مقالات

الأفكارُ المَيَّتةُ والأفكارُ المُمِيتةُ- كتب م. بلال فوزي الأغا

بسم الله الرحمن الرحيم

أستهلُّ مقالي هذا بالترحم على أستاذ التربية، وصاحب مدرستها التجديدية في العصر الحديث، الدكتور الكبير ماجد عَرسَانِ الكيلاني رحمه الله تعالى، الذي قضى نحبه هذا الأسبوع في الأردن أرض الحشد، فأسأل الله تعالى أن يرحمه ويُعوضَ الأمة خيراً.


اخترت لهذا المقال عنواناً من أعماق أفكار المفكر الجزائري المهندس مالك بن نبي رحمه الله، والتي سماها الأفكار الميتة والأفكار المميتة.

تعيش الأمة اليوم أخطر مراحلها التاريخية، حيث أننا في زمن اختلال الموازين، الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يلحظ المتعمق في الساحة الاسلامية والعربية والفلسطينية يلحظ أن أخطر استهداف يشل الأمة ويحملها على الترتيب المعكوس لأولوياتها، وعلى تصديق الثعالب التي تنمق كلامها وتلبس ثياب الواعظين، هو استهداف الفكر والعقل الفردي والجمعي.

 انحراف الفكر يجعل الامة او الشعب او الانسان الذي يمتلك امكانات الصعود يجعل سلَّم الصعود تحت قدميه ليرتقي عليها مرتقاً صعباً.

الأرض المشاع هي التي يشترك في حق التملك فيها أكثر من واحد، ولو كنت شريكا لأحد في سيارة أو بيارة أو شركة ويكون رأيك وقرارك في مصير هذه الملكية المشاع مرهون بآراء بقية الشركاء، تخاف أن تتسرب اليهم أفكار تؤدي الى هدر هذه المصلحة المشتركة.


 
تأمل في الصورة  1 ،2 ،3، العوائق التي تواجه الطرفين هي نفسها، والامكانات مشاع مشتركة بين الطرفين، كانت القناعة والفكرة  التي سيطرت عليها الأنانية ليقسموا امكاناتهم نصفين، فيبقى الطرفان تحت نفس التحديات والمعوقات والظروف (مكانك راوح)

الدين والوطن والعائلة والمجتمع كلها أوعية مشتركة تحتوي أتباع هذا الدين، وسكان هذا الوطن، وأفراد هذه العائلة، والجيران في هذا المجتمع والحارة، فكلنا في السفينة الدينية التي تحمل كل المسلمين، وسفينة الوطن التي تحمل كل فلسطيني، وسفينة العائلة التي تحمل أفرادها، وسفينة المجتمع التي تحمل الجيران في الحارة الواحدة، لذا لا بد أن نخشى أن يتم خرق السفينة بسبب قناعات مفاجئة وطارئة

العقل الجمعي والفكر الجمعي مشاع موزع على الامة، من أصعب الصعوبات توضيح الواضحات، ومن أخطر المآلات التي وصلت مستوى الافكار أننا صرنا بحاجة ماسة للنزول او البدء من تعريف ابسط المفاهيم، في قاموس الأمة تتفاجأ باختلال مفاهيم : الوحدة، المصلحة، العدو، الصديق، في قاموس الوطن تتفاجأ باختلال مفاهيم: الوطنية، والاحتلال، والمستقبل، صناعة التاريخ، في قاموس العائلات والحارات والجيران تتفاجأ باختلال مفاهيم: حقوق الجار، حقوق الغير، حدود المصلحة الشخصية، الجيرة، القرابة، وغيرها من المفاهيم التي صرنا نلحظ تشوهات تشوب فهمها وينبني عليها سلوكات نرفضها، والسر في بروزها الافكار المعشعشة في العقول، فكما انه لا يستقيم الظل والعود أعوج، فلن تستقيم السلوكيات والفكر والقناعة والاعتقاد في اعوجاج.

صار أي شخص يعبر عن موقف او رأي ويتبنى ما شاء ويعتبر ذلك حرية شخصية، فلو كنت تجلس على مائدة طعام وفيها مأكولات زاخرة الفوائد، ومأكولات قليلة النفع، ومأكولات لا نفع فيها غير أنها تأخذ مساحة من معدة آكلها فيشبع شبعاً مخادعاً لمؤشر الجوع، وقد يتم تقديم مطعومات ومشروبات مسمومة، لذلك خرج لنا المفكر مالك بن نبي بمصطلحات الأفكار الميتة والمميتة.


      الأفكار الميتة هي نتاج داخلي في الامة او الشعب او العائلة او المجتمع نابعة من الارث الاجتماعي، لكنها تولّد قابلية الاستعمار وقابلية التبعية للآخرين، ممكن تسمع فكرة ميتة لابسة الثوب الاسلامي او العربي من مسلم عن المسلمين والامة الاسلامية تدمر الامة وهو مقتنع بذلك وهذا رأيه وتفكيره، ممكن تسمع فكرة فلسطينية ميتة من فلسطيني عن فلسطين قناعته في الخلاصة والمآل أن نبقى ألعوبة في أيدي اليهود وأذنابهم، وهذه قناعته الشخصية، وممكن تسمع فكرة اجتماعية ميتة من جار لك في المجتمع عن أفكار وقناعات عن أخلاق الناس او توزيع الحقوق بين الناس وغيرها من الافكار الاجتماعية الميتة .

الشاعر العربي المتنبي صاغ فكرة ميتة من الافكار الميتة وهي الجبن في موضع القوة والعزة، فقال:
يرَى الجُبَناءُ أنّ العَجزَ عَقْلٌ*** وتِلكَ خَديعَةُ الطّبعِ اللّئيمِ
وكمْ من عائِبٍ قوْلاً صَحيحاً*** وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السّقيمِ
ولكِنْ تأخُذُ الآذانُ مِنْهُ *** على قَدَرِ القَرائحِ والعُلُومِ

الفكرة المميتة هي الفكرة المستعارة من الغرب والتي تهدف الى تولّد الاستعمار.

الغزو الفكري هو استقدام الافكار الغربية الخارجة عن ثقافة الامة والشعب وإلباسها الثوب الوطني الداخلي لتظهر كأنها قناعات نابعة من قلب الامة والقضية وداخلها، وهي في الحقيقة أفكار قاتلة مسمومة مميتة، ألا فلننتبه.

أخيرا ..وفق التعريف السابق للفكرة الميتة والمميت كما عرفها المهندس مالك، فالبتأكيد جلس كل واحد منا في مجالس او سمع كلمات وأفكار تصدر من مثقفين او أقارب او متعلمين يكون تصنيفها انها ميتة او مميتة، لذلك تركت ذكر الامثلة للفكرة الميتة أو المميتة في الصعيد السياسي، والفكرة الميتة أو المميتة في الجانب الحقوقي والمجتمعي، والفكرة الميتة أو المميتة في الحياة الاقتصادية وغيرها من المجالات لكم ان تشاركونا في تعليقاتكم على المقال حتى يتسنى لنا بناء ثقافة ووعي وجرأة متوازنة في الطرح.

ان الواقع يفرض على كل واحد منا ان يمد يده ليشارك في اصلاح الواقع تمهيدا للمستقبل، فأعداؤنا ما عادوا يخجلون من ايضاح مشاريعهم المحاربة للامة في فكرها وعقيدتها ومقدراتها بكل صفاقة ووضوح، فاذا لم يخجل من يحاربك ان يعبر ويعلن ويسقط عنه القناع في محاربتك، فإلى متى سيبقى المخلصون والمثقفون والعلماء يخجلون من الدفاع عن الامة وعقيدتها ودينها وتراثها وثقافتها وفكرها ، بل ومد اليد لاصلاحها.
رحم الله المفكر مالك بن نبي، والمفكر ماجد الكيلاني وكل المخلصين، ونسأل الله تعالى أن تستيقظ الأمة من رقادها قريبا اللهم آمين.

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الأستاذ بلال فوزي جبارة محمد بخيت الأغا

اظهر المزيد