبداعية والمبدعين كافة نحو هذا المحور للترويج للنظام ومن هو في الحكم .

ولعل أخطر ما نجح به من روج للثقافات القطرية هو وضع إسفين بين أبناء الشعب العربي ’ بحيث أصبحت الشعوب العربية عبارة عن كيانات منفصلة تتنافس فيما بينها بطريقة تبعد في الكثير من الأحيان عن التنافس الشريف ’ وتعزز من ثقافة الإقصاء فيما بينها ’ والترفع بل وازدراء بعضها بعضا والتكبر والعنجهية في التعامل ’ ولا تتوانى في استخدام مظاهر العنف المختلفة فيما بينها للتعبير عن كراهيتها أحيانا.

ولعل أسطع الأمثلة على ذلك ما تفعله الرياضة ’ خصوصا كرة القدم ’ عندما تتحول المباريات من تنافس رياضي إلى معارك سياسية وقطرية تصل إلى حد العنف والتشهبر ’ وقد تؤدي لقطع العلاقات فيما بينها . ومن الثقافة القطرية إلى الثقافة في الفكر الواحد . ففي كل قطر عربي لا توجد هناك ثقافة مشتركة يمكن أن يلتف حولها أفراد دولة عربية ما . فعلى الرغم من ترسيخ الثقافة القطرية لكل دولة فإنها لم تنجح في إنهاء التباين الثقافي بين مكونات المجتمع ’ لأن معظم الأنظمة العربية اعتمدت على التشكيلات الاجتماعية ( كالطائفية والقبلية والأقليات العرقية ......إلخ )

في هيمنتها على الدولة والمجتمع ’ وعززت من قيمها الثقافية التقليدية مثل الثقافة الريفية والقبلية والطائفية والعرقية والحضرية ’ بحيث خلقت حالة من التفرقة والصراعات الاجتماعية والسياسية ’ وحولت كيان المجتمع والدولة إلى نظام من المحاصصة خصوصا بعد تسييس التشكيلات الاجتماعية . وكما هو معروف فقد تخللت هذه الثقافات أصناف شتى من العصبيات والمفاهيم الإقصائية ’ وتجذرت في بعض المجتمعات العربية لدرجة تحول بعضها ’ خصوصا الطائفية ’ لأعمال عنف ومصادمات دموية أحيانا كما حدث في لبنان وما جرى ويجري في العراق والسودان وغيرها . وتعبر الثقافات التقليدية في المجتمعات العربية عن واقع سابق على الواقع الحالي الذي نعيشه ’ فمعظمها عبارة عن نتاج لعلاقة عدد من الشرائح الاجتماعية مع الطبيعة علاوة على الأسس والعلاقات الاجتماعبة وقيمها السائدة بين مختلف الافراد المنتمين لشريحة ما.

وعلى الرغم من التحول الذي جرى في الأغلبية الساحقة من الأقطار العربية فإن هذا التغيير قد طال الجوانب المادية بالدرجة الأولى ولم يمتد إلى الجوانب الثقافية . فعملية التحديث استقرت على البنية التحتية ولم تتجاوزها للتحديث الثقافي ’ بل إن ما جرى في الفترة الأخيرة ’ خصوصا العقود الاربعة الأخيرة ’ يعبر عن ردة ثقافية حقيقية تحاوزت سلبياتها الثقافية عددا من السلبيات السائدة في ثقافة المجتمعات السابقة . ومع الأسف لم نجد مجتمعا عربيا واحدا لدولة ما استطاع أن يكون أنموذجا لإذابة الفوارق الثقافبة بين شرائحه المختلفة ’ فلو استطاع مجتمع ما أن يسير بعملية التحديث الثقافي بخطى ثابتة ويتجاوز الأشكال الثقافية التقليدية ’ لربما يصبح مجتمعنا رياديا في إحداث تحول ثقافي حقيقي ويعطي بارقة أمل للشعب العربي في جميع أقطاره ’ لكن ذلك لم يحدث مع الأسف حتى هذه اللحظة .

منار الأغا
سفارة فلسطبن _ زيمبابوي

أضف تعليقاً

التعليقات على الفيس بوك