مقالات

فسبح بحمد ربك واستغفره- جواد سليم

فسبح بحمد ربك واستغفره

جواد سليم إبراهيم سليم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) صدق الله العظيم.

 في الحقيقة أنني قد بدأت بكتابة هذا المقال المتعلق بمرحلة ما بعد النصر في المعركة وبعض النقاط الخاصة بسلوك المنتصر بدأت بكتابته مباشرة بعد مقالي الأول والمؤرخ بتاريخ 18-11-2012 حيث كانت إرهاصات الانتصار بادية بجلاء بين ثنايا البأساء والضراء التي تعرض لها شعبنا المجاهد في غزة. كنت أري النصر والغلبة للمقاومة في لحظات الزلزلة وذلك إيماناً مني بالله القوي المقتدر، ويقيناً بسننه الثابتة، ثقةً بمجاهدينا وإخلاصهم وقدراتهم، وكذلك إيماناً بصمود شعبنا الصابر المقدام المحتسب... وها نحن الآن ونحن نعيش لحظات نشوة الانتصار بعد تراجع العدو وانكفاءه ورضوخه. نقول أن ما تحقق بإذن الله له ما بعده وسيكون لغزة ومجاهديها كلمتها. إن ما تحقق يلقي بتبعاته وسيسهم بإذن الله في تشكيل ملامح المرحلة المقبلة لذا فقد ارتأيت في هذه الإطلالة السريعة أن أتطرق لمرحلة ما بعد النصر مع التركيز على سلوك المنتصر.

فبعد الفتح الأكبر والنصر المبين الذي من الله به على المسلمين يوم فتح مكة حيث هدمت أصنام الجاهلية التي تعبد من دون الله ودخل الناس في الدين القويم أفواجا. في تلك اللحظة التاريخية العظيمة دخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة على دابته مطأطئاً رأسه تواضعاً لله حتى يقال أن ذقنه الشريفة قد مست ظهر راحلته تخشعًا لله. دخل صلى الله عليه وسلم ولسانه يلهج بالتسبيح والحمد والاستغفار.... يا الله ما أعظمه من مشهد مهيب وما أسماها من مشاعر وما أعلاه من سلوك.... صلى الله على محمد وعلى اله وصحبه وسلم.

إننا مأمورون بالاستغفار والتسبيح في حالات النصر والعزة وهذا ما بينته سورة النصر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) صدق الله العظيم.

لماذا نستغفر الله في هذا الموضع العظيم؟؟؟ قد نتفهم التسبيح والحمد والتكبير لكن لماذا الاستغفار؟؟ من الواجب على المسلم المنتصر أن يستغفر كي يعبر عن تقصيره الدائم في جنب الله. يستغفر كي يغفر الله له ما قد يكون تسلل إلى نفسه من زهو بنفسه وبقدرته بعد ما تحقق من نصر بعد طول عناء.... يستغفر من أي خاطر كان قد ساور قلب المجاهد أثناء المعركة من استبطاء النصر... هذا الشعور يدفع المنتصر للتعامل بتواضع أكثر وأدب أكبر ويتذكر دوره وهدفه من المعركة فيبيت أكثر قرباً من الله وأشد صله به...

 كذلك فهناك جملة من النقاط التي أود أن أنوه إليها في هذا السياق على جناح السرعة:

  • النصر المرحلي للمقاومة في غزة والذي تحقق بفضل الله وما ترتب عليه من تمكين نسبي يدفعنا أيضاً إلى النظر في واجبات من من الله عليهم بالتمكين، حيث يقول الحق تبارك وتعالى (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ).
  • ما تحقق في حرب الأيام الثمانية الأسطورية يلقي على كاهل المقاومة عبئاً كبيراً ثقيلاً ألا وهو عبء الاستمرار في الإعداد للمعركة القادمة القريبة والتي ستكون لا محالة أشد وطئاً وأحمى وطيساً. فكما استثمرت المقاومة السنوات الماضية في الإعداد الذي أثمر وأينع عزاً وكرامة فإنه من الحري بها التوكل على الله والاستمرار في الإعداد بوتيرة أعلى.
  • ما تحقق يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن العمل السياسي غير المستند على مقاومة وإعداد وتجهيز هو عمل عبثي لا قيمة له، فالعالم لا يسمع إلا صوت الأقوياء، والجماهير لا تنتظر إذناً من أحد للتحرك والصمود والجهاد.
  • الإنجاز الذي تحقق يحتم علينا العمل الجاد والدؤوب لتحقيق الوحدة الحقيقية وحدة المقاومة ووحدة الهدف ووحدة الرؤية ووحدة الجهاد ووحدة الدم... فهناك إجماع كامل على خيار المقاومة وإجماع كامل على رفض الذل والهوان فمن استمتع بشراب العز من الصعب عليه تجرع علقم الذل ثانية.
  • من السهل على من حقق الإعجاز في ميدان الوغى أن يدير معركة البناء والإعمار ويطور من أداءه المدني الحياتي الإداري على الأرض - وهذا موجه للحكومة بغزة - فيتوجب أن يتم تقييم المراحل السابقة وتجاوز ما قد يكون اكتنف الأداء من سلبيات وثغرات من الطبيعي وجودها في أي عمل بشري.
  • ما تحقق يحتم رد الجميل للشعب الذي صمد ووقف، فالشعب هو من حمى المقاومة وكان لها نعم الداعم على عكس الجبهة الداخلية الإسرائيلية التي شكلت الخاصرة الضعيفة في المعركة وهي التي عجلت في رضوخ العدو للمقاومة وشروطها، بينما كان صمود المواطن الفلسطيني هو نقطة القوة التي اتكأت عليها المقاومة لتواصل. لذا فمن الضروري أن يرتقى التعامل مع المواطنين ولا ضير من أن يبالغ القائمون على الشأن العام في تكريم أبناء الشعب واحترامهم أكثر وأكثر.
  • المطلوب أيضاً هو العمل الجاد والفوري والسريع لإعادة الإعمار وتعويض المتضررين وإصلاح ما دمرته آلة الحرب الهمجية فهذا يعزز مقومات الصمود.
  • مطلوب من الجهات الرسمية المسئولة أن تعمل على التجهيز لتعبئة الجماهير وإعدادهم للمعارك والملاحم المقبلة والتحضير النفسي بدءاً من الأطفال في مراحلهم العمرية الأولى، فيتوجب غرس عقيدة الجهاد وعقيدة النصر وعقيدة العزة بحيث يشب الطفل مؤمناً بأننا قادرون وأننا بإذن الله منتصرون على بيت العنكبوت.
  • ما تحقق من صمود للمقاومة يحتم التعالي على الصغائر والعلو عن سفاسف الأمور التركيز الحقيقي على عظائم الأمور. فالأفعال قالت كلمتها وصوت العمل والإنجاز أعلى وأصدع من صوت الأقوال، والكبير ظهر وتعملق وقت الشدة ولا داعي لما دون ذلك.

 في النهاية أحمد الله عز وجل على هذا الإنجاز فقد انتصرت غزة وستنتصر فلسطين وستتحرر بإذن الله وسنعود إلى حيفا وصفد ويافا وسنصلي في القدس قريباً بإذن الله....

الرحمة للشهداء جميعا وعلى رأسهم الشهيد الجعبري ملهم المقاومة والشفاء العاجل للجرحى والتحرير الشامل للأسرى....

(قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الدكتور جواد سليم إبراهيم سليم الأغا

اظهر المزيد