مقالات

رحمانيّات ربانية- 34- حساب الله- أ. المنتصربالله حلمي

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

( رحمانيّات ربانية )

( 34 )

حساب الله

‘‘ لا يحاسبنا ولا نحاسبه ’’ !! ؟

الحمد لله وأفضل الصلاة والسلام على سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، ونسأله تعالى أن يتم علينا نعمة التوبة والهدى والأمن والأمان ، أنه هو السميع العليم المجيب .

إن إعمال العقل في الحياة من سمات المؤمن لأنه يخشى الله سبحانه وتعالى ويخافه - وهذا من باب محاسـبة النفس - فيتوجه دائماً إلى الله تعالى بطلب حاجاته ، وليس من العباد ، فيدعوه ويسأله بلسانه وقلبه النظيف الناصع ، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم أوصى أمتّه في أن حفظهم بحفظ ألسنتهم عن أذى الغير ، وأن اللسان هو الذي يكب الناس على وجوههم في النار ، وقليل منّا من أمسكوا أنفسهم عن كبَّ أنفسهم في النار ، وقليل من حاسب نفسه في الدنيا قبل أن يصل إلى حساب يوم القيامة . وأذى الناس قد يبدأ باللسان معنوياً ومن ثمَّ يطور المؤذي أذاه للناس مادياًً ، وهذا ما نراه كثيراً في أيامنا هذه .

والمؤمن يُعْمِل عقله ويستخدمه في الخير ، وليس في هوى النفس الأمّارة بالسوء . وطريق الإيمان والإنابة إلى الله تعالى طريق صعب طالما فيه مجاهدة للنفس وهواها ، ولكن المؤمن يتفكر بأننا ذاهبون إليه تعالى مهما طال العمر ، فالموت سيلاقي كل إنسان وسيأخذ من لم يُعمِل عقله إلى طريق عسير ، فمن عمل خيراً أو أساء فلنفسه ، فإما خيراً يذهب به إلى جنّة عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين ، وإمّا عذاب مقيم في جهنم والعياذ بالله .

من أجل هذا ولأن المؤمن يخشى عذاب الله تعالى وفي نفس الوقت يرجوا رحمته ، فقد اعتاد على التفكّر في سلوكه وفي خلق الله تعالى على كلِّ حال ، ومن ثابر على ذلك فإن الله تعالى يعينه ، وكان الله تعالى سمعه وبصره ويده التي يبطش بها ، والله تعالي يستجيب له:‘‘ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أنِّي لاَ أُضيعُ عَمَلٍ مِنْكُمْ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِن بَعْضٍ ..’’. (آل عمران 195) .

والله سبحانه وتعالى يثيب عباده المخلصين على القليل إذا كان منبعه القلب والإخلاص لله تعالى ، فالله تعالى لا يضيع عنده مثقال ذرة ، ويحاسبنا على فعلنا المادي والمعنوي ، وهو الذي أعطانا العقل والميزان لنعمل عقولنا في ميزانه العادل .

ومن الأعمال القليلة وهي عظيمة وكبيرة في مقاصدها وحصادها ما رُوِيَّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال للسيدة عائشة رضي الله عنها :‘‘ يا عائشة لا تنامي حتى تعملي أربعة أشياء : تختمي القرآن ، وحتى تصلّي عليَّ وعلى الأنبياء من قبلي ، وحتى تجعلي المسلّمين راضين عنك ، وحتى تجعلي حجةً وعمرة . قالت السيدة عائشة : فدخل عليه الصلاة والسلام في الصلاة فبقيتُ على فراشي حتى أتمَّ الصلاة ، فلما أتمها قلت : يا رسول الله فداك أبي وأمي أمرتني بأربعة أشياء لا أقدر في هذه الساعة أن أفعلها ، فتبسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقال : إذا قرأت ( قل هو الله أحد ) ثلاثاً فكأنكِّ ختمت القرآن ، وإذا صليت عليَّ وعلى الأنبياء فقد صرنا لكِِ شفعاء يوم القيامة ، فإذا استغفرت للمؤمنين فكلهم يرضون عنك ، وإذا قلت سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر فقد حججت واعتمرت ’’ . وتلك أربعة من فعلها وحرص عليها - ولا نزكّي على الله أحداً - فإنه قد يُعْمِل عقله في سلوكه مع الناس .

ونورد هنا رواية تبيّن لنا مدى رحمة الله تعالى بعباده إذا أحسنوا الظن به فاستغفروه وتوجهوا إليه بتوبتهم عن المحرمات ، وهي كثيرة -إما سفاهةً أو طمعاً في الدنيا - ومنها أذى الناس والآخرين الذي اعتبره سيّدنا محمد عليه الصلاة والسلام بمثابة الإشراك بالله تعالى :

[ بينما النبي صلّى الله عليه وسلّم في الطواف إذا سمع إعرابياً يقول: يا كريم ، والنبي صلّى الله عليه وسلّم خلفه يقول : يا كريم ، فمضى الأعرابي الى جهة الميزاب وقال : يا كريم ، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم خلفه : يا كريم ، فالتفت الأعرابي الى النبي صلّى الله عليه وسلّم وقال : يا صبيح الوجه , يا رشـيق القد أتهزأ بي لكوني إعرابياً ؟‎ والله لولا صباحة وجهك ورشاقة قدّك لشكوتك الى حبيبي محمّد صلّى الله عليه وسلّم ، فتبسم النبي صلّى الله عليه وسلّم وقال : أما تعرف نبيك يا أخا العرب ؟ قال الأعرابي : لا ، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم : فما إيمانك به ؟ قال : آمنت بنبوته ولم أره وصدقت برسالته ولم القَهُ ، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم : يا أعرابي , اعلم أنّي نبيك في الدنيا وشفيعك في الآخرة فأقبل الأعرابي يقبل يد النبي صلّى الله عليه وسلّم ، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم : مَهْ ، يا أخا العرب لا تفعل بي كما تفعل الأعاجم بملوكها , فإن الله سبحانه وتعالى بعثني لا متكبراً ولا متجبراً , بل بعثني بالحق بشيراً ونذيراً ، فهبط جبريل على النبي صلّى الله عليه وسلّم وقال له : يا محمد ، السلام يقرئك السلام ويخصك بالتحية والإكرام ويقول لك : قل للأعرابي لا يغرّنهُ حِلْمنا ولا كرمنا , فغداً نحاسبه على القليل والكثير والفتيل والقطمير فقال الأعرابي : أوَ يحاسبني ربي يا رسول الله ؟ قال : نعم يحاسبك إن شاء فقال الأعرابي : وعزته وجلاله , إن حاسبني لأحاسبنّه ، فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : وعلى ماذا تحاسب ربّك يا أخا العرب ؟ قال الأعرابي : إن حاسبني ربي على ذنبي حاسبته على مغفرته , وإن حاسبني على معصيتي حاسبته على عفوه وإن حاسبني على بخلي حاسبته على كرمه ، فبكى النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى إبتلّت لحيته ، فهبط جبريل على النبي صلّى الله عليه وسلّم وقال : يا محمد , السلام يقرئك السلام ويقول لك : يا محمد قلّل من بكائك فقد ألهيتَ حملة العرش عن تسبيحهم وقل لأخيك الإعرابي لا يحاسبنا ولا نحاسبه فإنه رفيقك في الجنة ] .

نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن لا يحاسبهم ولا يسألهم ولا يناقشهم الحساب ، لأنه إذا حاسبنا عُذبنا مصداقاً للحديث الشريف عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ‘‘ من حوسب يوم القيامة عُذِّب ’’ ، قالت السيدة عائشة : فقلتُ : يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى :‘‘ فَأمَّـا مَنْ أُوتِيَّ كِتَابَهُ بِيَمِينِه(7)فسوف يُحَاسَـبُ حِسَابَاً يَسِيراً(8)’’(سورة الانشقاق) ، فقال : ‘‘ ليس ذلك الحساب ، إنما ذلك العَرْضُ ، ولكن : من نُوقِشَ الحسابَ يوم القيامة عُذِّب ’’ ، من أجل هذا فإن المؤمن يحاسب نفسه لأنه يخشى ويخاف الله تعالى راجياً رحمته ، أسأل الله تعالى أن نكون ممن يحاسبون أنفسهم في الدنيا حتى لا نُنُاقش الحساب في الآخرة .

أسأل الله تعالى أن يتولانا برحمته وجوده وكرمه والرضا بما قسم لنا والبعد عن الإضرار بالناس وهو ارحم الراحمين ، وأن يرحم أموات وشهداء المسلمين ووالديَّ وأن يجعلهم في الفردوس الأعلى مع عباده المخلَصين وحَسُنَ أولئك رفيقاً ، وأن يرحم ويغفر لمن كان سبباً وساعد في نشر هذه الرحمانيّات الربّانية ، اللهمَّ آمين ، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين .

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. المنتصر بالله حلمي أحمد الأغا

اظهر المزيد