مقالات

وداعاً " أيقونة" فلسطين فدوى طوقان

 

وداعاً " أيقونة" فلسطين فدوى طوقان
بقلم د/ يحيى زكريا الأغا
المستشار الثقافي لسفارة دولة فلسطين


"أسيدة الشعر، يخجلني القول، بعدك كل حديث سـراب"
"أنت كأرض فلسطين تزكو وتطفح خيراً وعطراً مُذاب"
صمت الكلام أمام رائدة من روّاد الحركة الشعرية "النسائية" في فلسطين، ورمزٍ من رموز نهضتها الأدبية المعاصرة، بعد أن غيبها سهم الموت عن مسرح الحياة الشعرية، بعد عمرٍ ممتد من تسعين خريفاً، عاشتها وحيدة فوق نصال الوجْد القاسية، وقسوة الاحتلال الإسرائيلي، فأصبحت "رهين المحبسين" لتنثر على مدائن فلسطين والوطن العربي صوتاً مكبلاً من قسوة القريب، وحقد السجان، ثم تتحول قصائدها إلى ثورة، وصرخة، وبركان، ولظى، فأرهبت كلماتها رصاصات الحقد التي تغتال الفلسطيني كلما صرخ بقصائدها، أو ترسم خطى كلماتها نضالاً وثورة، فمنع الاحتلال نشر أو طبع أو صدور أي ديوان من دواوينها، ليغتال الحرية في قصائدها، كما يغتال الإنسان الفلسطيني على الأرض الفلسطينية.
عندما عزمت على زيارتها، من أجل أن يقتدي أبنائي بواحدة من رموز العطاء الذي لا ينضب،  رحبت بي وعائلتي كما رحبت بوالدي" رحمه الله" عندما شق طريقه إليها ليسلمها رسالة مني قبل عشرين عاماً بخصوص رسالة الماجستير التي نلتها عام 1986 في بنائية الصورة الشعرية في شعرها، وأثناء الزيارة طبعت قبلات حانية على وجنات أبنائي، ما زلت أحتفظ بها على وجناتهم، لأعيش من خلالها لحظات من التواصل الفكري لصاحبة الذوق الرفيع في الأدب، ولتكون لي محفزاً على دراسة شاعريتها بين الحين والآخر.
هي الأقدار غيّبت هذا العام من حياتي شخصان( يس الشريف- وفدوى طوقان) لكنها لم تغيبهما فكراً وأدباً وشعراً ومنهجاً وعطاءً وإخلاصاً، ووفاءً ووطنية، وما أن تواتر لمسمعي نعي الرئيس ياسر عرفات لها، حتى أصبت بصدمة كبيرة، لم يوقظني منها إلا حقيقة الموت على كل كائن حي، وما نحن إلا سفينة عبر هذه الأنواء نعبر لنصل إلى نهاية المطاف.
صعدت روحها إلى بارئها، وعاد الجسد إلى أصله، لكن فكرها وعطاؤها، وشعرها مازال يشق طريقه إلى القلوب والعقول، ومازالت الدراسات حول شعرها تأخذ أشكالاً متنوعة، فشاعرة في مثل عطائها الذي يضم ( وحدي مع الأيام، وجدتها، أمام الباب المغلق، وعلى قمة الدنيا وحيداً، والليل والفرسان، وقصائد سياسية، وتموز والشيء الأخر) لابد وأن يحظى بالعديد من الدراسات والاهتمامات لدى معظم الباحثين والنقاد، ولهذا حظيت بدراسات متفردة غير مسبوقة.
لم تكن دراستي للماجستير في شعرها، إلا جزءاً من الوفاء لهذه الشاعرة التي ملأت الزمان والمكان بشعر وجداني غير مسبوق، وشعر وطني كان محفزاً للنضال، وشعرٍ قومي يُزكي روح التضامن والأخوة مع الشعوب العربية، وشعرٍ إنساني يسمو بمفرداته وتراكيبه على أي لغة في عصره.
لم تكن النكبة عام 1948 إلا محطة من محطات الألم في شعرها، ورغم أنها لم تكتب في هذا الموضع إلا قليلاً ، إلا أن ما قالته كان يعكس حالة اليأس التي أصابتها، واستقت من ألمها ماءً مالحاً، فتحولت لغتها إلى مرار، ثم جاءت النكسة، فألقتها في بئرٍ سحيق مظلم، لم تفق منه إلا على رصاصات مدوية في وجه الغدر، فتحولت الشاعرة إلى شجرة زيتون ضاربة في أعماق الوطن، ونهضت من كبوتها، لتصبح كالعنقاء، وأنارت كلماتها درب الفدائيين لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
فدوى طوقان، شاعرة العطاء اللامحدود، أسهمت بنهضة الشعر الفلسطيني، فألبسته حُلّة جديدة لم يكن يعرفها شعراء وشاعرات عصرها، فأصبحت الشاعرات يترسمن خطاها سواء في فكرها، أم في كتابة سيرهم الذاتية كما فعلت عندما كتبت سيرتها بعنوان" رحلة جبلية ...رحلة صعبة" وكذلك" الرحلة الأصعب" .
تفتقت شاعريتها في سن مبكرة، ونشرت لها كبريات الصحف العربية والمحلية في فلسطين، وقد تفردت مجلة "الرسالة" بنشر العديد من قصائدها، وتعرّف إليها العديد من الأدباء والنقاد، ونالت مديح العديد من الشعراء الكبار أمثال " عبد الكريم الكرمي" الذي وصفها بكلمات مازالت تصدع في ذاكرة الزمن بأنه" ... سيكون لهذه الشاعرة شأن كبير.....".
تأثرت الشاعرة بشقيقها ومعلمها " إبراهيم طوقان" وعلى الرغم من أن الموت عرف طريقه إليها مبكراً، وصعقها في إبراهيم، وكذلك شقيقها " نمر"، ومربيتها، إلا أنه كان محفزاً لها لمواصلة رحلة العطاء الذي لا ينضب.
كرمها العديد من الزعماء العرب، ومنهم الرئيس ياسر عرفات وكثير من المؤسسات العلمية الخاصة، ولكن التكريم الحقيقى للشاعرة يكمن في العديد من الدراسات الأدبية في شعرها، وتناول العديد من المفكرين منهجها ودواوينها، لتستحق عن جدارة كل تقدير، ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر" الدكاترة إحسان عبّاس، وعز الدين إسماعيل، وغالي شكري، ونازك الملائكة،ز محمد النويهي، وصالح أبو أصبع، بنت الشاطئ، وعبد العزيز شرف، وحسن توفيق ويحيى الأغا، وهاشم منّاع، ومحمود السمرة، والأساتذة:  وعبد المحسن الحكيم، وإلياس قنصل، وإبراهيم خليل، وأسامة فوزي، وإبراهيم العريض، وشوقي بغدادي، إضافة إلى تسابق مؤسسات النشر بطباعة دواوينها الشعرية.
رحيل الشاعرة يمثل خسارة كبيرة للأدب العربي الفلسطيني، ولكن عزاؤنا في الشاعرة يرتكز على وفائنا لها .
فدوى طوقان، يا شاعرة الحب والثورة، يا رمز العطاء والنضال، رحلتٍ ورحلت معك أسمى لغة تفاعلتِ معها منذ نعومة أظافرك، إنها لغة الحب.
فدوى شاعرة الثورة، اغتالتك رياح الموت، ولكن شعرك الثوري سيبقى ملهماً للثوار إلى أن يتحقق لفلسطين الوعد الذي طالما حلمنا به.
يا شاعرة النيل، وشاعرة الأرز، والرافدين، والمغرب العربي، وشاعرة العرب، ماذا سيقول اليوم محبيك؟ بماذا سيرثيك الأدباء والنقّاد والشعراء؟ ماذا ستكتب عنك الصحف والمجلات لفترات طويلة؟
إن أي كتابة اليوم ستكون قاصرة مقابل مجموعاتك الشعرية  التي صدرت منذ أكثر من ستين عاماً، وستبقى فدوى خالدة بشعرها وأدبها .
رحم الله شاعرة فلسطين والوطن العربي، واسكنها فسيح جناته، وألهم اهلها وذويها ومحبيها الصبر والسلون. إن لله وإن إليه راجعون.

وأخص في هذا المقام صحيفة( الراية) بإحدى رسائلها لي، وتتضمن جزءاً من معاناتها  مع الاحتلال الإسرائيلي، إضافة إلى العديد من القصائد التي أرسلتها لي، وسأحاول بإذن الله أن أصدّر كتاباً بعنوان ( قصائد مجهولة في الشعر العربي الفلسطيني).


 

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الدكتور يحيى زكريا إسعيد حمدان الأغا

اظهر المزيد