متفرقات

ذكريات في أوراقٍ متناثرة: بقلم سمر زكريا الأغا

 

ذكريات في أوراقٍ متناثرة: بقلم سمر زكريا ابراهيم الأغا


..........واشتد بي الحنين, فاذا بي أُسرع الخطى لأفتح حقيبةً ...كانت يوماً لأمي ,ولطالما احتضنت خواطر ووريقات خطتها اناملها الطاهرة ...في لحظاتٍ كانت تسترقها من يومها المليْ بالمشاغل والمسئوليات, لقد كانت (رحمهاالله) محبةً للأدب والكتابة,وإذ بي ألتقط قصاصةً من مجلةٍ لقصةٍ كانت أمي قد نشرتها قبيل الإنتفاضة الأولى بقليل , يا إلهي!!!!!!رغم مرور تلك السنين ..إلا أنها تتحدث عن واقعٍ لازلنا نعيشه إلى يومنا هذا,وقدر كتبه الله عز وجل علينا, فما فرغت سجون محتلينا من مناضلينا, ومازالت القلوب تنبض بحب الوطن, ومازال ابطالنا صامدين شامخين شموخ شجرة الزيتون المنغرسة جذورها في هذه الأرض الطيبة . فبإرادتهم أصبحوا صفصافة تحمي حدود الوطن من وهج الحراب .

أيا شعبا غمَد جراحه بورق الزيتون.... واستبدل قلبه بوطن سكن فيه ولم يزل

فلتسمحوا لي أن أقدم لكم قصة أمي........ وهي بعنوان (الرحم) ,من واقعٍ مر عليها بحكم عملها كطبيبةٍ للنساء والولادة.. قصة جسدت لنا أسمى معاني الحب والوفاء... في زمنٍ مادي تراخت فيه القيم واندثرت فيه المشاعر.
 

  قصة الرحم بقلم: الدكتورة فريال محمد البنا

((أي سلامة تلك التي يهنئونني بها؟؟ إن الموت أرحم الف مرة من هذه الحياة التي سأعيشها...كيف طاوعتكم قلوبكم أيها القساة أن تستأصلو أهم عضو في جسدي!! ليتكم استاصلتم قطعة من كبدي او فقأتم عينا من عيني فهذا أهون علي من فعلتكم هذه,ليتكم تركتموني أموت غارقة في دمائي.. فالموت أرحم عندما تستعصى الحياة..هل فكرتم كيف ستكون حياة عروس تزف الى عريسها الذي انتظرته سبعة عشر عاما ..بلا رحم؟؟
بهذه الكلمات والعبارات أخذت تهذي وهي لا تزال في غرفة الانعاش تسمع العبارة التقليدية ((الحمدلله على سلامتك)) علمت هدى تفاصيل العملية وهي لا تزال في غرفة العمليات في المراحل النهائية عندما سمعت طاقم العملية يتحدثون بأسى عن اضطرارهم لرفع الرحم كله .. كانت تحس بالالم الشديد وهم يغرسون الإبر باللحم والاحباط المميت وهي تسمع ان رحمها قد ضاع, ولو ضاعت حياتها لكان أرحم !

....قبل سبعة عشر عاما تقدم احمد المهندس الى ابنة عمه هدى التي كانت تفوق بنات العائلة جمالا وثقافة ,وفي الوقت نفسه تقدم اخوه الى اختها الصغرى اميرة .. وكان انور قد آثر العمل على العلم فاشتغل في البناء ونجح في عمله وهو الآن من المقاولين المشهورين في البلد, ولكن قبل موعد الزفاف بأقل من شهر, اعتقل احمد وحكم عليه بالسجن مدة سبعة عشرة عاما, اما اخوه فقد زف الى عروسه في وقت لاحق بلا زفة.. وسط الدموع والآهات, في تلك الفترة كانت الأفراح في البلدة أشبه بالمآتم تذرف فيها الدموع بدلا من الزغاريد, كل يتذكر فجيعته إما في ابن وري التراب أو زوج أبعد عن بلده .. تاركا وراءه زوجة وأطفالا لا يملكون قوت يومهم.. أو أخ في زنزانته لا يعرف ليله من نهاره ولكن هذه الزيجات كانت اكثر بركة من كل زيجات العالم من حيث إنتاج الأطفال . قضي اقل من عشر سنوات أنجبت أميره خلالها ثمانية أطفال.. ستة ذكور وإبنتين , كبراهم مي التي بلغت السادسة عشر من عمرها وستزف قريبا إلى عريسها بعد أن يخرج عمها , وستزف مي وعريسها.. مع أحمد وهدى تماما كما كان مقررا من أن يزفا مع والديها قبل سبعة عشر عاما....

ومنذ الزيارة الأولى حاول أحمد أن يفك ارتباطه بهدى مشفقا على شبابها وعمرها من الأنتظار الطويل . ولكن هدى كانت ترفض مجرد الحديث في هذا الموضوع.. فقد كانت تعيش على أمل أن يحدث شي ويلتم الشمل قبل انقضاء المدة .ولكن مرت الشهور تلو الشهور ..والسنون وراء السنون وكل شيء على ما هو... فلا القضية حلت ولا السجون فرغت.. كان كل منهما يشفق على الآخر من هذا الإنتظار الطويل غير مدرك بما أحل به .. كانت هدى تشفق على أحمد وهي ترى الشيب وقد غزا شعر رأسه وأجزاء من جسمه, وتتألم وهي ترى قامته وقد انحنت وخطواته وقد بدأت تتقارب ولكن أكثر ما كان يعذبها هذه السحابة من الحزن التي كانت تكسو وجهه والدموع المتحجرة في عينيه والتي كانت تزيد كلما اقترب موعد الإفراج . وكثيرا ما كانت تتساءل ,ترى هل يخفي عني شيء؟ أما أحمد فقد كان يتمزق وهو يرى الشحوب في وجهها ..والهزال الذي اصابها والنضارة وقد ولت عنها ,وكان يسأل نفسه ..أهذه بصمات الزمن أم أن شيئا قد ألم بها؟؟

أما احمد فقد كان محقا في تكهناته, ففي الفترة الأخيرة أخذت هدى تعاني من الصمت بشكل ملحوظ كما كانت تعاني من تورم اسفل البطن, وفي آخر مرة كان النزيف حادا مما أستدعي نقلها على عجل الى المستشفى حفاظا على حياتها واكتشف الأطباء أن هناك أورام ليفية يجب استئصالها على عجل, ولكن اثناء العملية وجد انه من المستحيل الأبقاء على الرحم فاستأصلوه.
كان أول شيء طلبته هدى ان ترى العينة بعد أن عاد وعيها تماما.. وأخذت تتأملها في ذهول واستغراب .أكثر من عشرة ألياف حملها هذا العضو الصغير الذي لا يزيد حجمه على حبة الكمثرى في الأحوال العادية. أتراه قد ثار على وضعه عندما حرم من أداء وظيفته فأخذ يلد هذه الألياف المختلفة في الشكل والحجم! وسرح نظرها وفكرها بعيدا..هذه الألياف هي أبناؤها.. أختها أنجبت ثمانية أطفال ,وهي قد أنجبت عشرة ألياف.. الكبرى تمثل مي والتي تليها حازم.. والصغرى تمثل محمد..الخ.

..يا الهي! أي جريمة ارتكبتها في حق نفسها عندما انتظرت كل هذه السنين دون أن تفكر بما قد يحمل اليها المستقبل من مفاجآت! كيف نسيت أن الحياه قصيرة بل قصيرة جدا.. كيف فكرت أن زواجا في السابعة والثلاثين سيكون زواجا ناجحا مثمرا؟؟ قبل العملية مباشرة كانت هدى تفكر في الزفاف الذي انتظرته طويلا..في البيت الذي امضت سبعة عشر عاما في تأثيثه والذي سيجمعها برفيق عمرها.. في الأطفال الذين ستنجبهم.. وكيف وأين ستعلمهم.. خالد وخلود.. هل أصبح كل هذا سرابا.. وكأن شيئا لم يكن.. هل بعد هذا الأنتظار الطويل ستنسحب من حياته..لتبقى بالنسبة له حبيبة القلب لا رفيقة الدرب!! ولم تتمالك نفسها وصرخت .. أريد أن أموت.. أريد أن أموت.. وهرعت أليها الممرضة تحقنها بمادة مهدئة ونامت نوما عميقا وكأنها تريد تهرب من الواقع.. فما النوم إلا موت مؤقت.

في اليوم التالي كان الوضع يختلف اختلافا تاما عن الأمس..كانت هادئة مسالمة.. كملاك طاهر.. كطفلة لم يعرف قلبها الهموم بعد أن خفت حدة الآلام ونقل اليها الدم الذي عوض ما فقدته قبل العملية وأثناءها.. وأحست بالإرتياح بل بالسعادة وهي ترى غرفتها وقد إمتلأت بالزوار الذين جاءوا من كل مكان ليطمئنوا عليها .. أهلها.. تلميذاتها .. إخوتها الذين توافدوا مع زوجاتهم وأولادهم من كل بقعة من بقاع الغربة والشتات, جاءوا ليقفوا معها في محنتها تاركين أعمالهم ليقفوا مع اختهم الحبيبة التي أعطتهم الكثير, وليردوا بعض الجميل..كانو ينادونها ((الحبيبة)) فقد كانت تمنح الحب للكبير والصغير منهم, وأخذت هدى تحدث نفسها: كم كنت غبية بالأمس ! أأحس بالأسى وحولي كل هذا الحب.. أنا لم يضع عمري سدى.. لقد كانت حياتي كلها عطاء.. ولو عاد بي العمر ثانية ما اخترت إلا هذه الطريق.. فمتى كان الوفاء غباء..والتضحية ضربا من الجنون! أنا ما فعلت إلا ما يجب أن تفعله أي سيدة فاضلة مخلصة لزوجها.. أو خطيبها.. ما انتظرت كل هذه السنين عشيقا غدر بي, بل انتظرت بطلا كافح من اجل قضية عادلة وعانى أكثر مما عانيت.. وغيري المئات من النساء الصغيرات انتظرن وما زلن ينتظرن دون ملل أو يأس ,وما حدث لي فهو قدري الذي يجب ألا أندم عليه..لم تضع سنوات عمري سدى..فهؤلاء الذين حولي هم كلهم أولادي..من أجلهم قضيت عمري في فترة الأنتظار.
....نعم لقد كانت حياة مليئة بالعطاء .. كما كانت مليئة بالوفاء.. فعندما خطبت هدى لأحمد, كانت لاتحمل الا الشهادة الثانوية, وبعد أن اعتقل أتمت دراستها في معهد رام الله, وكانت الأولى على دفعتها وعينت مدرسة في وكالة الغوث. وبراتبها المحترم ساهمت في مصاريف أسرتها الكبيرة ..إن حياتها الماضية كانت عطاءا من أجل أسرتها.. أما القادمة فستكون من أجل أبناء بلدها. .لم تعد تتمنى الموت بل تتمنى أن يمد الله في عمرها .. حتى تحقق ما تريده.. فبلدتها تحتاج الى جهود الكثيرات من أمثالها.. فهناك دور العجزة والمسنين و الأطفال المعوقين وما أحوجهم لجهودها وجهود غيرها.. من أجل هؤلاء ستحيا هدى.. أما أحمد فيكفيه ما عاناه وليختر غيرها رفيقة للدرب.. ويكفيها أنها كانت بالنسبة إليه حبيبة القلب.

....بعد خروج أحمد بأيام تحدثت هدى الى أحمد قائلة: طبعا لقد علمت ما حل بي.. كم طلبت مني في الماضي أن تفك ارتباطي بك وكنت أرفض.. أما الان فأنا أطالبك بهذا وأنا مصرة على ذلك فمن غير المعقول أن تبدأ حياتك مع زوجة بلا رحم ..وتقضي عمرك بلا أطفال.. ما أقسى أن ترى الدموع في عيون الأسود.. سبعة عشر عاما قضاها أحمد في السجن وذاق ألوان التعذيب .. لم يبك..أما عند كلامها خانته رجولته وأخذ يبكي بصوت عال كالأطفال... وبصعوبة بالغة ..ناجاها أحمد قائلا: يا رفيقة عمري وتوءم حياتي.. هل كنت تظنين أنه بعد سبعة عشر عاما من الأنتظار والتعذيب أنني قادر على الإنجاب؟ لقد كانت الضربات واللكمات تركز على هذا الجزء الحساس من جسدي وكأنهم يقصدون قطع ذريتي .. وقد نجحوا.. وكم من مرة حاولت أن أصارحك بالحقيقة ولكن كنت ترفضين مجرد الإشارة.. أما الان فكل منا أحوج ما يكون الى الأخر من أي وقت مضى.. خذي يدي وهاتي يدك لنسير في الطريق الذي رسمناه.. ومن الغد سنواصل العطاء .................وغدا سنبدأ الحياة..





 

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. سمر زكريا إبراهيم سليم الأغا

اظهر المزيد