مقالات

ضريح مولانا محمد علي الهندي في الأقصى بقلم: أ. خالد أحمد الأغا

بسم الله الرحمن الرحيم

وُلد مولانا محمد علي الهندي عام 1870م في الهند ودرس فيها، ثم أكمل تحصيله العلمي في جامعة أكسفورد في بريطانيا، وحصل منها على درجة الماجستير(إدارة الأعمال)، وعندما رجع إلى الهند أصدر جريدة باللغة الإنجليزية تدعى(الصاحب)، وقد أغلقتها الحكومة البريطانية في  الحرب العالمية الأولى، وقامت بإعتقاله بسبب تدخله في الشئون السياسية. وبعد أنّ وضعت الحرب أوزارها، قام الزعيم الهندي بتأسيس جمعية الخلافة مع جماعة من زعماء الهنود حيث كانت لهم اهتمامات واضحة بالخلافة بعد سقوط الدولة العثمانية.

كان الزعيم الهندي صديقاً حميماً لمفتي القدس وفلسطين الحاج أمين الحسيني، وقد توثقت عُرى الصداقة بينهما عندما سافر مفتي القدس على رأس وفد لجمع التبرعات لإعمار الحرم الشريف والمسجد الأقصى المبارك عام 1924م. وتبرع المسلمون بمبالغ جيدة وكان الزعيم الهندي يُصدر النداءات لإخوانه المسلمين في الهند ببذل الغالي والنفيس في سبيل دعم إعمار المسجد الأقصى. وعندما حصلت الحوادث بين العرب واليهود حول مسألة البراق الشريف عام 1928م جاء الزعيم الهندي لرؤية الانتهاكات الصهيونية عن كثب ، وكذلك لحضور المؤتمر الإسلامي الذي دعا إليه مفتي القدس عام 1928م للدفاع عن البراق الشريف، وأُقيم له حفلٌ عظيم حيث ألقى خطاباً في الجماهير المحتشدة، ذكر فيه قدسية حائط البراق الشريف والمسجد الأقصى المبارك في عيون ملايين المسلمين في الهند.

أعضاء الوفود التي حضرت المؤتمر الإسلامي العام خلال حفل تكريم أقامه لهم الوطني الفلسطيني يوسف الدجاني في داره بمدينة يافا في ديسمبر (كانون الأول) ١٩٣١.

www.eltaher.org


من اليمين إلى اليسار يمكن مشاهدة الزعيم الفلسطيني موسى كاظم باشا الحسيني، الشيخ أبو الوفا التفتزاني من مصر، مولانا شوكت علي أحد مشاهير علماء الهند المسلمين، الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين، محمدعلي الطاهر، عبدالقهّار مذّكر من أندونيسيا، العلاّمة الإمام محمد رشيد رضا من طرابلس لبنان، عبدالحميد سعيد رئيس جمعية الشبان المسلمين في مصر.

رجع مولانا إلى الهند عن طريق بغدادونشر مقالات في الهند عن رحلته لفلسطين وعن الصعوبات التي تعرض لها قبل وصوله إليها، وحثّ إخوانه المسلمين على عقد المؤتمرات للدفاع عن المسجد الأقصى المبارك، فعقد المسلمون الهنود عدّة مؤتمرات بشأن المسجد الأقصى المبارك.

www.eltaher.org

 

يظهر في الصورة حسب الأرقام المدونة:
1- مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني
٢- الزعيم الفلسطيني موسى كاظم باشا الحسيني
٣- محمد علي علوبة باشا من مصر – خلفه مولانا شوكت علي ، من كبار العلماء المسلمين في الهند معتمراَ لباس رأس مميز بين مسلمي الهند
٤- محمد زبارة، مندوب إمام اليمن يحي بن حميد الدين
٥- بشير السعداوي
٦ من ليبيا- حمد باشا بن جازي، أمير قبائل الحويطات في الأردن وجزيرة العرب
٧- الشيخ نعمان الأعظمي من العراق
٨- الشيخ محمد عبد اللطيف دراز، عميد جامعة الأزهر في مصر
٩- رؤوف باشا
١٠- الشيخ مصطفى الغلاييني، من بيروت
١١- الشيخ عبد الوهاب النجار وخلفه دون رقم الوطني الفلسطيني إسعاف النشاشيبي
١٢- الشيخ ابراهيم اطفيش من الجزائر
١٣- محمد طارق
١٤- العلاّمة الإمام محمد رشيد رضا، من طرابلس، لبنان
١٥- محمد علي الطاهر
١٦- عبدالقهّار مذّكر من أندونيسيا
١٧- الشيخ محمد تفّاحة
١٨- الشيخ سعيد الخطيب
١٩- الحاج مصطفى رجب من مصر
٢٠- حامد المليجي مندوب جريدة البلاغ من القاهرة

وتوفي الزعيم الهندي في لندن بتاريخ 5/1/1931م وصلى عليه المسلمون في جامع ووكننغ في لندن، وأراد أخوه شوكت علي أن يُرسل جثمانه إلى مسقط رأسه ليدفنه هناك، ولكن مفتي القدس بعث برقية إلى أخيه طلب فيها أن يُدفن زعيم الهنود في باحة المسجد الأقصى المبارك ؛ نظراً لما قام به من خدمات في سبيل الإسلام بصورة عامة وفلسطين بصورة خاصة. وكان قصد الحاج أمين الحسيني من ذلك توحيد الفكرة الإسلامية وتوجيه أنظار العالم الإسلامي عموماً والهند خصوصاً إلى المسجد الأقصى المبارك.

عارض اليهود دفنه في فلسطين لأنّ ذلك سيُشجع الهنود المسلمين على زيادة نسبة الزوار إلى فلسطين،كما غضب الصهاينة على الفلسطيينين أيضاً لأنهم خافوا أنّ يصبح المسجد الأقصى المبارك مقبرة لعظماء المسلمين في العالم؛ لذك اقترح الزعيم الصهيوني المليونير روتشلد في مقابلته مع المندوب السامي بتاريخ 5/5/1931م طرد عرب فلسطين شرقي الأردن، وقد رفض المندوب السامي ذلك الطلب.

وكان جثمان الفقيد قد وصل القاهرة في طريقه إلى القدس. وقد توقفت الأعمال في فلسطين يوم إيواء جثمان الفقيد وتم الدفن بتاريخ 4/1/1931م ، يوم الجمعة الموافق 5/ رمضان / 1349 ه. في باحة المسجد الأقصى. وقد سار في موكب الجنازة نحو مئة ألف من المشيعيين وأُقيم حفل تأبين للراحل الكبير تحدث فيه عدد من الشخصيات العالمية في القدس والقاهرة.

ويرقد في باحة المسجد الأقصى بالقرب من ضريح مولانا محمد علي: الزعيم الفلسطيني أحمد حلمي عبد الباقي، وزعيم فلسطين المرحوم موسى كاظم الحسيني، والشهيد عبد القادر موسى الحسيني بطل معركة القسطل، والشهيد فيصل عبد القادر الحسيني أمير القدس، والمرحوم الحاج عبد الحميد شومان مؤسس البنك العربي، والمرحوم الشريف حسين بن علي زعيم الثورة العربية الكبرى، والذي يزور المسجد الأقصى المبارك يرى أضرحة هؤلاء الزعماء الذين لعبوا دوراً فعالاً في مسيرة تاريخ فلسطين الحديث. ويُذكر أن أحد أحفاد الزعيم الهندي المجاهد وهو السفير ذكر الرحمن محمد علي، عمل سفيراً للهند لدى السلطة الوطنية الفلسطينية 2007 م.


الزاوية الهندية

ظهرت فكرة الزاوية الهندية-التي هي عبارة عن جامع للصلاة وبيت للضيافة يفد إليه الهنود عند زيارتهم للقدس قبل الذهاب للحج أو بعده- منذ سبعمئة عام. حيث أنشأها الشيخ بابا فريد شكر كنج من الهند، وأقام في غرفة مجاورة لإحدى المساجد في مدخل باب الزاهرة داخل القدس القديمة، إلّا أنه وبعد انتهاء زيارته التي استمرت أربعين يوماً، أصبحت هذه الرقعة تُعرف بالزاوية الفريدية نسبة إليه، وأصبحت أيضاً مهبطاً  للحجاج والزوار الهنود الذين قام بعضهم بالتبرع بشراء العقارات والأراضي في القدس وضمها لوقف الزاوية التي ازدهرت واشتهرت وتمددت كمعلم تاريخيمن معالم القدس وأصبحت في يومنا هذا بمساحة 7 دونم.

وبعد انتهاء الحكم العثماني للبلاد وبدء الانتداب البريطاني عام 1917موقيام المجلس الإسلامي الأعلى برئاسة الحاج أمين الحسيني، تم إرسال وفد من مدينة القدس مبعوثًا من طرف المجلس إلى الهندعام 1922م بهدف جمع التبرعات لإعمار المسجد الأقصى. وخلال لقاءات الوفد في الهند أُثير موضوع الزاوية الهندية لترشيح شخص من قِبل الزعماء الهنود للقدوم إلى القدس وتسلّم إدارة الزاوية ورعايتها.وبعد ذلك وقع الاختيار على الشيخ ناظر حسن الأنصاري (عضو حزب الرابطة الإسلامية)، وكان وصوله عام 1924م، وأصبح يُعرف بشيخ زاوية الهنود ومتولي أوقافها في مدينة القدس وغزّة،وفي عام 1951م توفي الشيخ ناظر وبحكم التولية للابن الأكبر حلّ الشيخ محمد منير مكانه في ظل ظروف صعبة وقاهرة واصل فيها إشرافه على الزاوية.


وبعد استقرار المنطقة فترة ما بعد الحرب وخضوع القدس للإدارة الأردنية ، ابتدأ الزوار بالزيارة وأصبحت تعج بالوافدين الهنود، ولكن في السابع من حزيران عام 1967م احتل الجيش الإسرائيلي البلدة القديمة وسقطت 25 قذيفة، ودُمر قسم كبير من الزاوية الهندية، واستُشهد ثلاث أفراد من عائلة الشيخ الأنصاري تحت أنقاض الردم.

تعاونت الزاوية مع مدرسة رياض الأقصى من أجل اثبات التواجد الفلسطيني في عمق القدس وذلك من عام 1972م حتّى 2004 م حيث اتخدت المدرسة مقراً لها في الزاوية إبان تلك الفترة.

وتكمن أهمية الزاوية بأنّها كانت مقرّاً يتوافد عليه السفراء والوزاء الهنود ويلتقون القيادات الفلسطينية، وقد كانت من الأماكن المحببة للشهيد فيصل الحسيني حيث أحبّ الاجتماع فيها.


بكلمة أخيرة لخّص الشيخ الأنصاري تجربته الإنسانية قائلاً:
" جذوري الهندية حيث تتجلى روحانية الشرق، ومولدي وإقامتي في القدس حيث مهد الأديان السماوية الثلاث هبتان عظيمتان من الله"

المصادر:

  • جريدة الشرق الأوسط، عدد 8646 ، 31 يوليو 2002.
  • جبارة تيسير (1998)، المسلمون الهنود والقضية الفلسطينية، دار الشروق للنشر والتوزيع.
  • مدونة الكاتبة ربا عنبتاوي
  • www.eltaher.org

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على أ. خالد أحمد خالد نعمات خالد الأغا

اظهر المزيد