مقالات

اصدقاء في الذاكره - المرحوم ياسين علي الأسطل

أصدقاء في الذاكرة

 

ياسين علي الأسطل.. شهامة ومروءة   

نبيل خالد الأغا ـ الدوحة   


المرحوم ياسين علي الأسطل    

  
 

تندرج عائلة "الأسطل" ضمن قائمة العائلات الأكثر أصالة والأوفر عدداً في مدينة خان يونس المجاهدة.

وبحكم مولدي ونشأتي فيها تعرفت على عدد لا بأس به من أفراد هذه العائلة الكريمة، خاصة على مقاعد الدراسة، واللافت للنظر أن أسماء "ياسين" و"خليل" و"محمد" و"علي" واسعة الانتشار وكثيرة التكرار في العائلة بحيث يصعب تمييز اسم فرد عن آخر إلا إذا ارتبط بذكر اسمي الأب والجد.

لذلك لم أكن أدرك في شرخ شبابي بداية الستينيات من القرن الماضي شخصية ذلك المعلم "السطلاني" الذي خطب وتزوج من جارتنا وابنة عمومتنا الأستاذة أنعام ذات الشخصية المتميزة وإحدى المدرسات الطليعيات اللاتي عملن في سلك التدريس في خان يونس.. ومرت أعوام تلو أعوام، وإذا بالأقدار السماوية تجمعني بالزوجين ياسين علي الأمير الأسطل وأنعام سليم الأغا في مدينة بنغازي الليبية في عام 1968 حيث كان الأستاذ ياسين يعمل مدرساً لمادة التاريخ بمدرسة شهداء يناير، بينما كنت حديث العمل بمدينة البيضاء التي تبعد نحو مائتي كلم شرق بنغازي

وتعرفت على (أبي علي) عن قرب، واحتككت به تكراراً على مدى تسع سنوات قضيتها في ليبيا عازبا ومتزوجا، وأذهلني حقيقة لا مجازاً بأصالة معدنه النفيس، وبأخلاقه ورجولته وسخائه.

وكلما تكررت لقاءاتي بهذه الأسرة النقية ازددت قناعة سداد آراء الوجوه التي باركت ذلك الارتباط منذ الوهلة الأولى برغم معارضة بعض الأصوات في ذلك الزمان.

***

السطور السابقة تتميز بالسرد التاريخي الممزوج بالشعور العاطفي، لكن الحقائق التي تدلل على مصداقية شهادتي في هذا الصديق تتمثل في العناصر التالية التي أهدف من ذكرها بعد هذه المدة الطويلة أن أؤدي جزءا من واجبي تجاه هذا الصديق انطلاقاً من مقولة الحق تبارك وتعالى "ولا تنسوا الفضل بينكم"، وقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم "من لا يشكر الناس لا يشكر الله"، وقوله أيضاً: "من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له".

أما الهدف الثاني من ذكر هذه المآثر فهو تعريف كرام القراء بهذه الأعمال، إضافة إلى قناعتي بأن من واجب الأحياء أن يذكروا محاسن الأموات لتكون مشعل هداية للأجيال، فربما نجد في بعض الأموات ما لا نجده في الكثير من الأحياء، وهنا يصدق قول بشر الحافي: "بحسبك أن قوماً تحيا القلوب بذكرهم، وإن قوماً أحياء تقسو القلوب برؤيتهم".

سأذكر موقفين يدللان على صحة شهادتي في إنسانية هذا الإنسان الذي يرقد في تربة خان يونس الغالية منذ أكثر من عشرين عاماً.

الموقف الأول: ما البديل عن السيولة النقدية؟

بدأت مسيرتي الوظيفية مدرساً للغة العربية والعلوم الإسلامية في مدينة البيضاء الليبية عام 1968، وبعد عامين قصدت العاصمة الأردنية وعقدت قراني على الآنسة وداد ابنة التاجر الصدوق محمد عبدالسلام الزميلي بناء على نصيحة أخوية صادقة من أخي الودود الدكتور قنديل شاكر شبير رحمه الله تعالى وأجزل مثوبته، واتفقت مع أسرة الفتاة على الزواج في الصيف القابل، لكن أحداث أيلول (سبتمبر) في الأردن اضطرتنا لإتمام مراسم الزواج في دمشق أثناء الاجازة الربيعية عام 1971.

وقبيل الموعد المحدد بيومين غادرت البيضاء إلى مدينة بنغازي وهي البوابة الجوية الرئيسية للمحافظات الليبية الشرقية، وأمضيت اليوم الأول في ضيافة الأخوين الغاليين عاشور وأمين مسعود الأغا بينما أمضيت اليوم الثاني في ضيافة أخي الكريم ياسين علي الأمير الأسطل رحمه الله تعالى وأجزل مثوبته.

وفي بيت (أبي علي) حدثت مفاجأة لم أكن أتوقعها، حيث بدأ الحديث عن تكاليف الزواج التي ترهق عادة كاهل الزوج في بداية حياته، ثم انتقل للحديث عن القيود التي فرضتها الحكومة الليبية على تحويل عملتها إلى الخارج وكذلك عدم توافر سيولة نقدية لديه، وخلص إلى القول بأنه سيعطيني "جوز مباريم" عبارة عن اسورتين ثمينتين من الذهب الخالص كي أبيعهما في سوريا عند الضرورة كي (أبيِّض) وجهي أمام أنسبائي الكرام الطيبين حسب تعبيره، وشعرت بقشعريرة تدب في جسدي فلم يسبق أن تعرضت لهذا النوع من الكرم الحاتمي، فشكرته بعمق واعتذرت عن قبول العرض، وأقسمت له بعدم حاجتي إليه، لكنه لم يقتنع فاستعان بابنة العم إنعام كي تشد أزره، وبرغم أنني بقيت على إصراري إلا أنني لم ولن أنسى جمائله ما حييت.. ولا ريب عندي أنه صنع مع غيري صنائع ربما تفوق ما حدث معي، ولا شك أن دنيا الخير عامرة بأمثاله لكنهم قلة القلة.

الموقف الثاني: العبد في التفكير والرب في التدبير

أما الموقف الثاني فهو الأكثر واقعية وإنسانية، ولن أتحدث فيه عن روعة الاستقبال الذي لقيته وعروسي أثناء وصولنا إلى بنغازي سواء في المطار أو خلال الأيام الثلاثة التي أمضيناها في أحضان "الغوانمة" زادهم الله غنى في شهامتهم وأخلاقهم وفي مقدمتهم الأحبة أبو مسعود وأبو منهل وأبو سعيد وزوجاتهم وأولاد عمومتهم وخئولتهم. هذا إضافة إلى ياسين وزوجته.

إلى هنا والأمر شبه عادي من أناس كرام جبلوا على الأخلاق الحميدة، لكن الأمر غير العادي حدث بعد نحو خمسة أشهر حيث فاجأنا العم أبو زهير (والد زوجتي) برغبته في زيارتنا بمدينة البيضاء وحدد لذلك تاريخاً معيناً، وأسقط في يدي، فمنزلي في غاية التواضع من جميع الوجوه، ولا مجال لقياسه بثراء آل الزميلي في عمان، ولكن ذلك الأمر لم يكن ليشغلني كثيراً لثقتي بتواضع أبي زهير وبساطته، لكن الأمر الذي كان يؤرقني تمثل في عدم امتلاكي لسيارة خاصة استطيع بواسطتها اضفاء السعادة والسرور على الزائر الكريم الذي غمرني وأسرته وآله جميعاً بأفضالهم وما برحوا يفعلون.

"العبد في التفكير والرب في التدبير"، مثل تتداوله الألسن البريئة وتلهج به القلوب العامرة بالإيمان كلما ضاقت الظروف، وحزبت المواقف، تذكرته وكررته مراراً وأنا وزوجتي في طريقنا إلى بنغازي التي تبعد ـ كما أسلفت ـ مسافة مائتي كلم عن البيضاء، ونزلنا في ضيافة الحبيب أمين مسعود (أبو منهل) "وبالمناسبة فإن أم منهل السيدة ندى صالح الأغا هي ابنة خالتي أم عدنان رحمها الله تعالى وأجزل مثوبتها" وبعد أن قام الجميع مشكورين ومأجورين بإكرام أبي زهير، أزمعت العودة إلى البيضاء في سيارة أجرة، لكن شهامة ياسين علي الأسطل أبت ذلك، وأقسم بالله العلي العظيم أن يعيرني سيارته الوحيدة وهي من نوع فولكس واجن المحدودبة كي استعملها مدة الزيارة، وأغراني بقبولها باعتبار قرب بيته من المدرسة التي يعمل فيها، وقبلت العرض وأنا حائر بين الرغبة والحرج!!

الحمد لله.. ها هو التدبير الرباني قد تجسد على أرض الواقع.

هذا وقد أتاح وجود السيارة فرصة إطلاع الضيف الكريم على مظاهر الحياة والطبيعة الخلابة للجبل الأخضر والمدن والقرى الواقعة في محيطه، وبعد مضي أسبوع عدنا إلى بنغازي لوداع أبي زهير ونحن نحمل في أعماق قلوبنا ما تعجز ألسنتنا عن التعبير عنه، وعندما سلمت مفتاح السيارة لصاحبه قلت له: أقول لك ما قاله الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم "إذا قلت لأخيك جزاك الله خيراً فقد أوفيته"، فجزاك الله عنا خيراً يا أبا علي.

وتذكرت الحكمة الواردة في الأثر: إن لله عباداً اختصهم بقضاء حوائج الناس حببهم للخير وحبب الخير إليهم، إنهم لآمنون من عذاب الله يوم القيامة.

يا أبا علي:

لن أنسى معروفك، فأنت وبالله مندرج في قائمة الأحباب الذين شملوني بأفضالهم وأدعو الله لهم دوماً بالسداد والمغفرة قائلاً: ربنا اغفر لي ولوالديَّ ولمن لهم فضل عليَّ، ودائرة الفضل في قاموسي واسعة واسعة وتشمل حتى أولئك الكرام الذين سيدعون لي بالرحمة والمغفرة، وسيقرأون !الفاتحة على روحي عندما أنتقل إلى الدار الآخرة.

يا أبا علي:

 أحمد الله تعالى أن هيأ لي فرصة تسجيل بعض جميلك على موقع عائلتنا التي أحببتها وصاهرتها وأنجبت منها رجالاً ونساء على مستوى رفيع من العلم والخلق، فاهنأ ونم في غبطة فقد بذرت البذار وحصد أولادك وأحفادك موفور الحصاد المبارك.

وهنيئاً لشريكة حياتك الوفية التي حملت الأمانة بعد رحيلك، وهي ما انفكت سائرة على الدرب القويم الذي سرتما فيه قبل أكثر من أربعين عاماً.

وهنا يحضرني قول الشاعر الانجليزي المعروف "شيللي": "ما أجمل الحياة لولا لؤم الإنسان"، وأنا أقول بالمقابل "ما أتعس الحياة لولا مروءة الأصدقاء"، من أمثال ياسين علي الأمير الأسطل.. وغيره من الكرماء الذين يدركون بأن السعادة الحقيقية ليست في الأخذ، ولكنها تتجلى في العطاء النقي الخالي من المنِّ والأذى.

أبو خلدون

 

 

 

 
Name Naser Jaser Elagha
Email/ Phone naghah@qou.edu
Address khanyounis: Gaza Strip
Date & Time Monday 08th of January 2008 11:12 PM(Jerusalem Time Zone)
Comments

بسم الله الرحمن الرحيم

تحية الإسلام وبعد

عناية الأستاذ الفاضل : نبيل خالد نعما ت الأغا   المحترم

  أتقدم من سيادتكم الموقرة بالشكر والتقدير علي رسالتكم الجميلة المنشورة  في حق المرحوم الأستاذ/ ياسين علي الاسطل. في الحقيقة رسالتكم تدل علي صفاء وآصاله معدنكم، وإخلاصكم لمفهوم الإنسانية، كما انقل إليكم تحيات السيدة إنعام الأغا ، وتشكركم جدا علي رقي إنسانيتكم.

*ناصر جاسر الأغا  ( نسيب عائلة المرحوم)

 

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. نبيل خالد نعمات خالد الأغا

اظهر المزيد