مقالات

قصة الحمامة واليوم الموعود- بقلم أ. سماح عبد القادر الأغا

صباح الخير
تلك هي الكلمات التي أبدأ بها يومي كل صباح؛ حيث تأتي أمي لإيقاظي أنا وأخوتي لكي نبدأ يومنا الشاق. لم تكن أمي كبيرة في السن فقد كانت في العقد الاربعين من العمر، فقد مات والدي ونحن أطفال وهي من تكفلت بتربيتنا الي أن وصلنا لهذا العمر، عندما كبرت واشتدت بُنيتي قررت ان أتولي عنها المسؤولية لكي أعطيها الوقت لترتاح.

لقد جاء اليوم التالي وكانت هناك ابتسامة كبيرة تملأ وجهي ...أمي انظري إلي لقد بلغت الخامسة عشر من العمر، لقد كبرت يا أمي واصبحت رجلاً، وسأحمل عنك المسؤولية لكي ترتاحي يا أمي.

كانت عائلة ام محمد فقيرة جداً، لا تملك شيء سوي قوتهم اليومي الذي كانت تحصل عليه والدتهم، واليوم سوف يحضره لهم أبنهم الاكبر محمد الذي بلغ الخامسة عشر في اليوم السابق، لقد كان محمد الاخ الاكبر لأخوين أحدهما يبلغ الثالثة  والاخر لم يبلغ  بعد سن الحادية عشر. لقد قررت التنازل عن حلمه الذي هو حلم كل طفل "بان يكمل دراسته ويعود الي المنزل ليتناول طعامه ويراجع دروسه .. لم يعد هذا حلمي؛ لقد تغير واصبح ...ماهي الطريقة التي بها سأحصل علي الطعام واعود بها لأخوتي و أمي، ومنذ ذلك اليوم وأنا أستيقظ علي صوت أمي.

صباح الخير يا ولدي ..هيا لقد بزغ الفجر اخرج لتعود بما قسمه الله لنا بهذا اليوم، يقول محمد:لقد كنت أخرج في الصباح الباكر ومن قبل طلوع الشمس وحتي المغيب أتجول في شوارع قريتنا أو بالقري المجاورة، أحياناً كنت أعود ومعي ما قسمه الله لي ولأخوتي، وأحياناً أعود كما خرجت !فيكون في استقبالي حزن أمي ودموع أخوتي الذين ينتظروني لكي يسكتوا ألم الجوع.

ولكن ما باليد من حيله؟فننام هذه الليلة كمعظم الليالي دون طعام ولا شراب، وننتظر اليوم التالي لكي أخرج فيه، لعل وعسي هذا اليوم يكون خيراً مما مضي، تبقي أمي بجانب أخوتي تسكتهم الي أن تغفي عيونهم.

ولكن محمد لم يعد ينتظر سكوت أنين وبكاء اخوته ولا هدوء المساء لكي ينام، فقد نام منذ ساعات مضت. لقد كان بالفعل يوماً شاقاً عليه وتعب من السير طويلاً .لقد خيم الظلام ونام محمد ونامت معه أحلامه التي طالما وضعها أمام عينيه ولكن دون جدوي في تحقيقها، ونامت أم محمد ودموعها في عينيها حزينة مره علي حال اولادها وأخري علي فراق زوجها لهم وهم في أمس الحاجة إليه.

استمر عليهم هذا الحال لفتره طويلة ..وبكل يوم يخرج محمد كالباقي الايام ؛ يعودا فرحاً مرة وحزيناً مرة اخري ..حل فجر جديد واستيقظت ام محمد كأي يوم مضي استيقظت والعديد من التساؤلات تجول بعقلها.. ما هذا الصوت المزعج ؟    ماذا يحدث ؟لقد استيقظت علي اصوت الدبابات واطلاق النيران واصوات تعلو في الاجواء هنا وهنا ..واخيرا عرفت اجابة التساؤلات التي حار فكرها بسببها..نعم؛؛ انه الاحتلال ؛ انهم الصهاينة ؛ انهم اعداء الله؛؛ لقد احتلوا القرية, واصواتهم تعلوا بالمكان تنادي علي من هم فوق العشرين عاماً بالتجمع في مكان قريب منهم ....

انزعجت ام محمد لذلك وقد حزنت وبكت، ولكن وسط ذلك الشعور الممزوج بالألم والحصرة خرجت إبتسامة صغيرة من أجل أطفالها، لتشعرهم أنهم ما زالوا جميعا بخير، وسوف تكون الأمور بخير.

لقد مر اليوم الأول والثاني والثالث ومازال الحال كما هو، ولم يعد لديهم لا طعام ولا شراب في المنزل، وقد بدأ بكاء الاطفال جوعاً وألماً، والأم لا تملك شيء سوي انها تروي لهم قصص خيالية وتلهيهم الي ان تغفي عيونهم وينامون جوعاً، تنام الأطفال ويذهبون الي عالمهم البريء المليء  بالأمن، عالم رسمه لهم خيالهم لينسيهم مرارة الواقع.

استمر هذا الحال الي اسابيع ولم يعد الأمر يطاق، فلا محمد ولا أمه قادرين أن يستكوا أنين أطفالهم والقرية مازالت محاصرة ويمنع أي شخص من الخروج أو التواجد بالشوارع من أجل أن تستغيث به أم محمد من اجل اولادها. .. لقد حل الظلام وبدأ شبح الليل يخيم علي عائلة أم محمد، ولكن ما بال محمد هذه الليلة انه دائم التفكير والإنشغال بعالم أخر، ماذا يحدث يا محمد؟؟
أمي ... سوف اخرج غداً لأقوم بما كنت اقوم به بالسابق ولعلي أعود بشيء من أجلكم، هذا ما كان يفكر به محمد وقد حسم الأمر بذلك وقرر الخروج في الصباح.

لقد حل الصباح وجاء اليوم المنتظر عند محمد, كانت أمه خائفة جدا علي قرة عينيها ولكن لم يكن هناك أمر أخر تقوم به خرج ولسان حالها يدعو له وتدعو الله بان يرجع لها ابنها سالما من كل شر.

خرج محمد وصار بالشارع ولكن يا لجمال ماهناك، انها حمامة بيضاء ترفرف فوق محمد وتسير معه، تفاءل محمد بيومه لعلها تحمل بشري ساره بهذا اليوم ... أخد محمد يتجول هنا وهناك باحثا عن شيء لأخوته او لعله يقابل احدا يطلب منه المساعدة, لقد قارب اليوم علي الإنتهاء وبقي الساعات القليلة ليحل المساء ومحمد خائب لم يحصل علي شيء الي الان ..ماذا يحدث؟
أين اختفت تلك البشر، يعقل انهم ماتوا جميعا ؛هذا ما يجول في فكر محمد!!
لقد حل المساء وجاء موعد رجوع محمد الي المنزل، يعود ولا يحمل شيء ولكن هل سينهي محمد يومه كما بدأه في الصباح بالتفائل والأمل، وأين تلك الحمامة التي كانت ترفرف فوق رأسه وأوهمته بالصباح الجميل..

عودي أيتها الحمامة واخبريني اين البشري التي تحملينها، سوف تعود يا محمد ولكن بعد قليل فلا تستعجل الأمر. لم يعد يفصله سوي شارع واحد عن قريته التي يقيم بها حيث انه علي بعد خطوات من الحاجز الاسرائيلي القريب من منزلهم، لم تكن تلك الوجوه هي نفسها التي رأها صباحاً، لقد تغيرت ملامحها.. لقد تم تغير الدورية الموجودة علي الحاجز وجاءت أخري، أوقف أحدهم محمد وكأنه يريد أن يتسلى هو ورفاقه لبعض من الوقت، هم يفعلون ذلك وام محمد تنتظر ابنها علي أحر من الجمر وتترقب عودته لعله يلمع كالنجمة من وسط الغيوم!!!

أخذ الجنود يستهزئون من محمد ومن جسمه النحيل ومن سمات وجهه الطفولية التي تمتزج بقسوة الحياة ومراراتها، وهو صامت, خائف، حزين جداً، ولكن لم يقدر علي فعل شيء ... استمروا في استهزائهم وضحكاتهم تعلو...وتعلو... قال أحدهم: لماذا لا نجرده ملابسه لكي تكتمل فرحتنا ونري جسمه النحيل!! بالفعل فعلوا ذلك وتعالت ضحكاتهم، ولكن محمد ابتسم ابتسامه خجلة، ماذا يا محمد هل تشاركهم استهزائهم اما لماذا تلك الابتسامة؟ لا .. لم يشاركهم ؛ ولكنه قد رأي الحمامة في السماء.. ويقول في نفسه
نعم ... لقد جاءت , لقد أتت بالبشري وسُر لذلك, ولكن ...
ما زلت تلك الضحكات تعلو وتعلو، واصبحوا يرقصون وكأنهم يتسامرون ليلاً، واطلقوا النيران لتكتمل فرحتم ....وفجأة خيم الصمت بالمكان ماذا ..؟ ماذا حدث ؟؟
لقد اصيبت الرصاصة قلب محمد.. وسقط علي الأرض.

ماذا أيتها الحمامة أما زلتي تحملين بشري أم هي تلك البشارة التي تحملينها منذ الصباح.. لقد جاءت ووقفت علي قلب محمد وطأطأة رأسها وكأنها تتلو الفاتحة علي روحه الطاهرة بقيت لفتره ..ومن ثم طارت إلي السماء وهي تحمل روح محمد الطاهرة البريئة لتسلمها لملائكة السماء.

وانتهت حفلة الجنود وعادوا إلي منازلهم وكأناه لم يحدث شيء ومارسوا حياتهم بشكلها الطبيعي، ولكن ما حال أم محمد عندما سمعت الخبر.. فقد نزل عليها كالثلج الذي جمد مشاعرها، فلم يسمع أحد صوتها ولم نري سوي دموعها التي تلمع علي وجنتيها، فلم يعد هناك لا محمد ولا والد محمد،  لقد امتلأت عينيها بالدموع وهي تودع فلذة كبدها ونور عينيها، وتدعو المولي أن يجعله برفقة أبيه بالجنان ان شاء الله..

هذا هو حال أم محمد ...ليس حالها وحدها بل حال العديد غيرها ولكن هي من جسدت الواقع المرير للشعب الفلسطيني الذي يعيش فيه.
ويبقي لقلمي عودة ان شاء الله ....فانتظروني

بقلم أ. سماح عبدالقادر عثمان الأغا.

اضغط هنا للتواصل أو التعرف على الأستاذة سماح عبدالقادر عثمان حسن قاسم الأغا

اظهر المزيد