مقالات

مستجدات الساحة الفلسطينية منذ الانتفاضة وحتى اليوم

 


الحمد لله والصلاة والسلام على رسولنا الأكرم، محمد بن عبد الله، نبي الأمة، والقائد الحجة، والأمام القدوة، وعلى آل بيته الطيبين الأطهار الذي اتبعوه وساروا على نهجه، ولاقوا ربهم راضين مرضيين.

اسمحوا لي في البداية أن أتقدّم بالشكر والتقدير للمركز الثقافي الإيراني على هذا التعاون الذي يمثل جزءاً من التضامن الإيراني مع الشعب الفلسطيني، فمنذ الثورة الإيرانية والمواقف الإيرانية المساندة للشعب الفلسطيني تترى وتمثل جزءاً من استراتيجية الشعب والقيادة.

منذ عام ونصف كان لي شرف التحدث هنا عن غزليات حافظ الشيرازي، واليوم بمناسبة مرور خمسة عشر عاماً على وفاة الإمام الخميني رحمه الله، نلتقي لنقرأ في سيرته العطرة منهجاً رائداً، وفكراً ثاقباً، ومبدأً عن الحق لا يحيد، وإذا كان من تأبين لهذا الإمام الذي فجّر الثورة الإيرانية وأسس دولتها،-فيمكن القول: بأن تراثه مازال ينبض في جسد الثورة، فهو- رحمه الله- رجل في قامة الدولة، ودولة في قامة الرجل، حقق- للجمهورية الإسلامية الإيرانية بمنهجه وفكره إنجازات عظيمة.

وبعد ، سأحاول في -هذا المقام من خلال المساحة الزمنية المسموح لي بها تبصّر الوضع الفلسطيني من خلال أربعة محاور أساسية:

المحور الأول: حصاد الانتفاضة.

المحور الثاني: سياسة الاعتقال للقيادات الفلسطينية

المحور الثالث: سياسة الاغتيالات.

المحور الرابع: سياسة الأمر الواقع التي تفرضها إسرائيل.


منذ اندلاع الانتفاضة بتاريخ 29-8-200 تحركتة الدبلوماسية الغربية بشكل حميم لإخماد الانتفاضة، وكانت معظم التحركات الهدف منها الضغط على السلطة الوطنية الفلسطينية من خلال ما يحمله الدبلوماسيون من حلول، واقتراحات لا تستند للحق الفلسطيني كما يجب، ورغبة في بناء السلام على أرض السلام، وافق الفلسطينيون على معظم ما عُرض عليهم، حتى لا يُقال أنهم فوّتوا الفرصة، نذكر(خطة تينت)، ولكنها ولله الحمد فشلت إسرائيلياً لأنهم أسقطوا في أيديهم، إلى إن جاءت المحاولة الأخيرة التي أطلق عليها (خارطة الطريق) ورغم أنها لا تمثل سدرة المنتهى للشعب الفلسطيني، فقد جاءت الموافقة الفلسطينية عليها من وجهة نظري لهدف سياسي، وفعلاً أبرزت العجز الدولي( الدول الراعية للخارطة) في الضغط على إسرائيل، من أجل الوفاء بالتزاماتها كما التزمت السلطة بأول بنودها بالتعاون مع الإسلاميين، ثم أخيراً خطة شارون أحادية الجانب، وأعلنت القيادة الفلسطينية ترحيبها بأي انسحاب إسرائيلي من غزة.

وفي السياق ذاته، استجابت القيادة السياسية الفلسطينية لنصائح الأصدقاء، وأقر المجلس التشريعي تعيين رئيس للوزراء، فكان ترشيح الأخ/ محمود عباس جزءاً من إستراتيجية جديدة اختطتها السلطة لكشف محاولات إسرائيل ولكن إسرائيل وضعت العراقيل أمامه وساهمت في إسقاطه، ثم جاء الأخ/ أبو علاء، وتحاول إسرائيل جاهدة الإطاحة به، من أجل الوصول إلى ما وصلت إليه اليوم( لا شريك فلسطيني أتحدث معه).

حققت الانتفاضة الكثير من الانتصارات النفسية، والاقتصادية على العدو الصهيوني، وهذا ما يجعل العدو الصهيوني يفكر في الانسحاب وليس الانسحاب، وفي تصوري أنها محاولات تخدير جديدة للشعب الفلسطيني، أتمنى أن تكون إسرائيل صادقة بهذا الخصوص..

من إنجازات الانتفاضة:


· تحطيم الهيبة العسكرية الإسرائيلية.

· أبرزت هشاشة العدو الصهيوني داخلياً.

· الخسائر الاقتصادية التي بلغت مليارات الدولارات، بما فيها السياحة.

· وبالمقابل وضعت القضية الفلسطينية على أجندة العمل الدولي في كافة المحافل الدولية، وأقر العالم الذي غيّب الشعب والقضية لأكثر من قرن بأن الشعب الفلسطيني لابد وأن يكون له دولة كما أعلن الرئيس الأمريكي ( جورج بوش الابن).

· أبرزت قدرة الشعب الفلسطيني على المواجهة والتحدي.

· الهجرة المعاكسة.

· أنهت مقولة شارون بقدرته على سحق الانتفاضة في 100 يوم.

· مشروعية النضال ضد العدو الصهيوني، وميزت بين ما يُسمى إرهاباً، ومقاومة مشروعة.

وهنا يحق لنا التساؤل للرأي العام بصورة عامة، هل من يدافع عن بيت وأرض وعرض يُسمى إرهاباً؟ وهل مَن يناضل بالحجر يُسمى إرهاباً؟.وهل إرسال الأموال للمحتاجين في فلسطين إرهاباً .

وإذا كانت هذه إنجازات على المدى القصير، لكنها أرهقت الشعب الفلسطيني سياسياً، وعسكرياً، واقتصادياً، وتعليمياً، وبنية تحتية، وتم تدمير ما أنجز خلال العقد الأخير، بل ووصلت البطالة إلى 45 ./. ، إضافة إلى خسارة سنوية تقدر 3 مليار دولار سنوياً من الدخل الفلسطيني، بل واصبح الناتج الفلسطيني الزراعي والصناعي لا يتعدى الجُزر التي وضعنا فيها مما تسبب في خسارة تقدّر ب 40 ./. من القوة العاملة، وأصبحت الأراضي الزراعية، لا تغطي التكاليف.

الحجز على أموال الضرائب، وتقدر بمليارات الدولارات

أليس ما تقوم به إسرائيل يُسمى إرهاباً بكل معنى الكلمة، إن الإرهاب ليس القتل الجسدي، لأنه أهون أنواع الإرهاب ، ولكن الإرهاب هو عملية القتل البطيء التي تمارس على الشعب الفلسطيني في ماله، وأرضه، وقوت يومه، ورزقه، وأمنه وأمانه، وزراعته ومصنعه، وحريته، وحقوقه المشروعة.

ماذا نُسمي وفاة الحوامل والمرضى على الحواجز، وترويع الأطفال، والشيوخ والنساء، وعمليات الاعتقال دون محاكمات، وقصف المنازل بطائرات إف 16، والأباتشي، وهل هناك أبشع من هذا الإرهاب، ولكن نقول : سنصمد لأنها إرادة الله في الأرض.

عندما يقوم استشهادي بعملية فدائية، يقولون إرهاباً، وأقول وفّروا له البيت والأمن والأمان والحيالة الكريمة، فلن تجدوا من يقوم بهذه الأعمال الاستشهادية، وفي النهاية ينسبون ذلك إلى الرئيس ياسر عرفات، وفي تصوري أنها محاولات مكشوفة للنيل من هذا الرجل لوقوفه حجر عثرة في سبيل تحقيق إسرائيل لأهدافها.

ثانياً: سياسة الاعتقالات ضد الشعب الفلسطيني:


ربما يكون هذا المحور والذي يليه، جزءاً من المحور الأول، ولكن لحجم الاعتقالات والاغتيالات أفردت لكل عنصرٍ محوراً خاصاً.

عندما استشعر الكيان الصهيوني بخطر القيادات الفلسطينية المنظمة للانتفاضة، كان لابد من ( لجم ) الانتفاضة وممارسة أبشع أساليب القهر عليهم، وللتاريخ، فإنه يقبع الآن في سجون الاحتلال الإسرائيلي 7 آلاف فلسطيني، تُمارس عليهم أبشع أساليب التعذيب، وأولهم الرئيس / ياسر عرفات.

بالأمس القريب أفرجت إسرائيل عن 500 معتقل في عملية التبادل مع حزب الله، ومنذ ذلك اليوم وحتى الآن اعتقلت نصف العدد الذي أفرجت عنه، ونتساءل هنا: أليس هذا هو الإرهاب؟

أقول بأن أحد معتقلات الاحتلال وهو( بيت إيل) ينام فيه السجناء كالأسماك في زنازين ضيقة، ويمارس عليهم أبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي.

الأطفال الأسرى وصل عددهم إلى 200 بينهم 50 قاصراً.

سجن الرملة للنساء به 61 أسيرة، بينهن 9 قاصرات.

نساء وضعن في السجون، فما ذنب الرّضع.

وبالأمس القريب وتحديداً يوم 7/6/2004 أصدرت المحكمة الصهيونية أحكاماً ضد البرغوثي 4 مؤبدات ضد البرغوتي، و25 عاماً.

إن الشعب الفلسطيني يعيش في ظروف خانقة، وصل عدد المعتقلين اليوم في السجون الصغيرة 7 آلاف معتقل، فإن إسرائيل تضع الشعب الفلسطيني في معتقل كبير، تمنع الخروج والدخول إليه إلا بموافقة إسرائيلية، بل وحتى بين القرى الصغيرة، والمدن، هذا هو السلام الذي تريده إسرائيل.

ثالثاً: سياسة الاغتيالات التي تمارسها إسرائيل :


منذ وعد بلفور وحتى اليوم وإسرائيل تمارس هذه السياسة ضد الشعب الفلسطيني، بأساليب مختلفة، إما عن طريق مجازر جماعية، بحيث وصل عدد المجازر التي ارتكبتها حتى الآن إلى 62 مجزرة جماعية، وأكبرها مجزرة خان يونس التي راح ضحيتها في ثلاثة أيام 650 رجلاً بدم بارد، هذا ناهيك عن المجازر التي ارتكبتها في مصر، مدرسة بحر البقر، أما المجازر والاغتيالات الفردية لا يسعنا المقام لنسرد أسماء الشخصيات القيادية التي اغتيلت، ولكن نذكر أبو جهاد، وأبو يوسف النجار، وكمال ناصر وكما عدوان وشيخ الشهداء / أحمد ياسين، والدكتور/ الرنتيسي، ويحيى عيّاش، ، والقائمة تطول.

أليس هذا هو الإرهاب؟ أم نسميه دفاعاً عن النفس، هل إسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها وأصحاب الأرض يتحملون صنوف العذاب.

ورغم هذه الاغتيالات للقادة، فإن الثورة تتأجج أكثر، وتتجذر، وتتمدد، وهذا هو الشعب الفلسطيني.

وصل عدد شهداء الانتفاضة الثانية إلى 2820 شهيداً، بينهم 65 طفل من طلاب المدارس، وأطفال رُضّع 25.

رابعاً سياسة الأمر الواقع:

سأتحدث هنا في محورين هما حديث الساعة الآن:

ا
لمحور الأول: جدار الفصل.

المحور الثاني: خطّة الفصل التي أعلنها شارون من طرف واحد.


ربما تكون هذه النقطة جزءاً من استراتيجية شارون في المرحلة الحالية، فمنذ توليه الحكم بدأ يعمل على أساسها، وهنا أريد أن أقول بأن ما قام به شارون لم يقم به رئيس وزراء سابق، وللتاريخ إنه أقوى شخصية إسرائيلية عرفتها الكيان الصهيوني حتى الآن، كما قال أحد المحللين.

بدأ بإعادة احتلال الأراضي التي انسحب منها، أغلق البوابات التي يتنفس منها الفلسطينيون ( مطار غزة، والمعابر) فتح باب جهنم على الشعب الفلسطيني، احتجز ومازال الرئيس ياسر عرفات داخل المقاطعة في رام الله، دمّر مخيمات بكاملها، اقتلع 83.000 شجرة مثمرة، خرّب 35.000ألف متر انابيب للري، استولى على 11.400 ألف دونم لغرض الجدار العازل، استولى على 31 بئراً للري، دمّر 175 مشروعاً زراعياً، قطّع أوصال الضفة الغربية وحولها إلى معازل يصعب التنقل من مكان إلى آخر، حوّل قطاع غزة إلى ثلاثة جزر، منع سفر المواطنين والمواطنات لسن معينة.

ولقد جاء جدار الفصل القديم الجديد ليبرز بجلاء سياسة القهر التي تمارس ضد الشعب الفلسطيني، وبدأ يخطط لهذا الجدار على مراحل ثلاثة:

1- تشمل مناطق ( جنين- طولكرم- قلقيلية- والقدس) بسافة 149.5 كم، منها 21 حول القدس.

2- تشمل مناطق بيت لحم والخليل، ويصل حتى حدود الضفة مع فلسطين 48.

3- خط طولي على نهر الأردن.

ويصل طول الجدار إلى 650 كم، والواقع أقول هنا بأن هذا الجدار هو الحدود الفلسطينية الإسرائيلية الجديدة، وما يتردد بأنه مؤقت فهذا هراء.

مكونات الجدار: أسلاك شائكة، أعمدة، كاميرات، كلاب أثر، قنوات ترابية، أبراج للمراقبة الليلية،.

وتسعى إسرائيل إلى الاستيلاء على 58./. من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 67، لتصل بالجدار إلى ضم القدس إلى إسرائيل، وقد تسبب الجدار في عزل 140 ألف مواطن، و70 قرية، وتم الاستيلاء على 96.500 دونم إلى الغرب، إضافة إلى 11.400 دونم للجدار يميناً ويساراً.

وترى إسرائيل بأن الجدار يحقق لها البعد الأمني، والاستيطاني، والسياسي، إضافة إلى تهجير السكان خارج الوطن، ولكن الحقيقة التي آمن بها أهالي القرى المعزولة تقول، لا هجرة بعد الهجرة الأولى، ولكن جهاد أو استشهاد.

سياسة الأمر الواقع الإسرائيلية تنبع من منهجية في التفكير العنصري، والتعالي، ولهذا وجدناها تضرب بعرض الحائط كل القرارات الدولية، ولكن إلى متى؟

خطة شارون للانسحاب من غزة:

منذ أن قدّم شارون تعهداً للرئيس الأمريكي بالانسحاب من غزة، وهو يعمل بكل ما أوتي من وسائل قانونية وغير قانونية ليلتزم بما تعهد به، وفي تصوري أنه يخدم مصالح مشتركة قبل أن يخدم مصلحة الشعب الفلسطيني، ولكن القيادة قالت كلمتها، مستجيبة للضمانات المصرية، أن أي انسحاب من أي أرض فلسطينية مهما كانت مساحتها يمثل جزءاً من إنهاء الاحتلال، ولكن إذا صدقت إسرائيل، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، أي انسحاب هذا إذا كانت الأجواء والبحار، والبوابات تحت السيطرة الإسرائيلية؟ هل القوانين الدولية تسمح بهذا؟ لا أعتقد، وعلينا الرجوع إلى دساتير الأمم المتحدة، والقانون الدولي.

ولكن من وجهة نظري أقول بأنه لا انسحاب على الإطلاق من الأراضي الفلسطينية مهما امتد الزمن بشارون في الحكم، ولكن في تغيّر الحكومات يمكن أن يتحقق بعض الانسحاب.

والسؤال الذي يطرح نفسه: إلى متى سيبقى الوضع هكذا؟، هل سننتظر إلى عام 2020 حتى يصبح عدد السكان الفلسطينيين داخل فلسطين 15 مليون نسمة يقبع أكثر من 85./. منهم على مقربة من الحدود .وبالتالي ستتغير نسبة اليهود إلى الفلسطينيين من 85./. إلى 120./. كما يقول الدكتور أبو ستة وبعدها نبدأ في مقارعة إسرائيل.

إسرائيل تراهن على أسلحة الدمار الشامل التي تمتلكها وحيدة في الشرق الأوسط ولكن لن يجدي أبداً نظراً لضيق المساحة التي هي عليها.

إسرائيل تراهن على قوتها العسكرية، وهذا لن يجدي أبداً.

المعطيات والفرضيات التي تفرض نفسها على الساحة مستقبلاً لن تكون في صالح إسرائيل، ولكن ليس معنى ذلك الاستكانة لها.

أقول أخيراً بأن انتزاع الحقوق الفلسطينية كاملة من الكيان الصهيوني لن يكون إلا بالقوة السياسية التي تُمارس على دول دون دول، وإن لم يكن فصراعنا طويل.

إن الطاقات التي يمتلكها الشعب الفلسطيني يجب المحافظة عليها لتكريس إنجازاته بإقامة مؤسساته الوطنية، ويجب تقوية مؤسسات الشعب الفلسطيني، وتقوية الصالح منها وإزالة الفاسد وبنائها من جديد على أسس تصلح للقرن الواحد والعشرين، من حيث الكفاءة والمقدرة العلمية والشفافية ، وأن توائم العصر وتحافظ على الأداء. ونحن ندرك أن هذا هو بيت القصيد في وصولنا إلى أهدافنا، كما يقول أحد المحللين.

رحم الله الخميني الذي جمعنا اليوم، ورحم الله شهداء المسلمين جميعاً، ورحم الله شهداء أهل الرباط لأن الله خصّهم دون غيرهم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الدكتور يحيى زكريا إسعيد حمدان الأغا

اظهر المزيد