مقالات

عَبْقَرِيَّةُ السّكُونِ- التَّاءُ السََّاكِنَةُ: بقلم- أ. فتحي رَمَضَان الحَاجّ مُحَمَّد الأَغا

عَبْقَرِيَّةُ السّكُونِ- التَّاءُ السََّاكِنَةُ:
بقلم: فتحي رَمَضَان الحاجّ مُحَمّد الأَغا .
حقوق الملكية الفكرية ليست محفوظة للكاتب.

تمهيد:
يقصد بالتاء الساكنة في هذه الدراسة ما يعرف لدى النحاة ب:تاء التأنيث تلكم التاء الساكنة التي تتصل بالفعل الماضي لتضفي عليه تأنيثا حقيقيا أو مجازيا وفق طبيعة مرفوع ذلكم الفعل الماضي الذي لا يخرج عن كونه فاعلا أو نائب فاعل أو اسما لفعل ناقص(كان وأخواتها وأفعال المقاربة)،يكون ذلكم المرفوع ظاهرا أو مضمرا هذا من الناحية الإعرابية،وعليه فالفعل الماضي الذي تتصل به تاء التأنيث إما فعلٌ تام،وإما فعلٌ ناقص،فالتام يكون لازما أو متعديا،مبنيا للمعلوم أو مبنيا للمجهول،والناقص هو ما اكتفى بمرفوعه اسما له وبمنصوبه خبرا له.ومن هنا فهذه الدراسة يمكن أن تنحو أكثر من نحو ،وأن تسير في أكثر من اتجاه،ذلك أن طبيعة مرفوع الفعل الماضي الذي تتصل به التاء الساكنة هي صاحبة الدور في ذلكم التأنيث كما سيتضح ذلك من متابعة تلكم المرفوعات المتعددة ما بين مؤنث حقيقي أو مجازيّ أو جمع تكسير،يشار هنا إلى أن تلكم التاء الساكنة يمكن أن تتجه نحو الكسر تحاشيا لالتقاء ساكنين في كلمتين متجاورتين،وهي ظاهرة نطقية بحتة يمكن ملاحظتها في سياق هذه الدراسة غير أن هذا لا يغير شيئا من حالتها الإعرابية كحرف تأنيث مبنيّ علي سكون مقدر منع من ظهوره الكسر العارض منعاً لالتقاء الساكنين لامحل له من الإعراب،الملحظ أن تلكم التاء الساكنة يسبقها الفتح بمعنى أن هناك اعتبارا آخر يعزز كون تلكم التاء الساكنة حرفَ تأنيث مبنيًّا على السكون،ذلكم الاعتبار هو انفتاح ما قبل تلكم التاء،ذلكم الفتح الذي يكون غالبا علامة بناء الفعل الماضي طالما كان ذلكم الماضي صحيح الآخر،أما حين يكون معتل الآخر فتحذف لامه حين تتصل به تاء التأنيث(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم) ويقال في إعرابه: فعل ماض مبنيّ على الفتح المقدّر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين،وقد حاول كاتب هذه السطور جهده في دراسة هذه الحالة،من خلال آيات كتاب العربية الأكبر،وتبين له ما يلي:

*أن تاء التأنيث الساكنة وفق صحيح اللسان العربيّ وسليمه لا بد من أن يسبقها الفتح وهو علامة بناء الفعل الماضي المتصلة به وذلكم الفتح- ظاهرا أو مقدرا- يؤكد ماضوية ذلكم الفعل.
*أن تلكم التاء الساكنة قد تُحرك اضطرارا كظاهرة نطقية وتكون حركتها نحو الكسر.
*أن ذلكم الفعل الماضي يطلب مرفوعا بعده ظهورا، أو إضمارا في محل رفع،وأن ذلكم المرفوع الظاهر أو المضمر لا يخرج عن:فاعل أو نائب فاعل أو اسم لفعل ناسخ من فصيلة كان وأخواتها،أو من فصيلة أفعال المقاربة والرجاء والشروع المعروفة نحويًّا بأفعال المقاربة. غير أن ذلك لا يعني أن كل تاء ساكنة هي حرف تأنيث،وقد سبقت الإشارة إلى أن ما يعزز تلكم التاء الساكنة لتنصرف إلى التأنيث فضلا عن طريقة رسمها تاءً مبسوطة- تْ-هو فتح ما قبلها.وحين احتفظ كاتب هذه السطور بسكون التاء،اتجه إلى تساؤل حول تغيير حركة ما قبل تلكم التاء الساكنة،فوجد نفسه أمام احتمالين لا ثالث لهما:

الاحتمال الأول: كسر ما قبل التاء الساكنة،الثاني: ضم ما قبل التاء الساكنة،وقد سبق أن الفتح قد نجم عنه تاء تأنيث ساكنة كحرف تأنيث مبنيّ لا محل له من الإعراب وهو قابل للحذف بما لا يؤثر على بنية الماضي الأساسية،فما هي النتائج المحتملة من ضم أو كسر ما قبل التاء الساكنة؟ إن فتح أو كسر ما قبل التاء الساكنة لن ينجم عنه تاء تأنيث وفق دقة وصرامة وجمالية  اللسان العربيّ،وقد أفرد كاتب هذه السطور لتلك الحالة وما نجم عنها من نتائج مدعومة بآيات كريمات،كما حاول ترتيب موضوع دراسته ولملمة أطرافه في إطار ميسر .فأفرد لتاء التأنيث الساكنة موضوعا مستقلا،ولتاء التأنيث المتحركة اضطرارا موضوعا مستقلا،ولتاء التأنيث التي لحقتها الضمائر  موضوعا آخر. ولم يغب عن بال كاتب هذه السطور وفق هذه الدراسة أن يعرّج على  الحالات الافتراضية لتاء التأنيث الساكنة ضمن بعض اللهجات العربية لتكون تلك الحالات على النحو التالي:

*الأصل في تاء التأنيث السكون وفتح ما قبلها،وقد تتحرك نحو الكسر اضطرارا مع بقاء فتح ما قبلها "لام الفعل "كعلامة بناء للماضي،ومن خلال افتراض يقاء تلكم التاء على سكونها،فما هي الحالات اللهجية الافتراضية التي يمكن الوصول إليها؟
*لقد تمخض ذلك عن:

- لهجة افتراضية تحافظ على فتح ما قبل تاء التأنيث الساكنة أسوة بصحيح اللسان العربيّ وسليمه،فتقول:راحَتْ-نامَتْ-غابَـتْ -دَارَتْ .

- لهجة تتجه إلى كسر الأول وسكون الثاني وكسر ما قبل التاء مفادها:رِبْحِتْ-خِرْبِتْ- خِسْرِتْ – رِجْعِتْ: الملحظ  هنا هو كسر الأول-فاء الكلمة-وتسكين الثاني-عين الكلمة،بمعنى آخر نقل حركة العين المكسورة إلى الفاء،فإن كانت العين مفتوحة حوّلت أيضا إلى كسر الفاء، أي غلبة الكسر على فاء الكلمة.

- نفس النمط السابق كسر الأول تسكين الثاني مع فتح الثالث:رِبْحَتْ-كِبْرَتْ-وِلْدَتْ-فِرْحَتْ.نِجْحَتْ . ومن اليسير نسبة كل لهجة إلى أصحابها في بلاد العرب.

- لهجة افتراضية أخرى تتجه بحركة ما قبل تاء التأنيث الساكنة إلى الكسر فتقول:راحِتْ – غابِـتْ – نامِتْ – فاتِتْ- دَارِتْ .وهذا ملحظ في اللهجة المصرية مع الفعل الأجوف،وربما المضعف:شَدِّتْ-مَرِّتْ-هَبِّتْ –غَنِّتْ،ويلحظ ميل اللهجة المصرية في كثير من أحوالها إلى الكسر مع تاء التأنيث الساكنة وفق ضوابط لهجية لا تتخلف،وقد يؤيد ذلك ما يلحظ مع "نا" المتصلة بالأسماء والأفعال والحروف على نمط:

وحشتِنا -عنّنا، يا مصر يا أُمِّنا- حُبِّنا- عِشقِنا- أرضِنا - كُلِّنا- وَحدِنا- شمسِنا ويلخص ذلك كله:(فاتِتْ جَنبِنا) فهي قد جمعت بين كسر ما قبل تاء التأنيث الساكنة،وبين كسر ما قبل الضمير نا (جَنبِنا) ، وتتجسد شاعرية اللهجة المصرية ليس على مستوى الكلمة فحسب،بل تتجاوز ذلك إلى شاعرية الحرف أفلا تلحظ أنها تتعامل مع واو العطف تعاملا شاعريًّا نغميًّا غاية في الدقة والروعة حين تميل إلى كسرِهِ على نمط: (وِدارِتِ الأيَّام-وِمرِّتِ الأيام) أفلا تلحظ هذا الميل إلى كسر الواو وكذلك كسر ما قبل تاء التأنيث الساكنة، تلكم الكلمات الشاعرية الرقيقة التي أبدع الإنسان المصريّ،صياغتها،ولحنها،وغناءَها عبر عبقرية الحركات والسكون، ترى لو حاولتَ"ترجمتها" إلى لهجات الشعوب الفلسطينية والعربية،بالقطع سوف تقول بلهجتك:إوْ دَارَت الأيام،إوْ مرَّت الأيام" وتقول في:فاتِتْ جَنبِنَا:"فاتَتْ جَنْبْنا"،شَمْسْنا،وَحَشْتْنا،عِِشْقْنا وهنا كارثة التقاء ساكنَيْن،وكارثية العبث بعبقرية المكان وعبقرية الإنسان،وعبقرية السكون والحركات،لهذا تفوقت الأعمال الفنية المصرية عبر تطويع الحركات والسكون. تجدر الإشارة إلى ما حدث حين خرج الصهاينة من القطاع،فقد تخشبت الشعارير ،عجزت عن كتابة نشيد واحد بهذه المناسبة فكان لا بد من سرقة أغنية شادية وتحريفها لتصبح:"غزة"رجعت كاملة لينا واحنا اليوم في عيد"!!وأيّ عيد،تماما كما سرقت أخرى أردنية جرى تحريفها :"هذي بلدنا وما نخون عهودها"!وأيّ عهود!! "ويا صناع الفتن حِلوا عن هالوطن"!! وكذلك"لبيك يا علم العروبة كلنا نفدي الحمى"!! ،باكتب اسمك يا بلادي"والأَوْلى: باشطب،وكذلك:

إذا قالت "حذام" فصدقوها ..  . .  فإن القول ما قالت "حذام" !!
وحذام فقدت بصرها وبصيرتها !!

وهو من الشعر الجاهليّ بالطبع مع التحريف واستبدال المفردات،من أجل ذلك لم يتدارك السيدان عبسًا وذبيانَ بعدما تفانَوا ودقوا بينهم عطر "الست" منشم،مع المعاذير لابن أبي سلمى،ومن أجل ذلك"إنكم لفي قولٍ مختلف يؤفك عنه من أفِك" فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا؟؟!!.                   

اضغط هنا للتعرف على المرحوم أ. فتحي رمضان محمد حمدان الأغا

اظهر المزيد