مقالات

جرحانا بين محرقة أولمرت و محرقة ذوي القربى

03-04-2008

 

جرحانا بين محرقة أولمرت و محرقة ذوي القربى
مصطفى عثمان الاغا


لؤي ابن السنين الثمانية ، لم تسعده أبداً الهدية التي قدمتها له احدى المجندات على أحد المعابر و هي تداعبه ؛ وما ان ابتعد قليلا حتى ألقى بالهدية بعيدا و لما لاحظه أحد الجنود لحق به وسأله : لماذا ألقيتها ؟ هل أرغمك أحدٌ على ذلك ؟؟ فأجابه لؤي بتحدٍ : لا أريد هداياكم أريد ساق أخي التي قطعتموها و أريد عيني التي فقدتها من شظايا صواريخكم ! لم يجد الجندي ما يقول و انصرف.

لم يكن منظرا عاديا أن تنطلق أكثر من ستة عشر سيارة اسعاف من ستة مستشفيات في وقت واحد متجهة الى مطار القاهرة تحمل جرحانا الأجمل من ضحايا محرقة أولمرت في رحلة علاج إلى تركيا العزيزة على طائرة خاصة أرسلتها جمعية آي إتش إتش IHH.

وراء هذا العمل قصة عطاء نبيلة معظم أبطالها مجهولون كعادة النبلاء لا يتصدرون واجهة الكاميرا ولا صفحات الجرائد .

بدات القصة باتصال مع أخي عمر رئيس الجالية الفلسطينية في تركيا فور وصول الجرحى إلى العريش ؛ و كان يتابع حالتهم الصديق رجب نبهان الذي كان وقتها في العريش. و توالى وصول الجرحى و تم توزيعهم على مستشفيات الإسماعيلية التي استقبلت ستة جرحى – استشهد منهم جريحان – و السويس أربعة جرحى تبنى علاجهم الشيخ حافظ سلامة قائد المقاومة الشعبية في حرب أكتوبر و باقي الجرحى تم توزيعهم على مستشفيات الزقازيق و مدينة السلام و مستشفى معهد ناصر و مستشفى الهرم ومستشفى الهلال الأحمر و مستشفى فلسطين .

تم علاج الكثير من الحالات في مصر و أجريت عمليات للكثير منهم و خاصة في مستشفى معهد ناصر و مستشفى الهرم حيث وصلهما العدد الأكبر من جرحى المحرقة، و جاءت الأخبار الطيبة من تركيا بتشكيل وفد من ثلاثة عشر شخصية يمثلون أعضاء برلمان وأطباء والجالية الفلسطينية و منظمات أهلية و على رأسهم منظمة آي إتش إتش التي استعدت لإستقبال 59 جريحاً أرسلت لهم طائرة خاصة مجهزة، وزار الوفد جميع الجرحى في جميع مستشفيات القاهرة و أصابتهم صدمة شديدة من هول ما شاهدوا من إصابات بشعة تحمل بصمة عدوٍ مجرم لا يعرف الا لغة الجرائم و القتل .

كان برنامج زيارة الوفد التركي يبدأ بزيارة السفارة التركية وبعدها السفارة الفلسطينية و بعدها زيارة الجرحى و نقابة الأطباء العرب و مستشفى العريش و ختام الزيارة بمعبر رفح و مؤتمر صحفي على الحدود.

تم تشكيل فريق عمل يصاحب الوفد وينسق له زياراته من السيد محمد الأغا (أبو نهاد) و الأستاذ مصطفى التايه و الدكتور غياث أبو لغد وكاتب هذه السطور. توجهنا قبل وصول الوفد بيوم الى سفارة فلسطين بالقاهرة للتنسيق معها و استقبلنا السفير منذر الدجاني الذي ما أن قرأ برنامج الرحلة حتى قال : أولا قصة الجرحى قضية لا شأن لنا فيها فهي تمت بالتنسيق بين حماس و مصر ! و أنا مرتبط بوداع رئيس الوزراء غدا و ممكن أستقبلهم خمس دقائق الساعة العاشرة والنصف و سألته عن امكانية اصدار جوازات سفر للجرحى الذين حضروا الى مصر بالهوية و أحيانا بلا مستندات سوى كارت الدخول من المعبر المصري فرد السفير بعدم امكانية عمل أي شيء، وصل الوفد مساء اليوم التالي واستقبلناهم في المطار و صحبناهم الى مكان اقامتهم، و في اليوم التالي ذهبنا الى السفارة التركية التي استقبلتهم بحفاوة بالغة و أبدت استعدادها لعمل ما يلزم و تأخر اللقاء في السفارة التركية حتى الساعة العاشرة والنصف و اتصلنا بسفارة فلسطين نعتذر عن التأخير و أن أمامنا موعد مع وكيل وزارة الصحة المصرية في مستشفى معهد ناصر و طلبنا موعدا آخر فاعتذرت السفارة لآن السفير برنامج وداعه مزدحم بالمواعيد ! فوجئت في اليوم التالي باتصال من السفارة الفلسطينية يخبرنا أن السفير متفرغ لاستقبال الوفد هذا اليوم، فأخبرته أنهم في زيارة الجرحى بمستشفى فلسطين و بعدها سنتوجه اليكم ، وبعد ساعة اتصلت السفارة تعتذر لآن السفير مرتبط طوال اليوم بمواعيد سابقة، فقلت لمندوب السفارة أخبر رئيس الوفد التركي لأنني في شركة الطيران أرتب الحجز لأعضاء البرلمان التركي، و عندما وصلت إليهم سألت رئيس الوفد التركي هل اتصلت سفارتنا قال : الحمد لله اتصلت :: الحمد لله اعتذرت.

واصلنا العمل مع الأخوة في الوفد التركي الذين تأخروا لإتمام مهمة نقل الجرحى : السيد / أحمد أمين مسؤول أغاثة الكوارث في منظمة أي إتش إتش والسيد منير شاهين سكرتير الجالية الفلسطينية و السيد تحسين رئيس جمعية التضامن التركية الفلسطينية وكان يتابع معهم العشرات في استانبول و أنقرة لتسهيل العمل.

لم يكن العمل بهذه السهولة وكم مرةٍ حبسنا انفاسنا خوفا على فشل المهمة فنحن هنا مجموعة صغيرة من المتطوعين جمعنا حب العمل و الإصرار على تقديم شيء لأهلنا . فهناك مشكلة استلام جوازات سفر الجرحى من المستشفيات وهناك مشكلة استلام الجرحى أنفسهم و نقلهم و هناك مشكلة اصدار جوازات سفر جديدة لمن لا يحمل جواز سفر و هناك التنسيق مع أمن المطار لدخول سيارات الجرحى للطائرة و الكثير من التفاصيل الصغيرة و المربكة، و نحن في ذروة هذا العمل المشحون بالحماس و التوتر جاءني هاتف من سفارتنا المبجلة يسألني ماذا فعلتم بخصوص جوازات السفر فاخبرته أن هناك من يقوم بهذه المهمة في غزة ورام الله ، فأجابني : لكنني أخبرك أن جوازات غزة غير شرعية وغير معترف بها !! سألته هل هذا تهديد لإفشال المهمة؟ فلم يجب

فقلت له سنذهب للمطار بهذه الجوازات و عندها لكل حادث حديث و سيكون الرد أمام عدسات التلفاز.

كان مشهدا مؤثرا بكت فيه العيون و هي ترى جرحانا في سيارات الإسعاف تتوافد إلى مستشفى فلسطين حيث اتفقنا على أن تكون نقطة التجمع هناك لننطلق منها الى مطار القاهرة. و فور الوصول إلى المطار تم توزيع علم فلسطين على كل الجرحى و أخبرناهم : لكم أن تحملوا أعلامكم الصفراء و الخضراء و الحمراء و السوداء في قلوبكم و لكن اليوم أنتم سفراء لهذا الوطن فاحملوا علما سقط تحته كل شهدائنا.

وتمت المهمة بفضل الله وبعزيمة المشاركين فيها رغم حرارة الجو الشديدة و الإنتظار الطويل و كدنا أن نفقد بعضا من جرحانا شهداء على أرض مطار القاهرة لولا يقظة الإسعاف المصري، و الشكر كل الشكر لمصر العروبة التي احتضنت جراحنا و هي طرية، و الشكر كل الشكر للسفارة التركية التي كانت استجابتها لكل طلب أسرع مما تصورنا . و الشكر موصول لأهلنا في غزة الذين ساعدوا على استخراج جوازات جديدة للجرحى و توصيلها إلى القاهرة و سيعود أبناؤنا قريبا سيراً على أقدام أهداها لهم الشعب التركي الجميل و سيعود لؤي يرى بكلتا عينيه صورة وطن سيظل جميلا .

والشكر كل الشكر لمستشفى فلسطين وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني  على رأسهم الدكتور محمد زغلول مدير المستشفى والدكتور يزيد نائب مدير المستشفى والسيدة مي عارف على وقفتهم النبيلة في تخفيف ألام جرحانا و تسهيل سفرهم. و يبقى الشكر الكبير لتركيا العظيمة رئيسا و حكومة و شعبا ومنظمة أي إتش إتش والسفير الفلسطيني في أنقرة الذي حضر إلى استانبول و صعد إلى داخل الطائرة يستفبل الجرحى و للجالية الفلسطينية بتركيا و منظمة فيدار و الشكر لأبناء العائلة في مصر الذين قدموا للجرحى و المرضى ما خفف عنهم آلامهم دون تمييز أو تصنيف فئوي أو فصائلي كما فعل بعض الإنعزاليين وكان أكبر وسام حصلنا عليه هو ما قاله أحد الجرحى : و الله اللي قامت فيه عيلة الأغا ما بتقوم فيه دولة ، وشكرا لكل من زرع وردة بجوار سرير جريح أو زرع بسمة على وجه طفل بترت آلة العدو الجهنمية ساقيه .


لمتابعة حالة الجرحى و أخبارهم نرجو الدخول إلى موقع منظمة IHH

http://www.ihh.org

http://www.ihh.org.tr/Anasayfa.7.0.html?&L=2

مصطفى الأغا - استانبول
27 مارس 2008

التعليقات

 


 


 

Name من الامارات
Email/ Phone 0506457386
Address عجبي
Date & Time Sunday 06th of April 2008 11:28 AM(Jerusalem Time Zone)
Comments

سلمت يمناك يابن الاغا يا شهم سلم قلمك حقا انها محرقة ذوي القربى وليست محرقة اولمرت لااحد يعلق لااحد يكتب ولو كلمة، فقط هو من يعرف ان يكتب. لكم الشكر يامن تكتبون في شتى المواضيع،حماك الله و رعاك ياحامل البارودة. دمت و دامت بارودتك

 

Name هبة محمد الأغا
Email/ Phone [email protected]
Address خانيونس / الشارقة
Date & Time Sunday 06th of April 2008 11:04 AM(Jerusalem Time Zone)
Comments

بورك بالقلوب الرحيمة المعطاءة، وبورك بالنفوس الخيرة التي أبت إلا أن تكون في أول الركب الذي يحتضن الآلام ويضمدها، كل الشكر لمن شكرتـ، عسى الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناتكم جميعاً، والشكر لكاتب هذه السطور، الذي اطلعنا على تلك الأوضاع، شكراً لسفير العائلة الإنسان .. فقد اقشعرت والله أبداننا مما ذكرت .. دمت بكل الخير، والسلام للجرحى وعليهم .


 

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. مصطفى عثمان مصطفى عثمان الأغا

اظهر المزيد