مقالات

عظيم الجزاء في الصبر على البلاء- سعيد الشوربجي

 

الحمد لله غافر الذنوب والآثام ، المنعِم علينا بالإيمان والإسلام، اللطيف الخبير بأحوال عبادِه من الرِّعيَّة والحُكام. أحمَدُه سبحانَه وتعالى حَمْد يليق بكماله وجلاله وأُصلي واُسلّم على سيدِنا محمد إمام المرسلين ، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن, وأشهد أنّ محمداً عبده ورسولُه، هدى الأمَّة وكشف الله به عنها الغمَّة، صلوات الله عليه وعلى آله وصحبِه الطيبين الطاهرين.

أيها الأحبة الأفاضل , أبناء العائلة الكرام، متصفحي ومحبي موقع النخلة المحترمين ، أحييكم تحية الإسلام ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :ـ

فإن للصبر على البلاء عظيم الجزاء {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} .

إن الذي دعاني إلى الكتابة في هذا الموضوع هي الأحداث الأليمة المتلاحقة التي مرت بنا خلال الأيام القليلة الماضية والتي ودعنا فيها ثلاثة من الأمهات المربيات الفاضلات اللاتي أنجبن أعلاما مهما تحدثنا عنهم لا ولن نوفيهم حقهم .

الحاجة / خيرية مضيوف مصطفى صالح الشوربجي  (أم ماهر) التي صبرت على المرض ، وصبرت على بعد أبنائها وبناتها عنها ، فقد توفيت رحمها الله في أرض الوطن تاركة أبنائها وبناتها مقيمين خارج الوطن , فلم تراهم منذ أكثر من عشر سنين ، رحمها الله رحمة واسعة بصبرها وثباتها

الحاجة / زهرية حاسي أحمد الأغا  (أم حسن) والتي صبرت على المرض ، وصبرت على فراق الزوج لأكثر من خمسة عشر عاما رحمها الله رحمة واسعة بصبرها وثباتها .

الحاجة / خيرية حافظ عثمان الأغا  (أم محمد) والتي توفيت خارج الوطن بعيدة عن عائلتها قريبة من قلوبهم دائما ، توفيت بين أبناء عائلتها المقيمين في مصر الشقيقة وقد أنجبت علما من أعلام العائلة ، رحمها الله رحمة واسعة بصبرها وثباتها .  كما ودعنا أيضا طفلا رضيعا في الشهر الثامن من عمره

الطفل/ زين الدين محمد سليمان فالوجي الأغا  رحمه الله رحمة واسعة وأثاب والديه بصبرهم وثباتهم .

كثيرة هي الآلام والأحزان ، كثيرة هي المآسي والهموم التي يتعرض لها الناس في بقاع الأرض ، كثيرة هي المصائب ، وإن من أشد المصائب على النفس مصيبة الموت ، نعم مصيبة الموت فقد أسماها الله عز وجل في القرآن الكريم مصيبة الموت  
(ِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ) والموضوع الذي نحن بصدده هنا ليس المصيبة فحسب ، أو مصيبة الموت وإنما الصبر على المصيبة ، وما أعد الله للصابرين على البلاء .
يقول الله تبارك وتعالى { وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}،    وقال أيضا :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وصابروا}. وقال : {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} وقال : {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بشيء مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} .

وأن المصيبة نوعان: مصيبة في الدين و مصيبة في الدنيا . أما المصيبة في الدين أن يُبتلى الرجل بترك الصلاة أو شرب الخمر أو إضاعة فرض من فرائض الله أو ارتكاب معصية من المعاصي , والكفر أعظم المصائب وأشدها مثل الذي إذا غضب سبّ الله أو الملائكة أو الأنبياء أو الدين أو إذا أصابه الحزن اعترض على الله وعلى تقدير الله أو سبَّ ملك الموت أو نسب الظلم إلى الله ، أو الاستهزاء بالله أو دينه أو الأنبياء وكل هذا من المصائب المهلكة التي تؤدي بالإنسان إلى الخلود في النار .

وأما المصيبة في الدنيا فهي البلاء الذي يصيب المسلم في جسمه أو ماله أو أهله أو ولده. وهي المصيبة التي يؤجر ويثاب عليها في الآخرة ، وتكون تكفيرا لسيئاته . لذلك فإن المصيبة في الدنيا أهون من المصيبة في الدين . وقد جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يُرد الله به خيرًا يُصب منه". معناه : أن العبد الذي يحبه الله يبتليه إما في جسده أو ولده أو ماله أو أهله فليس البلاء علامة الهوان عند الله ، بل البلاء للمؤمنين الكاملين رفعة في درجاتهم.
فقد ثبت في الحديث أن بعض المؤمنين من كثرة البلاء الذي ينزل عليهم في الدنيا يخرجون من الدنيا وما عليهم خطيئة، يطهرهم الله من كل خطاياهم بهذه البلايا فلا يكون عليهم شيء في قبورهم ولا في آخرتهم .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشدّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يُبتلى الرجل على حسب دينه" معناه كلما كان الإنسان قويًا في أمر الدين كلما كان بلاؤه اشدّ.
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض ليس عليه خطيئة".

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما الصبرُ عند الصدمةِ الأُولى). وقولهُ إنما الصبر عند الصدمة الأُولى أي الصبر الذي يحمد الله عليه صاحبه كل الحمد عند مفاجئته بالمُصيبة .

وروى الترمذي أن النّبي صلى الله عليه وسلم قال :( إنَ عِظمَ الجزاء مع عظم البلاء وإنّ الله تعالى إذا أحبَ قوماً ابتلاهُم فمن رضي فلهُ الرِضا ومن سَخِطَ فلهُ السُخط) .

و الصبر عادة الأنبياء والمتقين، وحلية أولياء الله المخلصين، وهو من أهم ما نحتاج إليه نحن في هذا العصر الذي كثرت فيه المصائب وتعددت، وقلّ معها صبر الناس على ما أصابهم به الله تعالى من المصائب، والصبر ضياء ، بالصبر يظهر الفرق بين ذوي العزائم والهمم وبين ذوي الجبن والضعف ، والصبر ليس جبن أو يأس أو ذل بل الصبر حبس النفس عن الوقوع في سخط الله تعالى وتحمل الأمور بحزم وتدبر, والصابرون يوفون أجورهم بغير حساب: (أُوْلَـئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَـٰماً)، وقال تعالى عن أهل الجنة: (سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ) .

 هذا هو الصبر، المحك الرئيسي، لصدق العبد في صبره، واحتسابه مصيبته عند الله.
وفي كتاب الله آية عظيمة كفى بها واعظة للناس عند وقوع المصائب:

(وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ ٱلْخَوفْ وَ ٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ ٱلاْمَوَالِ وَٱلاْنفُسِ وَٱلثَّمَرٰتِ وَبَشّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رٰجِعونَ أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰتٌ مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ)

وكلمة (إنا لله وإنا إليه راجعون) هي علاج ناجع لكل من أصيب بمصيبة صغيرة أو جليلة ومصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق، ولابد أن يدخل قبره فردا كما خلق أول مرة بلا أهل ولا عشيرة ولا حول ولا قوة ولكن بالحسنات والسيئات، فمن صبر واحتسب إيماناً و رضى بقضاء الله يجد الثواب الجزيل والخير الكثير . وليعلم المصاب علم اليقين (أنّ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ في ٱلأَرْضِ وَلاَ في أَنفُسِكُمْ إِلاَّ في كِتَـٰبٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتَـٰكُمْ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ .

فوطن نفسك على أن كل مصيبة تأتي إنما هي بإذن الله عز وجل وقضائه وقدره فإن الأمر له، فإنه كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض . واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك أو يضروك بشيء لم ينفعوك أو يضروك فلن يحصل ذلك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، واستعن على الصبر بالاستعانة بالله، والاتكال عليه، والرضا بقضائه. (عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) .

وكلنا يعرف قصة ابتلاء سيدنا أيوب عليه السلام وصبره وهي تضرب مثلاً للابتلاء ، والصبر، وقد ابتلاه الله عز وجل فصبر صبرًا جميلاً ، وظل على صلته بربه ، وثقته به ، ورضاه بما قسم له .

هذا ما قدرني الله عليه فإن كنت قد أصبت فمن الله وإن كنت قد أخطأت فمن نفسي والشيطان . وفي النهاية لا يسعني هذا المقام إلا أن أتقدم بأحر التعازي إلى ذوي المرحومة (خيرية الشوربجي أم ماهر) أبنائها وبناتها وشقيقها وشقيقاتها ، وإلى  ذوي المرحومة ( زهرية الأغا أم عمر) نجلها وشقيقها وشقيقاتها ، وإلى ذوي المرحومة (خيرية الأغا أم محمد) نجلها أبو كامل وأشقائها وشقيقاتها وأخوتها وأخواتها ، وإلى ذوي الطفل الرضيع (زين الدين) والده ووالدته ، إليهم جميعا أقول أحسن الله عزائكم وغفر لموتاكم .

اللهم وفقنا للصبر والرضا واصرف عنا اليأس والسخط وارزقنا العافية في الدين والدنيا والآخرة وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. سعيد خميس سعيد يوسف مصطفى الشوربجي

اظهر المزيد