متفرقات

اللّهمَّ ارحم أبي واجعل له نوراً- المنتصر بالله حلمي

اللّهمَّ ارحم أبي
واجعل له نوراً
بقلم : المنتصر بالله حلمي أحمد الآغا
ـــــــ
 


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وأسأل الله تعالى أن يرحم أموات المسلمين والمؤمنين فيغفر لهم ويتجاوز عن سيئاتهم ويزيد في حسناتهم ويوسع في قبورهم ويجعلها روضةً من رياض الجنة ، آمين .

تمر اليوم الذكرى الثانية والعشرون على وفاة والدي رحمه الله حيث انتقل إلى رحمة الله تعالى في التاسع عشر من شهر ( آذار ) مارس 1988 ، أسأل الله تعالى أن يغفر له ويرحمه ويسكنه فسيح جنانه ويعلي درجاته فيسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء وحسُنَ أولئك رفيقاً ، اللهم آمين .
وبالنسبة لي فقد أكون قد حًرِمتُ من نعمة رعاية وحنان الأبوة والأمومة في عمر مبّكر وذلك لمغادرتي البلد في سِنٍّ مبكرة - أقل من ثمانية عشر سنة – وربما كان هذا مؤثراً جداً وما زال عالقاً في نفسي بالرغم من مرور كل تلك السنوات الثقيلة والمسرعة من العمر ، فمن تنعّم بنعمة الأبوة والأمومة ولم يفتقدهما مبكراً قد لا يدرك فضل وعظمة تلك النعمة ، وكثيرون قد يدركونها بعد سفر والديهم الطويل .

والحديث عن والد أو والدة توفيا إلى رحمة الله تعالى فيها شجون وربما شوق للراحل - والموت حقٌ على الجميع - ولكن من فرّقته وأبعدته الغربة عن والديه ، ثم فرّق بينهم الموت بعد الغربة ففيه خليط من المشاعر وكثير من شجون وشوق وذكريات جميلة ، وفيها أيضاً معاناة البعد وقهر الغربة والوحدة والإحباط والحرمان وعدم تذوق الفرح في عيدٍ أو مناسبة قد تسمى سعيدة ! ، وتذوّق القهر والكرب والحرمان ، وفي كثير من الأحيان التعاسة . وما أجمل شهر رمضان أو العيدين في التواصل مع الله تعالى ومع الأحبة ، وتعصف روح المرارة بالمرء عندما يكون في غربته وحيداً وبعيداً عن أهله وأحبته ، وقد يكون حوله كثيرون ممن يعتبرون أنفسهم من ألأحبة ! ، وقبلة فيها إخلاص يطبعها الولد على يد أمه أو أبيه قد تعدل الدنيا في لحظتها ، وكثيرون حُرموا منها باكراً أو متأخراً ، من أجل هذا نجد في الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قوله:( أن ملكاً في السماء ينادي على ابن المرأة التي تموت ‘‘ يا فلان لقد ماتت التي كان الله تعالى يرحمك من أجلها ’’ أو كما قال صلّى الله عليه وسلّم ) ، ونسأل الله تعالى ألاّ ينسانا من رحمته إكراماً لروح والديّنا ، ونسأله أن يرحمهما رحمة بلا حدود وهو الرحمن الرحيم .

وهنا قد تكون شهادتي في الوالد رحِمَهُ الله تعالى مجروحة ، ولكن الكثيرون من أبناء العائلة الذين كانوا يعرفونه وقريبون منه يدركون ويعلمون الكثير عنه وعن شخصيته وطيبته وحبه لأهله وعائلته ووطنه ، وسعدنا جميعنا يوماً بما كتبة الحبيب أبا خلدون الأستاذ نبيل خالد الذي كان يوماً - أطال الله تعالى عمره بالصحة والعافية آمين - من مجموعة الشباب الذين عرفوه بعض المعرفة في البلد وفي القاهرة ، وربما كانت المعرفة القريبة والحقيقية في عمّان / الأردن بعد العام 1967 ، ومعرفة الغربة تختلف عن معرفة الوطن ! ، ويا ليتك - أبا خلدون - إن كان ما زال في جعبتك شيئاً لا نعرفه فدوّنه واكتبه .
كان فندق نهر الأردن وسط عمّان بعد العام 1967 لفترة زمنية ملتقى جميع أبناء العائلة من جميع الأعمار القادمين والمغادرين من البلد وإليها ومن وإلى جميع أنحاء الدول ، وكان هذا الفندق وكأنه منتدى وملتقى أبناء العائلة ! . وكان الوالد رحمه الله تعالى يلتقي بالكثيرين من أبناء العائلة في ذاك المنتدى ، وكان يحب ويحترم الجميع الكبير والصغير القريب والغريب ، وكانت له علاقة خاصة بالشباب من أبناء العائلة ، فكان يحبهم ويحب الحديث إليهم ومعهم ، وأعتقد جازماً أنهم كانوا يحبونه ويحترمونه ، لأنه كان رحمه الله عندما يلتقي بالكثيرين منهم يحادثهم ويستمع إليهم ويمازحهم وكأنه من جيلهم ، وكان رحمه الله يحاول جهده في المساعدة في حل مشاكلهم إن وجدت .

كان رحمه الله تعالى حنوناً ورحيماً وعنده من نكران الذات لا يوصف ، فكان يحب عائلته الصغيرة ، وعائلته الكبيرة ، وكان يكره أن يتكلم أي أحد عن العائلة بكلمة مسيئة . وكان رحمه الله تعالى له مساهمات واتصالات عديدة وكثيرة في خدمة أهله وبلده ورفع مكانتهم ، وكان عندما يحضر إلى عمّان يتصل بأشخاص كثيرين كانوا من معارفه قبل عام النكبة 1948 فيتوسطهم في أمور كثيرة للآخرين ، وكان كثير منهم في مراكز تؤهلهم لتلبية ما يسأل ، وكانوا رحمهم الله جميعاً لا يخذلونه وفاءً لعِشْرَة وصحبةٍ قديمة .

أذكر وكنت في العشرينات من العمر جمعتني الصدف في مجلس مع أحد الرجال القادة العظام المخلصين الذين أسّسوا لنهضة وطننا العظيم الذي بارك الله فيه وحوله ، نظر إليّه وسأله أحد الجالسين وكان من العائلة – رحم الله تعالى الجميع - وقال له : هل تعرف هذا الشاب ؟ ، وأشار إليَّ ، فقال ذلك الرجل الكبير: ( قل لي من فين وأقول لك من هوَ ؟! ) ، فقال له : من خان يونس ، فنظر إليَّ مليّاً ثم قال لي وهو يشير بسبابته : أنت إبن أبو المعتز الآغا وكررها مراراً ، فقلت : نعم ، فقال لي رافعاً يده : تعال إليَّ ، فضّمني وقبلني وقال لي : والله يا بنيّ إن أبوك من اشرف رجال فلسطين ، وتحدث عنه بكلام يفتخر به كل ولد بأبيه .
عندما كنت في عمان ادرس الثانوية العامة ، وبعدها في جامعة حلب كانت رسائله لي – كما رسائل الوالدة - رحمهم الله جميعاً ( وما زلت احتفظ بها كل تلك السنوات التي تعدت الأربعين سنة ) ، وكل تلك الرسائل وصايا وتوصية بالتزام الأخلاق والأدب والمحافظة على الصلاة ومن ثمَّ المحافظة على اسم العائلة والاجتهاد في الدراسة . كانت تلك الرسائل دائماً نوراً ونبراساً تفتح لي الطريق في هذه الحياة ، بل كنت أتوجس في نفسي خيفة عندما أهم بكل عمل أعملة وكأني أتلفت خلفي فأجده ينظر إليَّ يراقبني ، من أجل هذا كنت دائماً أحاول بكل جهدي أن التزم بتوصياته الخيّرة ، وكأن الناس كلها حولي في الغربة تعرف من أنا !.
عام 1971 حج بيت الله الحرام ، وكان يرافقه العم المرحوم حمدي حسين الآغا ( أبو مروان ) والحاجة أم مروان رحمهم الله تعالى جميعاًَ ، وبعد الحج سافروا إلى الكويت لزيارة المرحوم مروان وشقيقتي مروة ومكثوا فترة ثم عادوا إلى عمّان ، وبعدها حضروا إلى حلب لزيارتي وكانت سعادتي آنذاك لا توصف ، وقضوا يومين جميلين جداً ، وأذكر أن أبو مروان رحمه الله تعالى قال لي آنذاك : ( والله يا شيخ هاليومين من أحلى الأيام ) ، وغادروا ثلاثتهم حلب عائدين إلى البلد عن طريق عمّان ، وقد ودعتهم بالدموع التي أثارها المرحوم أبو مروان الذي كانت دمعته رحمه الله لا تحتاج لإثارة لتنزل من عينيه ( ويشاء القدر أن ينتقل العم أبو مروان إلى رحمه الله تعالى قبل الوالد بيومين رحمهم الله جميعاً ) ، وكأنهم أرادوا الصحبة في الدنيا والآخرة ، أسأل الله أن يجمعهما في جنّات النعيم ، آمين .

كان رحمه الله تعالى حريصاً على أن نحافظ على الصلاة ، فكان يدفعنا ويحثنا منذ نعومة أظفارنا على المحافظة عليها . كان رحمه الله يصحو مبكراً ليتأكد من محافظتنا على الصلاة ، فكان يجلس على أريكة في باحة المنزل يراقب ينظر إلى مرافقنا وأقدامنا إن كنا قد توضأنا ، وإلاّ فيعيدنا إلى الحمّام للوضوء والصلاة قبل الذهاب إلى المدرسة . وكان في الأجازة الصيفيّة يرسلني إلى المسجد لحفظ القرآن الكريم – جانب مركز الشرطة شرق السكة في البلد - وكان يُوصِي المدرس واسمه الشيخ صلاح رحمه الله بالقسوة عليَّ في هذا ، فكان لفعل عصا الخيزران آنذاك دورها السحري في حفظ جزء عمَّ وتبارك ، أسأل الله تعالى أن يجعل ما زرع من كل هذا في ميزان حسناته ، وأن يعلي درجته هو والوالدة في عليين فيرحمهما رحمة واسعة ، وجميع أموات المسلمين .

عندما توفاه الله رحمه الله تعالى وآنذاك كنت وأخي المعتصم حفظه الله في الرياض ، نشرنا نعيّه في صحيفة الشرق الأوسط ، وكانت توزع في معظم بلدان العالم ، فتسلمنا رسائل التعازي والبرقيات والمكالمات الهاتفية ، ولا أبالغ إن قلت من كثير من الدول العربية والأجنبية . وكانت رسالة خاصة ما زلت أذكرها ، جاءت من المغرب إلى أخي المعتصم أبو حلمي من رجلٍ من الذين عرفوه قبل سنين طويله - قبل 1948- وهو مغربي الأصل كان ماراً بالبلد ، فاستضافه وأكرمه لعدة أيام – وهو لا يعرفه - ، ويتحدث ذلك الرجل المغربي في رسالته فيصف حسرته ولوعته على وفاة الوالد رحمه الله تعالى ويتحدث عن مناقبه وكرمه وشهامته وأخلاقه الكريمة وعن العائلة واستضافته له عند مروره بخان يونس ، وتلك كلها أشياء يزهو ويفخر بها كل من ينتسب لهذه العائلة الكريمة ( ويحتفظ أخي المعتصم بهذه الرسالة ، وكان لدي منها صورة وللأسف فقدتها في ظرف معين ) .

كان من بعض معارفه رجلاً أديباً ومعلّماً ومفتشاً في مديرية التربية في غزة واسمه الأستاذ رامز طه – رحمه الله تعالى - ربما يعرفه بعض كبارنا في العائلة ، وكان بين فترة وأخرى يزوره في البلد لعدة أيام ، فإذا كانت الزيارة في الشتاء كان ينام في بيتنا في ميدان الجندي المجهول ، وإذا كانت الزيارة صيفاً كان أحياناً ينام في الديوان في الطابق الأرضي ، وكان هذا الرجل رحمه الله تعالى يحب الوالد ويحب عائلة الآغا ، وقد كتب قصيدة في آل الآغا وفي‘‘ السماقيّة !! ’’ الأكلة الطيّبة التي نعرفها جميعنا ، وقد كانت الوالدة رحمها الله تعالى تحضرها وتطبخها بناءً على طلبه ورغبته لمحبته لتلك الأكلة ، وأرفق صورة عن تلك القصيدة بخط يد الأستاذ رامز نفسه رحمه الله تعالى عن عائلة الآغا والسماقيّة !!.
 


وهكذا كان رحمه الله تعالى مع كل الناس أبياًّ وشهماً ومضيافاً كريماً ، كان رحمه الله تعالى يحب كل الناس ، وعلّمنا حب الناس وخدمة الناس ، لم أره يوما يكره أحداً أو يحقد عليه ، وإذا غضب أو ( زعل ) من أحدٍ يتركه كما كان يقول : ‘‘ لله ’’ هو مخلّص الحقوق في الدنيا والآخرة . ويا ليتنا نستطيع أن نعمل ونصل لما كان يتمنى ويحب ، وأسأل الله تعالى ألاّ نكون قد خذلناه ، وأسأل الله تعالى أن يتجاوز عن ذلك إن كنا قد نسينا أو أخطأنا .

إن الكتابة عن أبي رحمه الله تعالى تحتاج إلى الكثير من المساحة الزمنية والمكانية لنوفيّه حقّه ، فكان رحمه الله تعالى نِعْم الرجال ونِعْمَ الأخلاق والشهامة والنبل والتسامح وطيبة القلب الأبيض الذي لا يحمل كرهاً ولا حقداً بل حبّاً وكرامةً للجميع . ولا أستطيع مهما كتبت أن أوفيه حقّه ومكانته في هذه الصفحات القليلة ، ولكنها خواطر بسيطة نذكر فيها روحه الطيبة الطاهرة إن شاء الله تعالى فنترحم عليه هو والوالدة فنذكرهما بقراءة الفاتحة والدعاء لهما ، فلعلَّ الله تعالى برحمته أن يرفعهما إلى عليين .

رحمك الله يا أبي رحمة واسعة ورحم الله تعالى أمي ، اشتقنا إليكم ، وأسأل الله تعالى أن يجمعنا بكم في الفردوس الأعلى ، واسأله تعالى أن ينير قبريكما ويوسع مدخلكما ويجعلهما روضة من رياض الجنة ، وأن يغسلكما بالماء والثلج والبرد ، وأن ينزل السكينة على روحيكما حتى يوم القيامة فيرحمكما ولا يحاسبكما ويرفعكما إلى جنات الفردوس الأعلى مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصحبه الكرام رضي الله عنهم جميعاً ، وأسأله تعالى أن يرحم جميع موتى المسلمين وأن يغفر لهم ، اللهم آمين ، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين .
 

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. المنتصر بالله حلمي أحمد الأغا

اظهر المزيد