مقالات

المسجد الأقصى بين الماضي والحاضر- سعيد الشوربجي

بسم الله الرحمن الرحيم

المسجد الأقصى بين الماضي والحاضر

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، ومن اهتدى بهديهم وسار على نهجهم  إلى يوم الدين ، وبعد : ــ

أحبائي القرَاء متابعي موقع النخلة المحترمين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,

يطيب لي في هذا المقام أن أتحدث معكم في موضوع غاية في الأهمية ، حيث ذكره الله غز وجل في القرآن الكريم ، وتحدث عنه رسولنا الأمين محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم بعد ذلك تحدث عنه الكثير حتى أنه لم يبقى أحد من الخلق إلا تحدث أو سمع أو قرأ عنه ، إنه :

 المسجد الأقصى :

لقد بارك الله فيه وميزه أفضل تمييز , ولقد ميز وبارك من أجله ما حوله من ارض ومن عليها من بشر وشجر وحجر ، والسكن في أرضه رباط إلى يوم الدين ,  ويعتبر المسجد الأقصى هو أساس مدينة القدس ، بل هو الأساس للأرض المقدسة كلها ، فهو بوابة السماء حيث منه عرج بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وهو قبلة المسلمين الأولى ، وثاني المسجدين حيث أنه ثاني مسجد وضع في الأرض دون أن يكون قبله كنيس ولا هيكل ، وثالث الحرمين الشريفين أي انه ثالث المساجد التي تشد إليها الرحال في الإسلام ، وهو القبلة الأولى، واليه أسري بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ومنه بدأ معراجه إلى السماء، وفيه أمَ الأنبياء , وفتحه أمير المؤمنين عمر ، وكذلك صلاح الدين الأيوبي .  

وصف عام للمسجد الأقصى : ـ

المسجد الأقصى داخل منطقة محاطة بسور مستطيل تقع شرق مدينة القدس والتي تسمى البلدة القديمة ، وتبلغ مساحة المسجد ما يقارب 144 دونما وربع الدونم تضم المسجد الأقصى وقبة الصخرة وبعض المعالم الدينية الأخرى ، ويقع المسجد فوق هضبة تسمى هضبة ( موريا ) ، وأن الصخرة المشرفة هي أعلى نقطة في المسجد .

  أبعاد المسجد الأقصى : ـ

تبلغ مساحة الضلع الشرقي للمسجد 462 مترا ، والضلع الغربي 491 مترا ، والضلع الجنوبي 281 مترا ، والضلع الشمالي 310 مترا ، ومساحة المسجد الأقصى تشكل سدس مساحة البلدة القديمة ، علما أن هذه الأبعاد لم تتغير منذ أن وضع المسجد أول مرة للصلاة خلافا للمسجد النبوي والمسجد الحرام اللذان تم توسيعهما أكثر من مرة .

أبواب المسجد الأقصى : ـ

للمسجد أربعة عشر بابا ، أْغلق منها أربعة أبواب بعد أن حرر صلاح الدين الأيوبي القدس ، وهي : باب المنفرد ، باب المزدوج ، باب الثلاثي وهي في الجنوب , وباب الرحمة في الشرق ،

أما الأبواب التي ما زالت مفتوحة فهي عشرة أبواب : باب المغاربة ، باب السلسلة ، باب المتوضأ ، باب القطانين ، باب الحديد ، باب الناظر ، باب الغوانمة ، كلهم في الجهة الغربية ، وباب العتم ويسمى باب شرف الأنبياء ، باب حطة ، باب الأسباط في الجهة الشمالية .

وللمسجد الأقصى أربعة مآذن هي : مئذنة باب المغاربة الواقعة في الجنوب الغربي ، ومئذنة باب السلسلة في الجهة الغربية قرب باب السلسلة ، ومئذنة باب الغوانمة في الشمال الغربي ، ومئذنة  باب الأسباط في الجهة الشمالية .

تسمية المسجد الأقصى بهذا الاسم : ـ  

إن التسمية بهذا الاسم هي تسمية إلهية ربانية فقد سماه الله غز وجل في القرآن الكريم (المسجد الأقصى) وذلك في الآية الأولى من سورة الإسراء . ومعنى الأقصى أي البعيد أو الأبعد وقد يكون المقصود بذلك بعده عن مسجدي مكة والمدينة .

والثابت في الحديث الشريف أن المسجد الأقصى المبارك وضع في الأرض بعد المسجد الحرام بأربعين سنة ، ويرجح أن يكون آدم (عليه السلام) هو أول من بناه ، مما يدل على أن المسجد الأقصى لم يقم قبله كنيس ولا هيكل ولا أي مبنى آخر لعبادة غير الله , وبعد آدم (عليه السلام) عمرته الأنبياء ، ومنهم إبراهيم (عليه السلام) الذي جدد أيضا بناء المسجد الحرام، وسليمان (عليه السلام) الذي جدد بناءه ، ودعا لمن صلى فيه.

وبعد الفتح الإسلامي للقدس عام 636م (الموافق 15 للهجرة) بنى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) جامعا في صدر المسجد الأقصى المبارك في موضع يعتقد أنه نفس الموضع الذي يقوم عليه الآن الجامع القبلي (المصلى الرئيسي في المسجد الأقصى المبارك), وفي عهد الأمويين، بنيت قبة الصخرة (الواقعة في قلب المسجد الأقصى المبارك) ، كما بني الجامع القبلي الحالي ، واستغرق هذا كله ما يزيد على ثلاثين عاما , وقد اعتنى المسلمون بإعمار المسجد الأقصى المبارك ، وترميمه ، والبناء فيه حتى اكتمل بشكله الحالي .

ويطلق الناس على المسجد الأقصى المبارك اسم "الحرم الشريف" ولكن هذا الاسم خطأ شرعا لأن في الإسلام حرمان فقط باتفاق العلماء هما مكة والمدينة , ولقد سماه الله تعالى المسجد الأقصى فقال عز وجل: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير."  والأهم من ذلك فإن الالتزام بالاسم الصحيح يقطع الطريق على أية محاولات صهيونية للاستيلاء على جزء من المسجد الأقصى بزعم أنه جزء من حرم يحيط بالأقصى.

بعد الاحتلال الصليبي للقدس عام 1099م- 492هـ ، حدثت في المسجد الأقصى المبارك مذابح يشيب لها رأس الوليد ، حيث قدرت بعض المصادر التاريخية عدد المسلمين الذين قتلوا داخل المسجد المبارك يوم سقوط المدينة بأيدي الصليبيين حوالي (70000) سبعين ألف مسلم , كما جرى تحويل أجزاء من المسجد الأقصى المبارك إلى كنائس منها قبة الصخرة وجزء من الجامع القبلي , بينما أقيمت كنائس أخرى داخل حدود المسجد المبارك , ودنست أجزاء أخرى من المسجد الأقصى ، وحولت إلى مساكن للفرسان الصليبيين ، ومقرات للقيادة ، مثل الجامع القبلي ، أو إلى إسطبلات للخيول مثل المصلى المرواني الذي أسموه حينها "إسطبلات سليمان".

ومنذ الاحتلال الصهيوني للقدس عام 1967م تعرض المسجد الأقصى المبارك لاعتداءات كثيرة ، شملت احتلال أجزاء منه أحدها يقع فوق صحن قبة الصخرة (الواقعة في قلب المسجد الأقصى) حيث أقيم مركز لشرطة الاحتلال ، فضلا عن مصادرة بعض حيطانه ، مثل حائط البراق , وحائط الكرد اللذين تم تهويدهما وتحويلهما إلى أماكن عبادة لليهود، فضلا عن إحراق الجامع القبلي - المصلى الرئيسي في المسجد الأقصى - ، وارتكاب عدة مذابح بحق المصلين داخل المسجد راح ضحيتها عشرات الشهداء وآلاف الجرحى، وكذلك الحفريات التي تنفذها سلطات الاحتلال حوله وتحته ، مما يؤثر على أساساته ، ويهدد بهدمه , وفي الوقت الذي يخضع فيه المسجد الأقصى منذ بدء الاحتلال إلى حصار خانق اشتد بعد انتفاضة الأقصى عام 2000م حيث يمنع من دخوله الكثير من الناس ولا يسمح إلا لأعداد قليلة  بدخوله ، يعمل الصهاينة حاليا على تهويد المسجد الأقصى بإدخال أعداد كبيرة من اليهود إليه سعيا لتقسيمه بين المسلمين واليهود، ومن ثم إقامة مواضع تعبُد يهودية داخله ، وذلك في إطار تحقيق هدف تقويض الأقصى، بزعم أنه في موضع ما يسمى "الهيكل"، (المعبد) والذي يرجعون بناءه الأول إلى سيدنا سليمان (عليه السلام) .                          

 إضافة لذلك ، تتواصل الحفريات والأنفاق الصهيونية حول الأقصى وتحته ، وصل بعضها إلى ما تحت قبة الصخرة (الواقعة في قلب المسجد الأقصى) ـ وسأتعرض لها بشيء من التفصيل لاحقا ـ بل يعتقد أنهم أقاموا فيها كنسا يهودية , ومع تعدد هذه الاعتداءات ، ورغم أنها لم تنجح في التأثير على أساسات قبة الصخرة ، بفضل إقامتها على أرضية مستوية في أعلى هضبة موريا التي يقوم عليها المسجد الأقصى ، إلا أن الرخام الذي يحيط بالقبة من الداخل ، وزخارفها الفسيفسائية من الداخل والخارج تعاني من التشقق والتآكل والتساقط , وهذا الوضع مهدد بالتفاقم الازدياد بسبب الحصار الذي تفرضه سلطات الاحتلال الصهيونية على المسجد الأقصى المبارك ومنعها المسلمين من القيام بأية أعمال ترميم لأي من أجزائه ، بما في ذلك قبة الصخرة المشرفة .  

والحقيقة أن الحفريات المنتشرة حول وتحت المسجد الأقصى ، لا تشير إلى وجود أي أثر للمعبد المزعوم ، رغم أنها وصلت إلى طبقات جيولوجية تعود لفترات تاريخية قديمة جدا. كما أن الحديث النبوي الشريف الذي يؤكد أن المسجد الأقصى المبارك هو ثاني مسجد وضع في الأرض بعد المسجد الحرام يدل على أن موضع المسجد الأقصى خصص لعبادة الله تعالى منذ خُلِقت البشرية , وحتى لو ثبت أن أبنية مختلفة أقيمت في موضعه بعد بنائه الأول هذا ، فلا شك أن بناء سليمان (عليه السلام) على وجه الخصوص، والذي يثبته حديث نبوي شريف آخر، كان بناء تجديد لهذا المسجد الذي لا يعبد فيه إلا الله تعالى ، لأنه (عليه السلام) نبي من أنبياء الله ، وليس ملكا لليهود فحسب ، كما يدعون .

قبة الصخرة (قلب المسجد الأقصى المبارك)

هي قبة عظيمة في قلب المسجد الأقصى , تعتبر المعلم المميز للمسجد ولمدينة القدس عموما، وتعد من أجمل ما بني من التحف المعمارية في العالم قاطبة .

أمر بإنشائها الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ، بين عامي 66-86هـ / 685-705م، لإظهار عظمة الدولة الإسلامية ، وأوكل العمل إلى المهندسين : رجاء بن حيوه البيساني ، ويزيد بن سلام المقدسي ، فأقاماها على أسس هندسية دقيقة ومتناسقة ، على شكل مبنى مثمن الشكل ، له أربعة أبواب تفتح على الجهات الأربعة ، وتعلوه قبة مطلية بألواح الذهب ، ارتفاعها 35مترا ، يعلوها هلال بارتفاع  5 أمتار, ويعتقد بعض الباحثين أن بنائها كان تخطيط لجعلها قبة للمسجد الأقصى المبارك كاملا .

وفي داخل مبنى قبة الصخرة ، توجد تثمينه أخرى تقوم على دعامات وأعمدة أسطوانية ، في داخلها دائرة تتوسطها الصخرة المشرفة التي تمثل أعلى جزء في هضبة بيت المقدس - هضبة موريا – التي يقوم عليها المسجد الأقصى المبارك ، ويرجح أن تكون هذه الصخرة الموضع الذي عرج منه الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى السماء , وهي صخرة طبيعية غير منتظمة الشكل ، تتراوح أبعادها بين 13 و18 متراً ، وارتفاعها حوالي المترين .

أما المساحة المسقوفة المحيطة بالصخرة المشرفة ، فهي مصلى مخصص حاليا للنساء في المسجد الأقصى ( خاصة في صلوات الجمعة والأعياد والتراويح )

ويمتد هذا المصلى ليشمل صحن الصخرة المكشوف خارج مبنى القبة بمساحة إجمالية تقدر بحوالي ثلاثة دونمات .  

أثناء الاحتلال الصليبي للقدس والمسجد الأقصى ، جرى تحويل قبة الصخرة إلى كنيسة عرفت باسم (كنيسة أقدس المقدسات) أو (معبد الرب) ، كما أنشئ مذبح فوق الصخرة ، ورفع الصليب فوق القبة ، إلى أن تحررت القدس على يد صلاح الدين الأيوبي عام 583هـ - 1187م , وأمر بإعادة تذهيب القبة من الداخل .

وإذ يولي الصهاينة أهمية خاصة للصخرة المشرفة في المعبد المزعوم الذي يسعون لإقامته على حساب المسجد الأقصى المبارك ، فقد تعددت اعتداءاتهم عليها ، حيث تعرضت للقصف بطائراتهم خلال عدوان عام 1948م ، كما اقتحموا المسجد الأقصى بأسلحتهم ودنسوا الصخرة المشرفة برفع علمهم فوقها لبعض الوقت لدى احتلال القدس عام 1967م , وخلال الثمانينيات من القرن العشرين جرت محاولات عدة لنسفها بالمتفجرات على يد متطرفين يهود ، واقتحمها جندي يهودي  يدعي هاري جولدمان في عام 1982م وأطلق النار على المصلين بشكل عشوائي مما تسبب في استشهاد اثنين وإصابة أربعة من المصلين , كما تحتل شرطة الاحتلال خلوتين للعبادة تقعان شمالي صحن الصخرة بعد أن حولتهما إلى مركز لها في قلب المسجد الأقصى , ناهيك عن إغلاق الطرق المؤدية إليه لمنع المصلين من دخوله ، والتفتيش المستمر للداخلين إليه والخارجين منه ، والاعتداءات اليومية والمتكررة , فكل هذه الأفعال التي يفعلونها في القدس والمسجد الأقصى من اعتداءات وحفريات ومنع للمصلين وغيرها إنما هو حقد دفين على الإسلام والمسلمين ، وليس حبا في التوصل إلى هيكل سليمان كما يزعمون أو بحثا عن جذور تاريخية لهم كي تثبت حقهم في فلسطين , فالمسلمون أحق بسليمان منهم ، فهم لا يريدون أن يثبتوا تاريخهم لأحد ، لأنه ما من أحد اليوم يفكر في أن يطردهم من فلسطين ، أو حتى يعرف تاريخهم ومن أين جاءوا إلى هذه الأرض , وهم يعلمون علم اليقين بذلك ، فتاريخهم معروف ومواطنهم الأصلية معروفة للجميع ، فهم أصبحوا شوكة في قلب الوطن العربي ، وفي قلب الإسلام والمسلمين ، فحقدهم الأعمى على المسلمين عامة وعلى العرب خاصة وعلى الفلسطينيين بالأخص يجعلهم يفكرون ليل نهار كيف التخلص من هذا المعلم الإسلامي العظيم الذي يرتبط به المسلمون ويقربهم إليه , ويرتبط به الفلسطينيين أكثر من غيرهم , وبما أن اليهود يعرفون حتمية زوال كيانهم الغاصب ويعلمون أنه سيأتي يوم ينطق فيه الحجر والشجر فيقول يا مسلم يا عبد الله خلفي يهودي تعال فاقتله ، وبعلمهم ومعرفتهم لهذه الحقيقة الحتمية القادمة لا محال فإنهم لا يألون جهدا ولا يدخرون وسعا في الفتك بالإسلام والمسلمين ، وخاصة الفلسطينيين لقربهم وتعلقهم بالمسجد الأقصى , فنصرة المسجد الأقصى ليست مسئولية الفلسطينيين وحدهم ، إنها أرادة الله عز وجل أن جعل المسجد الأقصى في فلسطين , كما جعل الحرم المكي في مكة المكرمة , والحرم المدني في المدينة المنورة في أرض الحجاز ( السعودية ) ، إن نصرة المسجد الأقصى هي مسئولية كل مسلم على وجه الأرض أيَا كان موطنه أو جنسيته ، فالكل أمام المسئولية سواء ، أنصر المسجد الأقصى أخي المسلم حتى ولو بقول كلمة ، إن لم تستطع أن تفعل شيئا فقل حسبي الله ونعم الوكيل .                                                                                أحبتي وإخواني إن الحديث عن القدس والمسجد الأقصى كثير فلا تكفيه الكلمات أو الصفحات  القليلة ، وما هذا إلا غيظ من فيض , وقليل من كثير , ونقطة من بحر ، وسطر من قمطر, من حق المسجد الأقصى فمهما قلنا ومهما تكلمنا فلن نوفه حقه التي فرضه الله علينا ، ولا الذي أمرنا به رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، أكتفي بهذا القدر فإن كثرة الكلام ينسي بعضه بعضا ، فما كان من خطا فمن نفسي والشيطان ، وإن كنت قد أصبت فبتوفيق من الله وفضل منه ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. سعيد خميس سعيد يوسف مصطفى الشوربجي

اظهر المزيد