مقالات

القدس .. مقدساتها، و أهلها، وأبوابها، وأسوارها، وكتابة التاريخ- محمد سالم


بقلم : محمد سالم الأغا

منذ احتلالها و حتي الآن وقوي العدو الصهيوني ، تقوم بأشرس هجمة استيطانية علي قدسنا وعاصمة دولتنا الفلسطينية، في محاولة لإخضاع الجغرافيا لتاريخ مزعوم، وتحتكر لنفسها تاريخ البلاد بأسره، ولأن القدس تتمركز في وجدان كل فلسطيني، ولأن القدس من أكثر مدن العالم قداسة بعد مكة للعرب و للمسلمين حيث كانوا يولون وجوههم نحو القدس في صلواتهم علي ذلك نحو سبعة عشر شهراً كما يقول تاريخنا الأسلامي، ولأنها كلمة السر التي لا جدال فلسطيني حولها بأنها من أبرز ثوابتنا المعاصرة، وعلي إمتداد التاريخ ، ماضيه وحاضره ومستقبله، وبتوافق الجميع الفلسطيني علي أن تكون قدسنا، عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة القابلة للعيش بسلام مع محيطها وبأيدي أهلها وأولادها، وهم يغزلون مستقبل الحب والسلام علي أرض السلام الذي أرادته إرادة رب السماء، والتي ستنصر شعبنا يوماً بإذن الله .
 


وحتى لا ننسي القدس، ولتظل صورة مجسمة في أعيننا، سأرسم صورة نثرية لها ولأسوارها وأبوابها، كما عرفتها، وكما عرفني بها أبنها وساكنها العم الفاضل الحاج محي الدين الأمام الذي عرفني علية، وعلي غيره من رجالات القدس، أبن العمة الفاضل أبو سفيان الحاج غانم مسعود الأغا، وأذكر منهم الحاج فخري الدقاق، والحاج مصطفي جعفر صاحب أشهر محل للحلويات العربية، رحمهم الله جميعاً، في زيارتي الأولي لها معه في شهر أيلول 1967، وكان "الإمام" رحمه الله يعمل مديراً للآثار الإسلامية بالقدس قبل هزيمة 1967، وقد تجولنا يومها في أسواق القدس الذي يفوح في جنباتها تاريخها قديماً وحديثاً وحاضراً، و قال لنا يومها : أن مدينة القدس عرفت بأسماء عديدة، ذكر لنا منها : يبوس القدس ، بيت المقدس ،إيليا ، أورشالم ، وأن يبوس أقدم أسمائها علي الإطلاق، وأن هذا الاسم أطلق عليها نسبة لليبوسيين الذين ينحدرون من بطون العرب، وأنهم أول من بني مدينة القدس، وهم أول سكانها، وقال أن مدينة القدس، تملك كثافة معمارية نادرة ، وأن وراء كل حجر في هذه المدينة المقدسة حكاية وقصة للأحداث التي جرت علي امتداد أكثر من ثلاثين قرناً ، منذ أن غزاها العبرانيون سنة 1040 ق.م وضربوها بالسيف، وأشعلوا المدينة بالنار، ثم مضي العبرانيون ويقي أبناء البلاد الأصليون، وجاءها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب فاتحاً لها، و وأرسي فيها الثقافة الأسلامية ووطد الحكم العربي الإسلامي فيها وفي كل فلسطين، ثم جاء الصليبيون الذين استغلوا الدين مبرراً لأغراض في نفوسهم، ونفوس ملوكهم، وتحقيقاً لأطماعهم في التوسع، أو التخلص من الثقافة العربية الأسلامية، أو للحيلولة دون صدام الأمراء الأقطاعيين في أوربا ، وشغلهم عن مقاتلة بعضهم البعض بقتال المسلمين، وأنتصر أبناء البلاد مرة أخرى بقيادة القائد العربي صلاح الدين الأيوبي.
 


و قد حدثنا رحمه الله يومها، عن عروبة القدس وفلسطين خلال القرون الماضية ، وأن فلسطين كانت جزء لا يتجزأ من الدولة العربية الأسلامية، وأن أول من أحاط المدينة بسور قبل 2500 قبل الميلاد وقال أنهم اليبوسيون العرب، سكانها الأصليون ، ثم قام داود وسليمان عليهما السلام بترميمه ومده إلي الأحياء الغربية في البلدة القديمة حتي التلال الواقعة شرقي الحرم الشريف، وكان علي السور 60 برجاً, و قد تهدم أجزاء من هذا السور بفعل العوامل الطبيعية التي كانت سائدة في تلك الأيام، لكن القائد العربي الأسلامي الكبير صلاح الدين الأيوبي، أعاد ترميمه، أما السور الحالي فقام السلطان العثماني سليمان القانوني ( 1537 ــ 1541 ) بتجديد السور وعليه 34 برجاً وبه سبعة أبواب.

وقد حدثنا عن بوابات وأبواب المدينة المقدسة التي شيدت أيام حكم السلطان سليمان القانوني، والذي بني أيضاً سوراً داخلياً يحيط بالحرم الشريف، وأقام فيه أيضاً بوابات كانت تفتح عند الفجر وتغلق بعد صلاة العشاء، وقد شاهدناها بأم أعيننا، وهي مازالت في رونقها وجمال فريد وهي من أجمل الآثار المعمارية في المدينة المقدسة، وقد طاف بنا يومها ليعرفنا علي هذه الأبواب المفتوحة أمام حركة الأهالي و زوار مدينة
القدس ، وأول هذه الأبواب هو باب العامود الذي يقع في منتصف الحائط الشمالي لسور القدس تقريباً، وسمي بالعامود، لأنه كان يؤدي إلي طريق متجه نحو سوريا بشكل عمودي ومستقيم، وقال لنا يومها أن سكان القدس كان يلو لهم تسميته بباب النصر لاعتقادهم بأن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، دخل منه عند إعلان وقراءة " العهدة العمرية " علي بطريرك القدس صفرونيوس التي أمنَّ بن الخطاب المسيحيين علي عقيدتهم وأرزاقهم وممتلكاتهم ، مع عدم السماح لليهود بالبقاء فيها مطلقاً بسبب عدم الوثوق بهم، وهناك كتابات فوق الباب وعلي جانبيه تشير الي أن هذا الباب كان يسمي قبل الفتح الإسلامي للقدس بباب القديس أسطفان لاعتقاد سكان القدس في ذلك الزمن أن هذا القديس قد رُجم حتي الموت في هذا الموقع .

ثم اتجهنا الي باب الساهرة أو باب الزاهرة كما يحلو لمواطني القدس بتسمية هذا الباب الذي يقع عي الجانب الشمالي من سور القدس وعلي بعُد نصف كم شرقي باب العامود، ولاحظنا أنه باب بسيط حيث بني ضمن برج مربع ويرجع الي سليمان العثماني، ونوه لنا أنه يعرف عند المسحيين الانجليز " بباب هيرودوس "، وقد شاهدنا الحوانيت والدكاكين التي يرجع عمرها لمئات السنين والتي تمثل الأسواق الشعبية لمدينة القدس، والحقيقة أنك بمرورك من هذه الشوارع ومن بين هذه الحوانيت والدكاكين فأنك تشم رائحة الوطن الفلسطيني، بكل خيراته وبكل مقدساته، ويقفز ألي ذاكرتك وعقلك سريعاً قول الشاعر :



ولي وطن آليت ألا أبيعه .*****.‏ وألا أرى غيري له الدهر مالكا



ثم اتجهنا لنشاهد باب الخليل وهو باب يقع وسط الجانب الغربي لسور القدس ويُفضي الي طريقان واحد الي مدينة يافا علي السحل الفلسطيني والآخر الي مدينة الخليل حيث الحرم الإبراهيمي مقام سيدنا إبراهيم عليه وعلي رسولنا محمد صلي الله عليه وسلم أفضل صلاة وأتم تسليم ، وأفادنا أن هذا الباب أقفل بعد النكبة الفلسطينية 1948، وقد أعيد فتحه بعد احتلال أسرائيل للقدس العربية بعد هزيمة 1967، وقد شاهدنا بالقرب منه " القلعة التركية "

ومررنا بالباب الجديد علي الجانب الشمالي للسور و يقع علي مسافة ( 1000)إلف متر تقريبا غربي باب العمود وهو باب حديث العهد قال لنا العم أبو محمد ألأمام رحمه الله ، أن السلطان عبد الحميد قد بناه بناءاً علي طلب من الطائفة الفر نسيسكانية التي أرادت فتح باب قريب من دير الفرنسيسكان، وكان هذا الباب مغلقاً بعد النكبة الفلسطينية و أعيد فتحة بعد أحتلال أسرائيل للقدس.

ثم اتجهنا الي باب ستنا مريم ويحيط به أسدان منحوتان في كل جانب، ما جعل البعض يسميه باب الأسد، ولاحظنا ما يشبه الخندق بالقرب من المكان فسألنا ما هذا ؟ فقيل لنا أن هذا الخندق حفره القائد الإسلامي الفذ صلاح الدين الأيوبي كترعة مياه لمنع الصليبين من غزو القدس مرة أخري، وقيل لنا أن إسم الله نحت علي طول الخندق تبركاً وحماية للمدينة المقدسة من الطامعين فيها .

وفي الجانب الجنوبي من السور رأينا أقدم أبواب القدس وهو باب المغاربة ويطل علي مدينة سلوان، وقال لنا رحمه الله أن هذا الباب كان يُفتح لتموين المدينة بالمياه .

وقد شاهدنا أضخم الأبواب وأعظمها والذي يشكل المدخل الرئيسي الي منطقة الحرم القدسي الشريف، ويقع في الزاوية الجنوبية الشرقية من القدس والمدخل الشمالي منه يسمي باب التوبة , والمدخل الجنوبي يسمي باب الرحمة ولهذا الباب قداسته عند أصحاب الأديان السماوية كافة لا سيما المسلمين .

كما حدثنا يومها العم أبو محمد الأمام، عن المفتي وهو الاسم الذي أشتهر به المغفور له بإذن الله الحاج أمين الحسيني، وقال: " أنه لم بكن زعيماً لفلسطين فقط بل كان زعيماً عربياً وإسلامياً "، و أكد لنا أن أهل القدس وفلسطين لم يعرفوا عنه، أي تأخير في مناصرة الشعوب المستضعفة، وكان لا يألوا جهداً في توفير المال والسلاح ، والأنفس، وذهب للعراق الشقيق، وشارك في الثورة التي أعلنها رئيس حكومتها " رشيد علي الكيلاني " 1924، وقد قال لن يومها :أن : تشرشل رئيس الحكومة البريطانية في ذلك الوقت قد أعد جائزة مقدارها 25 ألف جنية إسترليني ذهب لمن يأتي بالمفتي حياً أو ميتاً ...!! .

ومن طريف ما عرفته بعد سنوات من زيارتي للقدس وقبل وفاة إبن العمة أبو سفيان رحمه الله، وبقي سراً احتفظنا به لسنوات طويلة، أنه كان يتردد علي مدينة القدس صيف أغسطس وأيلول 1967 ليجتمع مع قائد حركة التحرير الوطني الفلسطيني " فتح " ياسر عرفات رحمه الله، ورجالها الذين أسسوا، وثبتوا القواعد الأرتكازية لقوات العاصفة، قوات حركة التحرير الوطني الفلسطيني " فتح " في الوطن الفلسطيني المحتل، في ذلك الوقت ،وقد كان يفخر رحمه الله بمعرفته برجال الثورة الفلسطينية وأنه كان يعمل معهم بصمت وإنكار للذات، وقد كان رحمه الله أخاً وأباً حنوناً لجيلنا، ولا زلنا نذكره و نترحم عليه وعلي هؤلاء الرجال الذين عرفناهم .

وأخيراً، ستبقي القدس بمقدساتها، و أهلها، وأبوابها، وأسوارها، وحجارتها أكثر مدن العالم قداسة عندنا وعند المسلمين بعد مكة المكرمة, والمدينة المنورة، لأن رسولنا الكريم محمد صلي الله عليه وسلم قال : " تُشد الرحال الى المسجد الأقصي ( أي مدينة القدس ) ، والحرم المكي، ومسجدي هذا ( أي مسجده النبوي بالمدينة المنورة )، ولن نُفرط بها، شاء من شاء وأبي من أبي، وسنبقي نتذكرها ما دام فينا عرق ينبض، وسنذكرها لأبنائنا جيلاً وراء جيل، لأننا لا زلنا نكتب تاريخنا وتاريخها، وسيكرمنا الله بفتحها، وستبقي فاتحة التكوين، وعاصمة فلسطين الأبدية، وفلسطين دائما تنتصر بعون الله وإرادته.


• كاتب وصحفي فلسطيني

لرحلة إفتراضية للمسجد الأقصى  أنقر هنا من فضلك
 

 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. محمد سالم علي حمدان الأغا

اظهر المزيد